أغلق

تبرع اليوم لدعم استمرار الأصوات العالمية!

يعمل مجتمعنا العالمي المكون من المتطوعين بجد بصورة يومية لنشر الأخبار التي لا يتم تغطيتها بشكل كاف، ولكن لا يمكننا القيام بذلك دون مساعدة. ادعم محررينا وموقعنا وحملاتنا عبر التبرع للأصوات العالمية!

تبرع الآن

هل ترى كل هذه اللغات بالأعلى؟ نترجم محتوى الأصوات العالمية حتى نجعل إعلام المواطن متاح لكل العالم.

تعرف أكتر عن لينجوا للترجمة  »

نائمٌ حدّ الموت أو أبعد – المهزلة المسماة وطن

من بيكساباي. استخدمت تحت رخصة المشاع الإبداعي.

من بيكساباي. استخدمت تحت رخصة المشاع الإبداعي.

هذا المقال هو الجزء الخامس من مجموعة“نائمٌ حدّ الموت أو أبعد” التي تحكي مذكرات اعتقال وتعذيب الناشط سرمد الجيلاني في سجون النظام السوري. 

نُنْقل لحمص، البالوني، نصل لساحةٍ كبيرة مليئة بالمدفعيات. كانت مرّتي الأولى التي أشاهد فيها مدفعيةً كبيرة. يدخلوننا، حُفاة عراة كالعادة، نرتدي ملابسنا، نتوزع على المهاجع، أكثر من أربعمئة شخص في كل مهجع، مهاجع هي الأكبر التي مرت عليّ في جميع السجون، ثلاث حماماتٍ في آخر المهجع، يضعوننا في الطابق المخصص للجنايات. يسجنونك داخل زنزانتك، مؤيدون للنظام كُثُر في الداخل، منهم من سرق ونهب واغتصب وينتظر خروجه ويتحدث بصوتٍ عالٍ عن “شوية كلاب بدن يسقطوا النظام و طالعين فورة” والذين دخلوا عليه وهو “آمن”” في مهجعه. يصعب الاعتياد ولو لدقائق على الضرب المستمر من المدفعيات. قالوا لنا إنه قصفٌ يستهدف باباعمرو. لا يمضي الوقت أبداً، يجيء الموعد بعد يومٍ تماماً، مرّت أيامٌ عديدة وأنا أظن أن مراسم الدخول والخروج هي كطقوس العبادة للتقرب من القائد، يمارسونها كشعائر دينية، ويستفيضون بها ما استطاعوا.

نصل إلى الشام، الشرطة العسكرية في القابون، يوزعوننا في في ممر ضيق، تحت الدرج يبدأ الفرز. 235، سمعت الرقم، لم أكن أعرف إلى أين نحن  ذاهبون إلّا أن اسمه 235. ننقلُ بصندوق سيارةٍ لها سعة ثمانية أشخاص، لا أعرفه منهم إلا شاباً من الرقة كنا قد التقينا في الشرطة العسكرية بحلب. وصلنا، فرع فلسطين. “يمتهنون القتل” كما كنّا نسمع عنهم. دخلنا، لم نعد بحاجة لسماع الأوامر، حفظنا مطالبهم عن ظهر قلب: الأمانات، الوقوف عراة،  حركتا الأمان، يوزعوننا على الزنزانات.

عدّة أيام لم تكن الأسوأ، بل تكاد تكون الأفضل. عندما تعتاد على وتيرة معينة من التعذيب يصبح هو حدّك الطبيعي، كل ما يأتي أقل منه هو مَكْرُمة. تحقيقٌ واحد، سؤالٌ عن نيّتي في تغيير أي من أقوالي أو لا، يعيدني للزنزانة، نُنْقلُ في اليوم التالي للتحقيق بنفس الطريقة، نتوقف لساعات في مفرزة تابعة للأمن العسكري في المزّة، هكذا يخبرنا العسكري المرافق، كي نأخذ معنا بعض “الرفقة” كما أسماهم، نتوجه إلى محطتنا الأخيرة، هكذا ركّزوا جميعاً في حديثهم ومحاولتهم إسماعنا إياه. ندخل لساحة كبيرة استرقت النظر إليها قبل أن يرفع الطماش وأنا على رأس درجٍ ليس مرتفع. ننزل، نصل لصالةٍ كبيرةٍ، يتجاوز عددنا المئة. الجميع يتعرّى بمجرد وصوله، تُفتش الملابس ويُبدأ بالفرز. ١٢٤/١ كان الرقم الذي حصلت عليه. ندخل من صالة كبيرة إلى صالة أصغر، يجمعوننا فيها، ثم أدخل لما أسماه “واحد خشب” ستة وثمانون معتقلاً في غرفة صغيرة، سقف فيه مصباحان ويضعون عليها قضباناً حديدية. حتى الضوء يُسجن في هذه البلاد. عدي، بلال ومضر، ثلاثة شبابٍ من ريف دير الزور أعرفهم جيداً يجهزون مكاناً لي بجانبهم. “من حظك إنو في ناس اليوم نقلوها، كنا نتناوب ع الوقوف والقعدة، حالياً شوفة عينك مدبرين حالنا بقرفصة وننام ع أكتاف بعض”.

يحاول بلال، الشاب الذي يقاربني بالعمر، التخفيف من صدمتي. كان يوم الجمعة، عرفت ذلك من البرتقالة التي ستوزع لكل خمسة أشخاص، وملعقة المربى على الغداء. “هون يعطونا زيتونة لكل واحد ورغيف خبز لكل أربعة وبي أيام يجيبون بطاطا وأيام بندورة يعني على حسب الوضع، إلهم فترة مدللينا، وأنت على حد علمي ما تاكل هالشغلات، مو مشكلة يوم المربى إلك والخبز إلك واحنا ندبر حالنا”. يعطيني مضر لمحة عن الطعام كونه الكبير بيننا.

تمضي عدّة أيام دون أي جديد. نستيقظ صباحاً على التفقد، يسمح بالدخول إلى الحمام مرتين يومياً، لا تتجاوز العشر ثوان بسبب قرب الحمام، على يسار الزنزانة فوراً، لدينا خمسة لترات من الماء نقوم بتعبئتها عند الخروج يجب أن تكفينا ليوم كامل، وتوجد علبة مياه غازية فارغة لحالات التبوّل الطارئة بسبب وجود العديد ممن لا تسمح لهم أعمارهم بالانتظار لمدة طويلة. وجبتان في معظم الأحيان، تنخفض أحياناً لوجبة واحدة، علماً أننا لو جمعنا كل الطعام الذي وزعوه لا يجهز لدينا وجبة واحدة لأي إنسان طبيعي. “معليش معليش أنت من زمان لازمك ريجيم، هذا ريجيم غصب عنك، أنت مو عاجبك كرشك، أنا عاجبني وضعي تماماً، متأقلمين مع بعض” يقول عدي محاولاً المشاركة مع مضر وبلال بالتخفيف عني. تبدأ التعليمات، عليك أن تخلع ما عليك، تقوم بقلب ملابسك إذ يتواجد القمل على القسم الداخلي من الملابس “مكان الدرزة” وتقوم بربط الجوارب بأسفل البنطال كيف لا يدخل القمل للداخل. “ضلت حبابتي تقول الما عندو شغل يفصفص قمل إلا صرنا نفصفص قمل، وحاول لا تحك وتقرف، خلص أتعوّد ع الموضوع شوف احنا متعودين” يكمل مضر حديثه بشكل طبيعي وهو يطقطق بقملٍ من كنزته.

خرجتُ لتحقيقي الأول، مغطى الرأس والكلبشة في يدي من الخلف. أقف في الساحة، أسمع أصواتاً عدة، صراخ،  أنين، أصوات محققين، أصوات كرباج، كهرباء، تختلف الأصوات وتدل جميعها على ذات الشيء. يأتي المحقق. “ما رح أضربك بس خليك واقف أفرد رجليك عن بعضها و راسك ع الأرض”. لم أسمع إلا هذه الجملة، يمر الوقت، ساعة، اثنتان، أحاول التماسك رغم أني كدت أسقط لعدّة مرات، ما من فائدة، أسقط أرضاً فيتوالى الرفس والضرب خلال دقائق ويوقفونني مجدداً، ونستمر على هذا الحال حتى الفجر دون أي سؤال، يعيدونني للزنزانة.

يتكرر في اليوم التالي الأمر نفسه، ونعود لروتين “طقطقة القمل”. تمضي عدة أيام، “١٢٤/١ ع التحقيق”. بعد تغطية الرأس والكلبشة يخرجني لغرفة وينزع عني الطماش. فارغة تماماً، يكاد يكون طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترين. يدخل شخص أشقر، أقصر مني بقليل، 184 سنتيميتراً تقريباً. “أشلح ع السريع”.  لا يحمل بيديه أية عصى. خلعت ما أرتديه تماماً. أحضر كرسيين. “تفضل.. شو قصة تعاملك مع الإرهابيين والسلاح، وشو قصة التصوير وشو قصة تنسيق المظاهرات؟ اعتبرني ما عندي المحضر يلي أجا معك وعيد كلشي عاملو من شهور لوقت وصلت عندي هون”. يقولها وهو يمسك بخيط شفّاف من النايلون، أظنه شبيهاً بخيط السمك لا يتجاوز طوله الشبر، أو أطول بقليل، وتركيزه مشدود للخيط. “ما أتوقع عندي شي أضيفو، لو فعلاً حامل سلاح أو مصور أو عامل شي كان اعترفت، صدقني الضرب يلي تعرضتلو حتى يلي مو عامل شي راح يعترف ع كلشي بدكم ياه، بس واثق إنو ماني عامل شي ومتمني تصدقني”. كان صوتي مرتجفاً. تمرُّ دقائق من الصمت. “يعني ما رح تطربني بشي جديد غير يلي عم تكزبو” حاولت السكوت بعد احتداد نبرته.

“قوم وقف ع طولك” كانت نبرته أشد مما سبق. وضع الكلبشة مرة أخرى على يدي من الخلف، ضغطني بقوته على الحائط، رفع قدمي اليمنى. أحاول استيعاب ما يجري دون جدوى. يربط إصبع قدمي اليمنى الكبير بعضوي الذكري، بالخيط ذاته، تأكدت أنه خيط لصيد السمك من ملمسه. يتركني واقفاً على قدمٍ واحدة. أية حركة أو اهتزاز ستكون كافية لجرح الروح. تشظُّ الروحُ ألماً، يجلس على الكرسي المقابل لي، يمنعني من الاستنادٍ على الحائط. لم أستطع تحديد الوقت تماماً، ما أعرفه أنها كانت أصعب لحظات الذل. أفقد وعيي بعد مدةٍ لم أقدرها، ولا أستيقظ إلا في الزنزانة.

ما من جنّةٍ تحت أقدام والدته، متأكدٌ من هذا، تلك التي ربت ذاك الوحش، القاتل، الجزّار. لحظاتٌ أنقم فيها على الكل. أحاول أن أمثّل استمراري في النوم كي لا يروا دموعي. لم أنتظر لحظتها من يحن لذكراي، أو ذكرى من كانوا معي في هذه المهزلة المسماة وطن، لم أنتظر لحظتها ابتسامة أو تشجيعاً على أن ما أقوم به هو تضحية لثورة وطن، لحظتها كنت سرمد، فقط سرمد، ابن الثامنة عشر، الذي يرون في تعذيبه أساساً لبناء وطن، قتله تحت التعذيب سبيلاً لدخول الجنة. يزرعون الكراهية والحقد فينا شئنا أم أبينا، يشرّحون قلوبنا ليزرعوا أسلاك تقسيم الوطن جدراناً عازلةً مبنيّةً على الانتقام.

يحاول مضر، والذي كانت تهمته حمل السلاح، التخفيف عني: “هذا كلو شرف إلنا، هم يلي حاملين العار مو احنا، لما وقفت كل الناس وقفت مثل وقفتك وضلو يومين وثلاثة، يحاولون يهينون رجولتك اليوم وما راح يقدرون لإنو هم فاقدين الرجولة” قالها بقلبٍ محروق، هو الذي كان قد تعرض لشتّى أنواع التعذيب. أخبرني أنه في المرّة الأولى وضعوا له كيساً من النايلون على رأسه و ربطوه من الأسفل، لتشعر بأن النفس الذي تسحبه هو آخر ذرة أوكسجين متبقيّة لك، ولكن تستمر بسحب الأنفاس الأخيرة. حالات الإغماء كثيرة، لم يكن هناك من داعٍ لأن أخجل منها، فمن يجلبونه بظهرٍ مفتوح، أو قدمٍ مُدماة بسبب “الشَبْحِ” العكسي، أو من يبقونه في خزّان المياه الصغير لأيام مع فتحة صغيرة للتنفس يقضي حاجته فيه ويشرب منه. نظامٌ لا يُكذَّبُ عنه أية وسيلة تعذيب، اعتاد الهمجية، يعرف تماماً كيف يقتل ويتفنن بأساليبه، يحمل وزر دماء نُثرت في تلك الأقبية، نسيها التاريخ.

“السٌخرة” في عدّة أفرع ومهاجع يكونون هم من يخرجون لجلب الخبز والطعام وغيره من الخارج، ولكنهم هنا مجموعة دائمة، شبابٌ في مقتبل العمر، كُتب عليهم الجمال كأحد الأوزار التي يتوجب عليهم حملها طيلة العمر. ذاك الشاب الأشقر الذي لم يتجاوز السادسة عشر تعرّض للاغتصاب. لم يكن الضابط علويّاً – تسقط حجّة الطائفية – ولدي يقين بأنه لا ينتمي لأية طائفة أو دينٍ أو مذهب، أو حتى لم يكن إنساناً، ويا أسفي أنه كان سورياً، من ذات الوطن. بقي الشاب يُغتصب حتى فقدنا رجولتنا، هو أحد المعتقلين الذين طالتهم حملة اعتقالات في حمص. وقال لي بلال إن هناك من لا يتجاوز الثانية عشر من أمثاله. بَقي مغيباً عن أهله لشهور. زيارة من  والده بعد شهور من الاعتقال، يراه قد تعرض للاغتصاب، فيتبرأ منه، بعد أن سانده تاريخ المجتمع بهذا القرار. جميعنا تعرضنا للاغتصاب، بطريقة أو بأخرى، منذ دخولنا الأول وتنفيذ حركتي الأمان حتى الخروج، ويعيش لحظتها كل معتقل عارياً من كل شيء عدا الأخلاق التي فضلّنا تسليمها مع الأمانات داعين الله ألا يُسرق منها شيئاً. وقتها أحسست بأنفاسي تكتم، كانت إحدى عشرة مرة، أو اثنتا عشرة، نسيت عددها، متنقلاً بين الفروع والمحافظات، في كل مرّة كُتبت علينا مرتان “مناسك التعبّد الخاصة بالفرع الأمني”. تخيل أن كل هذه الأفعال لا يسمونها اغتصاب! يحاولون إفقادنا رجولتنا، يساعدهم جموعٌ يشمئزون منّا، جميعهم قطيعٌ يُساق لا أكثر.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.

اشترك بتحديثات القائمة البريدية للأصوات العالمية

لا أريد الإشتراك، أرسلني للموقع