المرأة المقدونية التي يناديها اللاجئون “أمّهم الثانية”

Filip Stojanovski
Suzanne Lehn
كريمة بن كريد

أخبار جيدة

+

لانش زدرافكن على شرفة بيتها بفيلس ، مقدونيا. صورة Viktor Popovski/IKS, / IKS، استخدمت تحت رخصة المشاع الابداعي.

أيام قليلة قبل حلول العام الجديد، نشر موقع “سامو براشاج” (يكفي أن تسأل) مقالا بقلم لانش زدرافكن وهي صحفية أصبحت ناشطة إنسانية من مدينة فيلس بمقدونيا، والتي حصدت إعجابًا كبيرًا بسبب مساعدتها للمهاجرين واللاجئين.

يقع منزل السيدة زدرافكن بالقرب من سكة الحديد التي يستخدمها المهاجرون واللاجئون للانتقال من اليونان إلى أوروبا الغربية. وكون دخولهم للبلد بصفة غير قانونية قادمين من اليونان، فإنهم يتجنبون وسائل النقل العادية، إذ أن سائقي السيارات وحتى سيارات الإسعاف قد يواجهون خطر الاعتقال  بتهمة الإتجار بالبشر. لذا يفضل اللاجؤون الاسترشاد بتتبع هذا الجزء من سكة الحديد التى تشق “طريق البلقان”من الجنوب إلى الشمال .

خلال صيف 2015، عندما وصل عدد المهاجرين واللاجئين القادمين إلى أوروبا ذروته، وضعت السلطات المقدونية قوانين وإجراءات جديدة للتعامل مع هذا التدفق. ونتج عن ذلك تقلص عدد المشاة على طريق البلقان، لكنه رغم ذلك لا يزال الكثيرون يسلكون هذا الطريق وخاصة المهاجرين لأسباب اقتصادية، وللهروب من بيروقراطية طلب اللجوء.

تقع بلدة فيليس على بعد حوالي منتصف طريق سكة الحديد بين غيفيغليا – تابانوس. الصورة من ويكيبيديا من قبل Maximilian Dörrbecker – Chumwa. استخدمت تحت رخصة المشاع الابداعي.

قد تكون الرحلة خطرة. في السنوات الأخيرة، لقي العشرات من المهاجرين واللاجئين حتفهم على  سكة الحديد أو  بالقرب منها إثر حوادث أو اعتداءات من عصابات محلية.

وكتبت زدرافكن في مقالها أنه لم يكن من الممكن أن تكتفي بالمشاهدة السلبية. وبالتالي بدأت مساعدتهم بكامل طاقتها. كانت تساعدهم في البداية بمالها الخاص وبعد ذلك عن طريق شبكة متنامية، رغم كراهية الأجانب المتزايدة التي يغذيها السياسيون في السلطة ووسائل الإعلام.

حولت لانش زدرافكن الطابق الأرضي لمنزلها إلى مخزن للمساعدات الإنسانية توزع على اللاجئين والمهاجرين العابرين . صورة Viktor Popovski/IKS, / IKS، استخدمت تحت رخصة المشاع الابداعي.

و تقول:

في أوائل عام 2013، خلال مارس – أبريل / آذار- نيسان، كانت درجات الحرارة لا تزال منخفضة، مثل الآن. لا وقت للانتظار أو مجال للسؤال عن ماضيهم وحاضرهم. سرعان ما رأيت هؤلاء الفتيان، ذهبت لشراء الخبز لمساعدتهم وإعطائهم إياه. في ذلك الوقت لم يكن قد تغيّر قانون اللاجئين بعد، ولم يكن الأمر بتلك السهولة. بشكل عام، كان يحدث هذا فقط ليلًا، ولم أكن أنام بانتظار وصول المجموعات. كان صوت أقدامهم مختلفًا عن السكان. خطاهم ثقيلة، وعندما أسمع تحركهم على الصخور، أعلم أنهم هم.
أجمع التبرعات في الطابق الأرضي من المنزل، وأحاول الحصول على جميع الأشياء الضرورية لهم. لقد فعلت  ذلك بمفردي لفترة طويلة. وصل بي الأمرإلى بيع الكثير من أشيائي. عندما يحتاج بعض اللاجئين إلى علاج، أرسل الأطفال أو أذهب بنفسي إلى الصيدلية لشراء أقراص. منتجات النظافة الشخصية مطلوبة دائمًا، وكذلك الأحذية والمواد الغذائية وحليب الأطفال. لقد حدث عدة مرات أن تواجد 300، 400، 500 شخص في نفس الوقت في فناء بيتي، والرواق وعلى الدرج. يجب تحديد الأولويات ورعاية كبار السن والنساء الحوامل، واستدعاء سيارة إسعاف والصليب الأحمر للمرضى. كنت أضمد بنفسي الجروح عند الإمكان.
لانش زدرافكن في بيتها في فيلس. صورة Viktor Popovski/IKS. تم استخدامها بواسطة رخصة المشاع الإبداعي.
كانت لدي عائلة كبيرة قبل وصول اللاجئين، وصارت أكبر. وينادونني “لانس” (بدلا من “لانش”) أو “أمي”، وحتى كبار السن كانوا ينادونني “أمي”. قال لي أحدهم، “تركت أمًّا في حلب، وأنتِ الثانية”. كانوا يتصلون بي هاتفيا ليخبروني: “أمي، وصلت إلى مكانٍ آمن.”
الكل يحترمني، يراسلوني، يريدون رؤيتي من جديد يومًا ما أو أن أزورهم. تمكنت من الاتصال بثلاثة عشر فردًا من نفس العائلة وجمعتهم في فناء بيتي. وبعد مرورعام، طلبوا مساعدتي مرة أخرى للعثور على أختهم الصغرى وأطفالها. في حشود من آلاف اللاجئين، كنت أنادي ياسمين، ياسمين، إلى أن وجدتها. وتمكنت الأسرة من الاجتماع بالكامل. إنهم سعداء الآن، التحقوا بالمدارس، ويتعلمون اللغة، وهم سعداء جدًّا بوجودهم معًا.

 

لانش زدرافكن بالقرب من سكة الحديد. صورة Viktor Popovski/IKS. تم استخدامها بواسطة رخصة المشاع الإبداعي.
لقد وقعت حوادث عديدة. تسببت القطارات في العديد من الوفيات. لجأ بعضهم لي وساعدتهم، وعلى بُعد بضعة كيلومترات من منزلي دهسهم القطار. تنقلت من إدارة إلى أخرى لترتيب الجنازة في المقبرة الجديدة. حفرنا مقبرة جماعية ولإكرامهم، أحضرت إمامًا ليتم دفنهم وفق عاداتهم. وضعت حجرًا على القبر هذا العام مع نقش باللغة العربية والإنجليزية. أحسست بواجب القيام بذلك في حال بحث عنهم شخص ما، حتى لو لم نعرف أسماءهم. في كل مرة أفكر في هذا الحادث، أمرض، وهذه الصور لا تختفي من ذاكرتي. ذهب مليون لاجئ، وبقيت ملايين القصص بداخلي. كل واحدة منها تركت أثرًا.
لانش زدرافكن . صورة Viktor Popovski/IKS. تم استخدامها بواسطة رخصة المشاع الإبداعي
لم يتوقف مرور المهاجرين لأسباب اقتصادية. اتصل بي اليوم صبي لا أعرف من أين، سوريا أو العراق … وكتب : “أبدأ الرحلة سيرًا على الأقدام مهما كان الثمن، هل أنتِ هناك؟” . نحن نفهم بعضنا بسهولة، رغم أنهم لا يعرفون لغتنا [المقدونية] وأنا لا أتحدث لغتهم، ولكن لمساعدة شخص ما، يكفي التواصل بالعيون. لا أظن أنني هنا مصادفةً. لا أقول أن مساعدتي كبيرة،  لكنهم متعبون جدًّا ومصدومون، حتى أن مجرد الابتسامة تعني لهم الكثير. أحصل على طاقتي منهم، عندما يستعيدون بعض القوة، يمكنهم إلقاء النكات، لديهم الإرادة للعيش، لمواصلة المشوار. بفضلهم أدركت أن علينا أن نكون دائمًا شاكرين على ما لدينا. إنه من المحزن ألا نعرف كيف نُقدّر ذلك.

نُشر مقال زدرافكن على بوابة “سامو براشاج” تحت رخصة المشاع الإبداعي، ويحظر أي استخدام  تجاري أو إجراء أي تعديل عليه. وتقوم الأصوات العالمية  بترجمة ونشر هذه الشهادة الهامة بترخيص من معهد دراسات الاتصالات (ICS) بسكوبيه الذي أعدّ المقال.