أغلق

تبرع اليوم لدعم استمرار الأصوات العالمية!

يعمل مجتمعنا العالمي المكون من المتطوعين بجد بصورة يومية لنشر الأخبار التي لا يتم تغطيتها بشكل كاف، ولكن لا يمكننا القيام بذلك دون مساعدة. ادعم محررينا وموقعنا وحملاتنا عبر التبرع للأصوات العالمية!

تبرع الآن

الصين كتهديد ثقافي تواجهه إثيوبيا: من الطعام إلى السيطرة الثقافية

"Donkey Power, Ethiopia" by Rod Waddington is licensed under CC BY-SA 2.0

تُستخدم الحمير وغيرها من الحيوانات الأليفة كالكلاب والقطط في إثيوبيا لغرض التنقل فقط وليست للاستهلاك الغذائي. بعدسة رود وادينغتون تحت رخصة المشاع الإبداعي CC BY-SA 2

تتفاخر الصين وإثيوبيا بشراكتهما الثنائية رسميًا، فقد جذبت الثانية ما يقرُب من 700 مواطن صيني للاستثمار داخل أراضيها حيث تعتبر ثاني أكبر بلد أفريقي يتلقى قروض من الصين. يقترن النمو الاقتصادي الإثيوبي المتسارع الوتيرة مع إنشاء المجمعات الصناعية والتي بُنيت وصُممت على خُطى الصين وهوما دفع بعض وسائل الأخبار أن تُطلق على إثيوبيا لقب “الصين الأفريقية”، كما تحرص الأحزاب السياسية الرئيسية هناك، وحزب الازدهار، والأحزاب السابقة على الحفاظ على علاقات قوية الأواصر مع الحزب الشيوعي الصيني. تُعد إثيوبيا شريك هام في مبادرة الحزام والطريق (BRI) في أفريقيا.

رُغم ما سبق ذكره، فالنظرة الإثيوبية تجاه الحضور الصيني من المنظور الثقافي الشعبي، عادة ما يُرى كتهديدٍ ثقافي متعدد الجوانب. من ناحية، هناك مخاوف مُتزايدة في وسائل التواصل الاجتماعي تجاه المجتمع الصيني كصاحب ممارسات ثقافية دخيلة خاصة فيما يتعلق بعادات الطعام. على صعيد آخر، هناك قلق متزايد حول استباحة الثقافة الصينية للموروث الثقافي لإثيوبيا كالإصدارات الأرخص من الملابس والمشغولات الإثيوبية المصنوعة في الصين والتي تعج بها الحوانيت والأسواق المحلية.

كما الحال في الدول الأخرى التي وَقّعت على مبادرة الحزام والطريق، أثار حلول الوافدين ومجتمعات الأعمال الصينية بعض الخلافات، ومن العسير أن نقرر رقم تقريبي للمقيمين من المواطنين الصينيين في أثيوبيا، لكن هناك بعض التقديرات تعتقد بوجود 60 ألف وافد على الأقل.

الطعام: مسألة حساسة

يتضح هذا التوتر على الجانب الإثيوبي خلال الجدل القائم حول العادات الغذائية للوافدين الصينين لا سيما تلك الاتهامات التي تلاحق الوافدين بانتهاكهم لتقاليد الطعام الإثيوبية. حيث يتكون المطبخ الإثيوبي بشكل أساسي من الخضروات المطهوة وشوربة العدس بجانب أطباق اللحم الحار وأطباق اليخنة حيث يتم تقديمهم على خبز الإنجيرا المسطح المصنوع من بذور التيفا، كما يقتصر تناول اللحوم على الضأن والبقر والدجاج والمأكولات البحرية (باستثناء سمكة سيمبل فش). بدورها، تصور الجالية الصينية كآكلين شرهين للحيوانات المحرمة كالحمير وكذلك الحيوانات الغريبة حتى تلك المنهي عنها كالثعابين والحشرات والفئران.

ينتقد رواد التواصل الاجتماعي في أثيوبيا في تعليقاتهم رغبة الصينيين في تناول الحمير، فبعض التعليقات تدعي أن تناول الحمير منتشر على نطاق واسع لدى الصينين متخذًا طابعًا محرمًا، علاوة على مقالة تؤكد قيام المسالخ الصينية بشراء ما يصل إلى 1 مليون حمار من المزارعين الإثيوبيين بشكل غير قانوني؛ لاستخدامهم لاحقًا في تصنيع عقار إيجياو والذي يُصنع من جلود الحمير حيث يستخدم في الصين بغرض تحسين الدورة الدموية. تصرح وسائل التواصل الاجتماعي عن قلقها البالغ حيال اختفاء الحمير المتَوقع في أثيوبيا في غضون 10-15 عام إذا استمرت عمليات البيع الجماعي والذبح الجائر. أبلغت بعض وسائل الأعلام الإثيوبية كالجريدة الخاصة و”الأثيوبان ريبورتر” عن المخاوف واسعة النطاق بشأن اختفاء الحمير مُشيرة إلى دراسة أجرتها برووك أثيوبيا حيث صرحت في مقال “صناعة عقار الإيجياو في الصين تشكل تهديدًا خطيرًا على حياة وسبل معيشة لملايين الأثيوبيين الرازحين تحت مظلة الفقر”.

في أثيوبيا، تستخدم الحمير وغيرها من الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب فقط في التنقل وليست في الاستهلاك الغذائي، ففي الريف تحظى الحمير بالتقدير وتحتل مكانة خاصة حيث تُستخدم في نقل البضائع خاصة من قِبل النساء والفتيات.

طبقًا لمنظمة “ملجأ الحمير” وهي منظمة بريطانية غير ربحية فهناك ما يقرب من 80% من سكان أثيوبيا يعتمدون على الحمير حيث يشير رواد التواصل الاجتماعي إلى الخطر الناجم عن ذبح الحمير وتصديرها وأثرها البالغ السوء ليس فقط على تنمية الريف، بل أيضًا على النسيج الأخلاقي. على سبيل المثال، تشير إحدى المنشورات أن افتتاح مسالخ الحمير ينافي القيم الدينية المقدسة لأثيوبيا، ومن المفارقات أن المعلق استأنف موضحًا أنه لا بأس أن فتح الصينيون أماكن لتربية الحمير طالما لا يأخذوا حمير أثيوبيا.

تتسم التعليقات الأخرى المتعلقة بعادات الطعام الصينية بالمبالغات الساخرة والدرامية، فعلى سبيل المثال وليس الحصر هذا المنشور على فيسبوك الذي يسخر قائلًا “لو كان آدم وحواء صينيان… فكان بالإمكان أن نظل في الجنة إلى يومنا هذا، لأنهما بدلًا من أن يتناولا التفاحة المحرمة كانا سيتناولان الأفعى الغاوية”، وآخر يقترح ساخرًا أن تتعامل الحكومة الإثيوبية مع أزمة الجراد بالاستعانة بالمقيمين من المواطنين الصينيين ليس باستخدام التكنولوجيا خاصتهم، ولكن بجعلهم يأكلون الجراد.

يجب أن نُقر بمحاولة التعتيم على الرسالة العرقية وعدم تقبل الثقافة الدخيلة التي تنطوي عليها تلك التعليقات حيث يُشكك رواد التواصل الاجتماعي في أثيوبيا في إنسانية المواطنين الصينين وتصويرهم على أنهم “الآخرون” الدخلاء البغضاء عن طريق الترويج للحديث المتداول عن طعامهم والذي نجح في إيصال تلك الرسالة العرقية مقطع فيديو تم تداوله حيث يُظهر مجموعة من المثليين الأثيوبيين المشهورين يرتادون أحد المطاعم الصينية مستهزئين بطعامهم. بينما تقدم النادلة الصينية مكونات مختلفة لطبق الهوت بوت والذي يحتوي على مأكولات بحرية موضحة طريقة أكله كان الممثلين يسخرون من محتويات الطبق خاصة المأكولات البحرية الأمر الذي شجع على كتابة تعليقات تتخطى حدود اللياقة عن الشعب الصيني وذلك عندما ذهب أحد الممثلين إلى الحمام ليجد صديقه مازال يجلس إلى الطاولة ليُعقب قائلًا “لن تجد أي مشكلة في الزواج منها، كل ما عليك فعله هو أن ترسلها إلى فناء المنزل وسوف تأكل كل ما تجده” مرددًا التعليق الذي يتحدث عن أكل الصينيين لفئران المنازل الأمر الذي صور النادلة وكأنها بربرية كريهة.

قد أخذت تلك الجماعات الصينية ذات العادات الغذائية الغريبة بُعدًا جيوسياسي جديد وذلك في ضوء اندلاع جائحة كورونا، فبعض التعليقات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي تتهم تناول الأطعمة المحرمة هو ما سبب اندلاع الفيروس داخليًا في ووهان مستحقين بذلك غضب الله وعقابه عليهم، بينما كان الآخرون أكثر وضوحًا في ربطهم بين المعاناة العالمية من الفيروس وأطعمة الصينيين الغريبة معلقين “يتناول الصينيون الطعام …. وتغسل شعوب العالم أياديها”

صناعة التذكارات والاستيلاء الثقافي

هناك أمرًا آخرًا يفرض نفسه على الساحة الإثيوبية غير العادات الغذائية الغريبة للصين وهو الاستيلاء الثقافي الصيني الذي أصبح حديثُ الساعة في المجالس كتصنيع الصين لبراد القهوة الإثيوبي التقليدي حتى أن إثيوبيا نفسها تتفاخر بكونها واحدة من أكبر منتجي القهوة في العالم كما تعرف بكونها هي موطن (مهد) القهوة، حيث تستخدم طرق التخمير التقليدية للقهوة برادًا أنيقًا من الطمي الأسود يسمى الجبينا يصنعه الحرفيون هناك وبرغم هذا أصبحت الصين تصنعه حيث يُباع في الأسواق ومحلات الخزف مؤخرًا.

كما تباينت ردود الفعل العامة ما بين معجبين بالكفاءة التي تتسم بها الصين ورغبتهم في تحديث إنتاج الجبينا الأثيوبية إلى المخاوف من ادعاء الصين أنها صاحبة السبق في اختراع الجبينا علاوة على الانتقادات لبعض خصائصها كلونها الأبيض المخالف للونها الأسود التقليدي. يدعي بعض مستخدمي الإنترنت أن شراء الجبينا صينية الصنع يعني عدم احترام المنتج الوطني ويُعرض الدخل القومي للحِرف في أثيوبيا للخطر.

يُعتبر موضوع تصنيع الصين للملابس الأثيوبية التقليدية أمرًا أخرًا شائك، فتلك الثياب تُصنع من قطن رفيع ورقيق باهظ الثمن ويصنع يدويًا وعادةً ما يستخدم في المراسم الدينية إلا أن الأمر تغير بتصنيع الصين لتلك الثياب حيث أنتجت نفس الثياب بثمن أقل، ولكن من الألياف الصناعية. رغم تداول المنتج الصيني على نطاق واسع في الأسواق الأثيوبية من بيع وشراء إلا أن الاتهامات والانتقادات تلاحق المنتج الصيني على نطاق واسع الأمر الذي لم يسلم منه المستهلكين أنفسهم، فإحدى المنشورات على فيسبوك تقول “لا نتمنى إجازة سعيدة لمن يرتدي ثياب حضارتنا صينية الصنع!!!”

تهزأ التعليقات الأخرى من المسؤولين المحليين في منطقة الأمهرة لقبولهم أن يتم تصنيع الملابس التقليدية المستخدمة في احتفال الأشيندا في الصين، في حين تخاطب بعض التعليقات الشعب الأثيوبي على نطاق واسع في فشل الدولة في تطوير صناعة النسيج اليدوي وجعله سلعة صالحة للتصدير، بدلًا من ذلك سمحو للصين بسرقة تصميمات الملابس الأثيوبية التراثية وتصنيعها.

يتضح من الاهتمام العام بعادات الطعام الغريبة للصينيين وإمكانية السيطرة للثقافة التقليدية الإثيوبية على الفجوة الكبيرة في العلاقات الإثيوبية-الصينية في اللقاءات بين الطرفين. على المستوى السياسي، فالشراكة الإثيوبية-الصينية في تطور مستمر. مؤخرًا أُرسلت 300 ألف جرعة من اللقاح الصيني إلى إثيوبيا. على الرغم من أنها بادرة طيبة تنم عن كرم الصين، إلا أن هناك مخاوف متزايدة في المجتمع الإثيوبي حيال الحضور الصيني المتنامي والمُكتسي بالغرابة والخطورة بجانب القوة الاقتصادية للصين الدخيلة وغير المرحب بها في أثيوبيا حينما يتعلق الأمر بما يسمى “عصرنة” الثقافة الإثيوبية.

سيستمر المسؤولون الإثيوبيون في الاحتفاء بالقروض والاستثمارات واللقاحات الصينية على الرُغم من أن تدفق الأموال لا يعني بالضرورة تنظيم لقاءات ثقافية أعمق مُرتقبة إذا استمرت الشراكة الاقتصادية مع تلك المخاوف والتصريحات الخفية عن مقاومة المجتمع الإثيوبي للوجود الصيني.


هذا المقال هو جزأ من تحقيق للمرصد الوطني للإعلام للروايات المتبارية حول إتفاقية الحزام والطريق الصينية واستكتشاف التصورات المختلفة للمجتمعات والشعوب حول المكاسب والخسائر المُحتملة التي ستنجم عن التنمية التي تقودها الصين. لمعرفة المزيد حول هذا المشروع وطرقه، انقر هنا 

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.

اشترك بتحديثات القائمة البريدية للأصوات العالمية

لا أريد الإشتراك، أرسلني للموقع