“الحكومة الجديدة في تشيلي: عودة الأمل “الهش

صورة لجابرييل بوريك أثناء إلقاء خطاب النصر في عام ٢٠٢١. الصورة من ويكميديا كومنز، استخدمت تحت رخصة المشاع الإبداعي

انُتخب جابرييل بوريك رئيسًا لشيلي في الفترة من 2022 إلى 2026. ينتظر جابرييل بوراك مهمة كبيرة بدءًا من الحادي عشر من مارس/آذار القادم، عندما يقوم الرئيس الحالي سبياستيان بنيرا بنقل مقاليد الحكم إليه. عليه أن يبدأ بمواجهة تهديد فيروس كورونا القائم، والاقتصاد الذي أُضعف بسبب التضخم المستمر والولاية السياسية الجديدة. كما سيتم تجديد جزء من مجلس الشعب دون الأغلبية العظمى لتحقيق توافق في الآراء واسع النطاق. إن الأمل الذي أشعله بوريك في منتخبيه سيواجه الواقع الصعب قريبًا.

هناك العديد من القضايا التي يأتي على رأسها تحديات هيكلة الدولة التي لم تحل بعد مثل دين الشباب في التعليم الجامعي، وعدم المساواة في الرعاية الصحية، وفشل نظام المعاش التقاعدي الخاص الذي فرض أثناء الحكم الديكتاتوري للعسكري المدني اوجوستو بينوشيه. بوراك لم يقابل أي شيء بهذه الصعوبة حتى الان.

جرت حملة الانتخابات الرئاسية في خضم مشاورات لتجديد الدستور الذي تم تفعيله بالتصويت العام بعد أزمة أكتوبر/تشرين الأول 2019 حينما قام الآلاف من أبناء تشيلي بالتوجه للشوارع للمطالبة بميثاق اجتماعي جديد. يعد جابرييل بوريك ممثل للمجموعة اليسارية ابريوبو ديجنيداد. كما فاز بالرئاسة في الجولة الثانية بيوم الأحد 19 ديسمبر/كانون الأول بنسبة 55.87 في المائة من الأصوات مقابل نسبة 44.13 في المائة لصالح نائب اليمين المتطرف السابق خوسيه أنطونيو كاست الذي عارض بشدة فكرة الدستور الجديد.

يعرف الرئيس المنتخب الذي يبلغ من العمر 35 عام القليل عن مواجهة التحديات الصعبة. فمنذ عقد مضي ترأس جابرييل بوريك جنبًا إلى جنب مع قادة آخرين حركة طلابية ضخمة التي نادت بنيرا أثناء فترة رئاسته الأولي حينئذ بتعليم عام مجاني وذو جودة. ثم قام بوريك أثناء الفترة الأخيرة من الولاية الثانية كنائب لمنطقة ماغالانس الجنوبية بتجميع التوقيعات الداعمة لترشحه للرئاسة بسرعة قياسية. فاز بالمرحلة الابتدائية بالرغم من إنه لم يكن المفضل في استطلاعات الرأي، كما تحمل برزانة الهجمات الشخصية والأخبار المزيفة الموجهة من كاست. كما ربح في الإعادة بفارق مليون صوت بعد حلوله في المرتبة الثانية في الجولة الأولى. بهذا أصبح الرئيس الحاصل على أغلبية الأصوات والأصغر سنا في تاريخ شيلي.

تشابهت المرحلة الأخيرة من الحملة مع موقف استقطاب الاستفتاء الذي أدي إلى إنهاء حكم بينوشيه عام 1988، وذلك بسبب تأييد خوسيه انطونيو كاست لموقف بينوشيه وشركائه جنبا إلى جنب مع آراءه السلبية بالنسبة للنساء والتنوع الجنسي. بعد أكثر من ثلاثين عام فإن تقسيم الأصوات بين الخيارين حينذاك والان تقريبًا هو نفسه. وعلى هذا النحو كانت فرحة منتخبي بوريك في يوم 19 ديسمبر/كانون الأول مضاعفة فمن جهة فرحتهم بالنصر الانتخابي ومن جهة أخرى انسحاب المحافظين الجدد حتى إشعار آخر على نفس طريقة ترامب وبولسونارو.

جاء عقب هذه الإثارة حديث بوريك أمام حشد في سنترال سانتياجو عن سالفادور اليند الذي أدي إلى قلق متزايد بشأن التغيرات القادمة وموجة من التوقعات بأن الرئيس المنتخب ينبغي أن يدير زمام الأمور بكثير من الحذر. مع ذلك، فإن حقيقة رجوع الأمل لمفردات قاموس المواطنين وسط كل هذا الشؤم والكآبة هي أخبار جيدة في حد ذاتها.  ففي ظل الأوبئة والأزمات المناخية والهجرة الإجبارية ومآسي البشرية الأخرى المحبطة فضّل التشيليين المشروع السياسي الذي يسعي لمستقبل أفضل بدلاً من دعم خطاب يسيطر عليه الخوف من العدو الداخلي والخارجي سواء كان حقيقي أو خيالي.

بالطبع ليس كافي عرض الطريق إلى الحلم فإذا ما خابت آمال بوريك في مشروع إعادة التوزيع وتعثر أكثر من مرة فيما زعمه من نقاط الضعف مثل جرائم المدن والاتجار بالمخدرات والإرهاب في منطقة أروكانيا، أو حتى شكل حكومة متوسطة فسيغمره الإحباط ويصبح الأمل هشاً. هذا سيكون الأرض الخصبة التي سيزرع بها كاست خطابه من وعد بالإصلاح وإعادة “النظام المفقود” محل التساؤل ووطنية مزعومة ذات طابع استثنائي التي استخدمت تشبيه لشيلي “الجار الطيب في الحي السيء” الذي انتشر فترة التسعينات.

على الصعيد الإقليمي فإن تولي جابريل بوريك سيضمن تقوية اليسار الناعم للرئيس التشيلي السابق ميشيل باشيليت والناهض لويس اناشيو دا سيلفيا الذين اُستقصوا عن البندول السياسي العتيد على الأقل لمدة خمس سنوات. ومن المتوقع أيضاً أنه سيعزز الدبلوماسية “الفيروزية” كما سميت بجدول أعمال الاستدامة الذي جمع بين كل شيء. كما إنه على عكس رؤساء الدول المتقدمين سوف يدين بشكل قاطع انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة على يد أي حكومة ولا سيما أولئك الذين يزعمون أنهم يساريين وهو ما قام به بالفعل.

علاوة على ذلك فكل شيء يبين أنه سيكون قائد يحترم المؤسسات والأطراف الإقليمية المتعددة وروح الحوار الذي أسسه في شيلي. خير دليل على ذلك هو أن أول نشاط له كرئيس منتخب كان بروتوكول الاستقبال في قصر لامونيدا حيث استقبله نفس الرئيس المنتقد بشدة لطريقة إدارته للاضطرابات الاجتماعية عام 2019. بعد ذلك قام بزيارة المقر الرئيسي للمؤتمر الدستوري وعرض عليه ضمانات بالدعم والاستقلال الذاتي.

بالرغم من أن الحقيقة دائمًا أكثر تعقيدًا من الآراء المانوية النموذجية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا إن المواطنين الرقميين لن يهاودوا عنما يتعلق الأمر بدعم رئاسة جابرييل بوريك. الأمر يعود لجابرييل وفريق إدارته خلال فترة حكمه لأربع سنوات في ألا يبدو متساهلاً. الكل يعلم أن الفترة الوردية التي استمتع بها الرئيس المنتخب المحبوب حالياً لن تدوم طويلاً. بخلاف هذه التفسيرات الموضوعية فإن النجاح الحقيقي للقيادة هو تمكنها من توفير حياة أفضل للتشيليين كما تم وعدهم من قبل الحملة.

التعليقات مغلقة

اشترك بتحديثات القائمة البريدية للأصوات العالمية

لا أريد الإشتراك، أرسلني للموقع