بعد أن خذلهم القضاء التونسي: هل تمنح الأمم المتحدة “العدالة الانتقالية” لضحايا التعذيب؟

تونسيون يتظاهرون في تونس العاصمة للمطالبة بالعدالة لضحايا ثورة 2011.

تونسيون يتظاهرون في تونس العاصمة في 9 أبريل/نيسان 2013 للمطالبة بالعدالة لضحايا ثورة 2011. الصورة بواسطة المغاربية. المصدر: فليكر (CC BY 2.0)

نُشر هذا المقال بقلم سناء المحيمدي في الأصل باللغة العربية على موقع رصيف 22* في 8 فبراير/شباط 2025. نُشرت هذه النسخة المحررة على جلوبال فويسز كجزء من اتفاقية لمشاركة المحتوى.

عندما أطاحت ثورة شعبية بالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي ونظامه في عام 2011، اعتقد التونسيون أن سقوطه سيكشف أخيرًا عن الوجه المظلم للنظام السابق وإرثه الثقيل من انتهاكات حقوق الإنسان.

ولكن، بعد سنوات من البحث عن العدالة لضحايا التعذيب في البلاد، لجأت مجموعة من التونسيين إلى الأمم المتحدة وقدمت شكوى إلى لجنة مناهضة التعذيب (CAT) ضد الدولة، “كأمل أخير” لتحقيق العدالة ومحاسبة معذبيهم.

قُدمت الشكوى بدعم من المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب (OMCT)، مشيرة إلى “عدم قدرة الدولة التونسية على الوفاء بالتزاماتها بالتحقيق مع مرتكبي التعذيب وسوء المعاملة ومحاكمتهم وتعويض الضحايا”.

ضحايا التعذيب

راشد جيدان، وهو سجين سياسي سابق في عهد بن علي، هو أحد الستة الذين قدموا الشكوى. في عام 1993، حُكم عليه بالسجن 26 عامًا و5 سنوات من الإقامة الجبرية. أُطلق سراحه بعد 13 عامًا تعرض خلالها لجميع أنواع التعذيب.

قال لموقع رصيف22: “لا أتوقع من تونس سوى الاعتراف بتاريخها المظلم”، موضحًا أن مقاضاة الدولة التونسية أمام الأمم المتحدة هي “الملاذ الأخير” للمساءلة، بعد فشل المسار القضائي في تحقيق أي تقدم في هذا الملف.

وشدد جيدان على أن “مشروع العدالة الانتقالية قد دُفن نهائيًا في تونس”، وأن الهدف الرئيسي من هذه الشكوى هو أن تعترف الدولة بهذا “الظلم”، وقطع الطريق أمام سياسة الإفلات من العقاب، مؤكدًا أن “هذه المعركة هي من أجل الأجيال القادمة، ويجب ألا تتكرر انتهاكات الماضي”.

وقال رضا بركاتي، شقيق نبيل بركاتي الذي توفي تحت التعذيب في مركز أمني بمحافظة سليانة (شمال غرب تونس) عام 1987، إن قضية شقيقه تتابعها الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية منذ عام 2018، وبعد عقد 22 جلسة قضائية، لم يصدر أي حكم.

وأضاف بركاتي أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقعتها الدولة التونسية تسمح بمقاضاتها أمام المؤسسات القضائية الدولية لعدم تحقيقها العدالة لضحايا التعذيب في البلاد.

فشل المسار القضائي

أوضحت إيناس لملوم، المستشارة القانونية للمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، لموقع رصيف22 أن الشكوى ضد الدولة التونسية تتعلق بانتهاكها للحق في “الجبر” لستة من ضحايا التعذيب وسوء المعاملة في الثمانينيات والتسعينيات.

وأوضحت: “تمثل المنظمة ستة مدعين، مقسمين إلى ضحيتين للتعذيب وسوء المعاملة، هما الناشطان راشد جيدان ومحمد قصي الجيبي، بالإضافة إلى عائلات أربعة ضحايا توفوا نتيجة التعذيب، وهم فيصل بركات، ورشيد الشماخي، وصحنون الجوهري، ونبيل بركاتي”.

وأشارت لملوم إلى أنه “منذ ظهور الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية عام 2018، لم تصدر أي أحكام قضائية تنصفهم وتنصف عائلاتهم، مما يمثل فشلاً للمسار القضائي”.

وتعزو ذلك إلى “نقل القضاة وعدم اكتمال تشكيل هذه الدوائر المتخصصة بسبب عدم تلقي القضاة تدريبًا خاصًا في العدالة الانتقالية، بالإضافة إلى تأجيل جلسات المحاكم على مدى السنوات الماضية، والغياب المتعمد للجناة عن الجلسات، وهو ما يمثل ضربة لمسار العدالة الانتقالية الذي يقوم أساسًا على كشف الحقيقة والمساءلة”.

وأوضحت المستشارة القانونية لموقع رصيف22 أنه بعد تسجيل الشكوى من قبل لجنة مناهضة التعذيب، ستخاطب الحكومة التونسية وتمنحها 90 يومًا لتقديم ملاحظاتها. إذا أدانت اللجنة “الدولة التونسية” بانتهاك المادة 14 من اتفاقية مناهضة التعذيب، سيلجأ الضحايا مرة أخرى إلى القضاء التونسي للحصول على حقوقهم وجبر ضررهم.

إحراج دولي

أوضحت نجاة العرعاري، وهي عضو سابق في لجنة التنسيق للدفاع عن مسار العدالة الانتقالية، أن “هذه الشكوى هي إحراج للدولة التونسية”. يأتي اللجوء إلى لجنة مناهضة التعذيب بعد مسار تقاضٍ طويل وتأجيل مستمر للقضايا.

وأوضحت العرعاري أن معظم الدول تتجنب مثل هذه الشكاوى لأنها تؤثر على صورتها الخارجية.

وتعزو الفشل القضائي إلى “انعدام الإرادة السياسية وحملات الشيطنة التي دفعت الرأي العام التونسي إلى الاعتقاد بأن مبلغ التعويضات سيكون عبئًا ثقيلًا على الدولة، مما أثر سلبًا على جميع الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة للضحايا”.

وأضافت العرعاري أن “إحدى خصائص العدالة الانتقالية هي اعتراف الدولة بالجريمة، والاعتذار عنها، ثم الانتقال إلى مرحلة المصالحة. هدف العدالة الانتقالية هو المصالحة، وليس الانتقام، وهذا يبدأ باعتراف الدولة واعتذارها، وكشف الحقيقة، والمساءلة، والتعويض عن الضرر، والجبر لضمان عدم تكراره”.

الإحباط واليأس

قالت نجاة الزموري، نائبة رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، لموقع رصيف22 إن “القضية تعكس حالة من الإحباط لدى ضحايا التعذيب وعائلاتهم، بعد سنوات من المماطلة وعدم اعتراف الدولة التونسية بجرائم الماضي”. لكن هذا ليس كافيًا بحسب قولها: “قد تضمن آليات الأمم المتحدة الاعتراف الدولي بهذه الانتهاكات وتدفع نحو الضغط على الدولة للاعتراف بالتزامها بمكافحة الإفلات من العقاب، لكنها في الواقع لن تعوض عن الحاجة إلى مساءلة وطنية لتحقيق العدالة للضحايا، لأن هذا يتطلب إرادة سياسية لإصلاح القضاء وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب”.

بالنسبة لها:

أدت التوترات السياسية وتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية في البلاد، وتعرض القضاء التونسي لضغوط سياسية، إلى التراجع التدريجي لمسار العدالة الانتقالية على مدى فترة من الزمن، بالإضافة إلى أن عودة رموز النظام السابق إلى المشهد السياسي في تونس حالت دون تحقيق العدالة الانتقالية، وبالتالي ضاعت فرصة تاريخية لتحقيق العدالة لضحايا التعذيب خلال عهدي بن علي والحبيب بورقيبة.

تتفق معها حميدة الدريدي، الخبيرة في اللجنة الفرعية للأمم المتحدة لمنع التعذيب، مؤكدة أن “ضحايا التعذيب في عهد بن علي تعرضوا لانتهاكات صادمة وغير إنسانية، ورغم معاناتهم الطويلة، لم ينصفهم القضاء التونسي. منذ عام 2011، لم تتم محاسبة أو مساءلة الجناة المتورطين في قضايا التعذيب الممنهج”.

اختبار للعدالة الانتقالية

بعد ثورة 2011، تأسست هيئة مستقلة، هي هيئة الحقيقة والكرامة، بموجب قانون خاص أقره البرلمان. كانت مهمتها توثيق ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في تونس بين عامي 1955 و2013، حيث تعرض آلاف النشطاء، من اليساريين والإسلاميين على حد سواء، للتعذيب وسوء المعاملة. نشرت الهيئة تقريرها النهائي في الجريدة الرسمية التونسية عام 2020.

في أغسطس/آب 2024، أمر قاضٍ بالإيقاف التحفظي بحق سهام بن سدرين، التي ترأست الهيئة بين عامي 2014 و2018، للتحقيق معها بتهم “تزوير” التقرير، وهو اعتقال وصفته هيومن رايتس ووتش بأنه انتقامي “على خلفية القمع المتزايد من قبل حكومة الرئيس قيس سعيد”.

*الآراء والآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة السياسة أو الموقف الرسمي لموقع رصيف 22

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.