المراقبة المؤتمتة، الاغتيالات المُوجّهة، وحرب الذكاء الاصطناعي في غزّة: حوار مع الباحث القانوني خليل ديوان

استُخدمت الصورة بإذن من Untoldmag.org

استُخدمت الصورة بإذن من Untoldmag.org

نُشرت هذه المقابلة لأول مرة في مجلة UntoldMag بتاريخ 22 يونيو/حزيران 2025، ويُعاد نشر نسخة محرّرة منها على منصة جلوبال فويسز في إطار اتفاقية لمشاركة المحتوى.

في ظل الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، أصبحت المراقبة البيومترية والطائرات المسيّرة من الأدوات المحورية في الحروب الحديثة. خليل ديوان باحث قانوني ومحقق وزميل في برنامج Nomos في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن. قضى ديوان أكثر من خمسة عشر عامًا في دراسة “الحرب العالمية على الإرهاب” وتحولاتها عبر الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الطائرات المسيرة والتلاعب القانوني. في هذه المقابلة، يناقش كيف تطوّرت سياسات الاغتيال المُوجّه، وما الذي تعنيه هذه التحولات بالنسبة للقانون الدولي، وما تكشفه غزة عن مستقبل الحروب.

وليد الحوري (و.هـ): قضيتَ أكثر من عقد من الزمن في دراسة حروب الطائرات المسيّرة والمراقبة. كيف بدأت العمل في هذا المجال؟

استُخدمت الصورة بإذن من Untoldmag.org
خليل ديوان، مستخدمة بإذن.

خليل ديوان (خ.د): كنت أبحث في ما يُعرف بالحرب العالمية على الإرهاب، والهجمات بالطائرات المسيرة لأكثر من 15 عامًا. غطّيت برامج الطائرات المسيّرة في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وغيرها. ما أصبح واضحًا لي هو كيف تستخدم هذه القوى الغربية حرب الطائرات المسيّرة لأغراض استراتيجية متعددة. أبرزها أنها تتيح القتل بسهولة مع أُطلق عليه “تخصيص الحرب للفرد”، وهو شكل جديد من النزاع، حيث لم تعد الدول تستهدف فقط الجماعات المسلحة أو الدول العدوة، بل الأفراد أنفسهم، بناءً على سلوكهم أو على تهديدهم المفترض.

و.هـ: ماذا تقصد بمصطلح “تخصيص الحرب للفرد”؟

خ.د: يعني أن الهدف لم يعد مواقع عسكرية تقليدية، بل أشخاصًا بعينهم. تستطيع الطائرات المسيّرة التحليق فوق مناطق نائية واستهداف أشخاص بمستوى منخفض جدًا من المساءلة القانونية. هذا النوع من الاستهداف يهيمن على الحرب على الإرهاب منذ عقدين. واليوم، مع إدخال أنظمة الاستهداف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا.

و.هـ: كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي في الاغتيالات المُوجّهة، ما سيّما في أماكن مثل غزة؟

خ.د: في حالة إسرائيل مثلًا، رأينا استخدام أنظمة استهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر الطائرات المسيرة. تُصمَّم هذه الأنظمة لتحليل البيانات الضخمة وتحديد الأهداف المحتملة وأماكنها، خصوصًا في بيئات حضرية معقدة مثل غزة. هذا أمر مقلق للغاية، خاصةً حين تستخدمه دول مثل إسرائيل أو الولايات المتحدة، اللتان تتبنّيان نهجًا يميل إلى تنفيذ الضربات سواء وُجد مبرر قانوني واضح أم لا.

و.هـ: ما هي التداعيات القانونية “لسلسلة القتل” المدفوعة بالذكاء الاصطناعي؟

خ.د: هي تزيد الأمور تعقيدًا. لم نعد نسأل فقط إن كان القتل مشروعًا قانونيًا، بل نواجه الآن تحيّزًا خوارزميًا مضمّنًا داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي. تحيّزات صممتها ونفذتها الدول نفسها. والاعتماد على هذه التكنولوجيا خلال النزاع المسلّح يثير مخاوف قانونية وأخلاقية جدّية: من صمّم النظام؟ ما هي التحيّزات المضمّنة؟ ومن يتحمّل المسؤولية عند استهداف الشخص الخطأ؟

و.هـ: رأينا استخدام المسح البيومتري خلال عمليات الإجلاء في غزة. ما دلالات هذا النوع من المراقبة في سياق إنساني؟

خ.د: الأمر مقلق للغاية. حين فتحت إسرائيل ما سمّته “ممر إجلاء“، أُجبر الفلسطينيون على التجمّع بين هيكلين ضخمين ومُسحت وجوههم بيومتريًا قبل السماح لهم بالتحرّك. كل هذا حدث وسط القصف والضربات الجوية، ما يكشف كيف تُستخدم البيانات البيومترية كشرط للبقاء. الفلسطينيون أصلًا من أكثر الشعوب خضوعًا للمراقبة، واليوم يُحوَّل الخضوع البيومتري إلى سلاح في خضمّ أزمة إنسانية.

و.هـ: هل يتوافق هذا السلوك مع القانون الدولي؟

خ.د: هو يثير مخاوف كبرى بالتأكيد. يُستغل القانون الدولي، خصوصًا من قبل الدول الغربية، لتبرير الاغتيالات الموجهة داخل النزاعات المسلحة وخارجها. يعتمدون على مبررات قانونية مثل “التهديد الوشيك”، و”الدفاع عن النفس”، و”استخدام القوة”، لكن في الواقع، هم يدفعون حدود القانون نحو ما يُعرف بـ”الحرب القانونية“. إجبار الناس على المسح البيومتري أثناء أزمة إنسانية يدخل في إطار السيطرة ونزع الإنسانية، لا الحماية الإنسانية.

و.هـ: ما دور الجهات الخاصة في هذا المشهد الحربي الجديد؟

خ.د: تلعب الجهات الخاصة دورًا متزايدًا، سواء في تحليل البيانات، أو تطوير الذكاء الاصطناعي، أو تقديم الدعم اللوجستي. وهذا التخصيص المتزايد للحرب يجعل تحميل المسؤولية لأي جهة أمرًا صعبًا. هناك تداخل كبير بين مسؤولية الدولة والشركات، والقانون الدولي لم يُهيأ بعد للتعامل مع هذا التداخل.

و.هـ: كيف ترى مستقبل الذكاء الاصطناعي والاستقلالية الذاتية في تشكيل ساحة المعركة؟

خ.د: ما نراه في غزة هو مستقبل الحروب: تقاطع بين الذكاء الاصطناعي، والاستقلالية، والاغتيالات المُوجّهة، والتلاعب القانوني. الدول تتسابق للإبقاء على التنافسية في هذا المجال. دول الجنوب العالمي تطور أدواتها من الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، وتنظر إلى ما فعلته إسرائيل خلال العقدين الماضيين وتتساءل: “إذا كانوا قادرين على الإفلات من العقاب، ما موقفنا؟”.

و.هـ: ما نصيحتك لدول الجنوب العالمي في هذا السياق؟

خ.د: رسالتي واضحة: الالتزام بالقانون الدولي بأقصى ما يمكن. الحفاظ على المعايير الأخلاقية، ما يمكن أن نسميه النُبل في الحرب، ولكن أيضًا فهم الواقع الجيوسياسي. يجب ألا تكون هذه الدول مستعمَرة قانونيًا من قبل القانون الدولي الذي سلَّحتهُ القوى الكبرى، لكنها أيضًا لا يجب أن تتخلّى عنه. المسألة تتعلق بالتوازن بين الأخلاق والبقاء، لأنّ ما تعلّمناه من غزة أن البقاء بات قضيةً قانونيةً، وسياسيةً، ووجوديةً.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.