
زياد الرحباني (في الوسط) على المسرح مع صديقه وزميله جوزيف صقر (اليسار)، الذي توفي عام 1997. لقطة شاشة من فيديو على يوتيوب من قناة الجديد نيوز. الاستخدام العادل.
رحل زياد الرحباني، الملحن والمسرحي والساخر السياسي اللبناني الأسطوري، يوم السبت الموافق 26 يوليو/تموز 2025 في بيروت، تاركًا وراءه حشودًا غارقة في الحزن وجيلًا في حداد. لم يكن مجرد أيقونة ثقافية، بل كان رمزًا للتمرد والذكاء والنقد – فنانٌ ألهمت موسيقاه ومسرحياته وشخصيته الملايين حول العالم.
وُلد الرحباني عام 1956، ابنًا للمطربة الأسطورة اللبنانية فيروز والملحن عاصي الرحباني، لكنه شقّ لنفسه طريقًا فريدًا على الصعيدين الموسيقي والسياسي. منذ صغره، تحدى الأعراف السائدة، ليصبح صوتًا لليسار العربي ولمن أرادوا التشكيك في السُلطة والدين والطائفية وعبثيات السُلطة.
لم تقتصر مسرحيات الرحباني وأغانيه وفقراته الإذاعية على الترفيه فحسب، بل علّمت، وأثارت تساؤلات، وتحدّت. كان بالنسبة للكثيرين أول من خاض السياسة في بلد ومنطقة تعاني من الحروب والاحتلال والعنف الطائفي. ومن خلال السخرية والإخلاص، ومن خلال عزف البيانو والتلاعب بالألفاظ، عرّف الرحباني أجيالًا على مُثُل اليسار في التمرد والنقد والخيال الجماعي.
لا يزال الملايين في مختلف أنحاء العالم العربي يحفظون حوارات كاملة من مسرحيات الرحباني، أو كلمات أغانيه، أو اقتباسات من برامجه الإذاعية، التي غالبًا ما يتم تناقلها على شكل شرائط مسجلة ذاتيًا، حيث لا تزال موضوعًا للنقاش والنقد حتى اليوم.
يعتبر أرشيفه الفني، سواء في الموسيقى أو المسرح، غنيًا وقويًا وسابقًا لعصره، حيث يجمع بين موسيقى الجاز والبوسا نوفا والفانك مع أنماط الموسيقى العربية التقليدية، إلى جانب كلمات حادة، وهو ما يخلق أسلوبًا فريدًا من نوعه – غالبًا ما يطلق عليه “الجاز الشرقي” – والذي أثر على الكثيرين بعده.
يظل إرث الرحباني شاهدًا حيًا على الاضطرابات السياسية والاجتماعية والعاطفية التي شهدتها العقود الخمسة الماضية بكل تناقضاتها.
واليوم، يغادرنا في وقت أصبحت فيه المنطقة أكثر استعمارًا وقمعًا وتجزئةً من أي وقت مضى، وأبعد ما تكون عن أحلامه كشيوعي شاب في سبعينيات القرن العشرين مكرسًا لتحرير فلسطين والثورات البروليتارية.
إن خسارته تترك أثرًا عميقًا في جيل عاش دوامات لا نهاية لها من التحولات السياسية والهزائم والعنف والاغتراب، والذي غالبًا ما كانت موسيقى الرحباني ومسرحياته بمثابة موسيقى تصويرية لآماله وخيبات أمله.
يوم الاثنين، رافق المشيعون نعشه وساروا تكريمًا له في منطقة الحمرا في بيروت، الحي الذي عاش وعمل وقضى فيه لحظاته الأخيرة، والذي جسّد ذات يوم روح المقاومة واليسار:
هذه التحية لرجل بسيط حمل عبء أحلام جيل كامل وهزائمه وتناقضاته بذكاء وسخرية وإبداع.
بينما يتذكر المعزون في جميع أنحاء المنطقة هذه الشخصية الشامخة في الموسيقى والمسرح والسياسة العربية، تتجه قلوبهم حتمًا إلى والدته، الأسطورة فيروز. سيبقى صوتها – ولعله الأبرز في العالم العربي – في الأغاني التي لحنها ابنها من بين أجمل الأصوات في تاريخ الموسيقى العربية:
وداعًا زياد، وشكرًا لك على الموسيقى، والكلمات، والضحك، وعلى منحك صوتًا لشبابنا.







