لحظات انكسار وانتصار في رحلة الهروب من كوبا: حين يصبح الركض طوق النجاة الوحيد

صورة لقدمي رجل تظهر حذاء الجري الخاص به.

صورة لحذاء الجري الخاص بالكاتب، مستخدمة بإذن.

هذه القصة كتبها المخرج السينمائي الكوبي كارلوس ميليان مورينو ونُشرت في الأصل في Periodismo de Barrio في 12 مايو/أيار 2025. أعيد نشرها في جلوبال فويسز بموجب اتفاق إعلامي.

كنت في برشلونة منذ ما يقرب من شهر عندما قررت الخروج للركض. كانت الخطة أن أعد نفسي، عقليًا وجسديًا، لما يعنيه البدء من جديد في مكان غير مألوف. أن أهيئ جسدي لوطن جديد، لرحلة طويلة.

الدعم من المنظمة التي أخرجتني من كوبا، مع طفليّ وأمهما، سينتهي في غضون خمسة أشهر. أردت الاستعداد للصمود بمجرد انتهاء الدعم، من أجلي ومن أجل طفليّ، أو ربما من أجلهما ثم من أجلي. هذا الأمر مهم إذا أردت استكشاف ما كنت أشعر به في ذلك الوقت، لأنني أعتقد أن ترتيب الأولويات (بين النفس والأطفال) يتغير. تصبح طفل نفسك. وأنا أتحدث عن أطفالي لأنهم، في وقت قصير نسبيًا، أصبحوا ما يدفعني للمضي قدمًا، الجوهر الذي أعطى معنى لحياتي، ولم يكن الأمر دائما كذلك.

ما أعجبني أيضًا في الركض فكرة الاندماج في محيطي. كانت العمارات السكنية الممتدة من طرف المدينة إلى آخرها تتمتع بصلابة جذبتني — بناء هندسي متين، على عكس التفاوت المتواجد غالبًا في الجدران البيضاء الملساء المطلية يدويًا والتي يبنيها الكوبيون.

ارتديت السروال القصير الوحيد الذي أحضرته في أمتعتي ومعه قميصًا. ربطت حذائي الرياضي بإحكام، أمسكت بهاتفي، وضعت سماعاتي، ورسمت مسارًا على خرائط جوجل يبلغ ثلاثة كيلومترات، أربعة كيلومترات — لا، الأفضل خمسة. خمسة كيلومترات هي المسافة التي كنت أركضها بتهور في المدارس العسكرية التي التحقت بها، وكانت تبدو نزهة في حديقة.

كنت سعيدًا لكوني جزءًا، ولو لفترة قصيرة، من تلك الكتل اللامتناهية من المباني الطوب. يخطو طفل خطوة واحدة في البحر ثم الأخرى، وبينما يتقدم، يشعر بلمسة الماء على بطنه أو بوخزات حادة من الحجارة المسننة والمؤلمة أحيانًا في قاع البحر تحت قدميه، يبدأ في اكتشاف شعور الانتماء إلى ذلك البريق الشاسع والمثالي في الأفق، ذلك الخط من الأزرق الكهربائي.

كانت تجربة غير مألوفة. لطالما بدت لي حالة مدن كوبا المتداعية، مثل هافانا، بأنقاضها في الشوارع، وقمامتها على الأرصفة، وملابسها البالية الممزقة، وأسنان الناس المسوسة، أمرًا طبيعيًا، كل شيء متصل، كما لو كان أحدها استمرارًا للآخر؛ شهادة طبيعية على الحياة التي تسير بثبات نحو نهايتها.

وصلت إلى الطابق الأرضي وأغلقت الباب بحذر حتى لا أزعج الجيران. قيل لنا بمجرد دخولنا المنزل: لا موسيقى صاخبة، لا استخدام للغسالة بعد الساعة العاشرة ليلاً. يمكن للجيران الإبلاغ عنك. أساس التعامل كان عدم إزعاجهم.

كان مبنى عاديًا. لم يكن هناك مصعد، رغم كونه يحتوي على شرفات واسعة وشقق مشرقة متجددة الهواء، وهو أمر مهم لبيئة عائلية. كان بهو المدخل ذا سقف مرتفع، وكانت تلك كانت الميزة الوحيدة المثيرة للاهتمام في المناطق المشتركة؛ الباقي كان يبدو بناءً مؤسسيًا، مثل عيادة. كلما صعدت السلالم إلى طابقنا، انخفض السقف، وتحولت الأشكال إلى مربعة، تشبه السجن، وتفتقر إلى الأناقة. كانت بعض البلاطات في استراحات السلم مفكوكة، غائرة قليلاً، وفي كل طابق كانت هناك نوافذ بإطارات من الألومنيوم الأبيض. كان التصميم الخالي من الخيال للمناطق المشتركة يذكرني أحيانًا بالمباني في كوبا، لكن في ذلك الوقت، تجاهلت أي شيء يلمح إلى الاضمحلال أو المرارة. كانت ذكرى الانهيار الاقتصادي في كوبا لا تزال حية جدًا في داخلي، بشوارعها المتصدعة، وأنقاضها، وقمامتها في كل مكان. كانت برشلونة مليئة بالمشاهد الواسعة التي تدل على مجتمع متفوق وحيوي.

ليس الأمر أنني كنت متفائلاً دائمًا؛ في معظم الأوقات، كنت أشعر بالقلق والخوف من مستقبلنا. كانت المساعدات ستنفد، وكان لدينا تذكرة عودة إلى كوبا. في غضون ستة أشهر، سنحتاج إلى فعل شيء لأنفسنا وضد المنظمة التي أحضرتنا إلى إسبانيا: البقاء، عدم العودة إلى الجزيرة، عدم الوفاء بالوعد الذي قطعته للوكيل الذي ساعدني في بدء العملية.

كنت أشعر بخيبة أمل من نفسي لعدم شفافيتي مع المنظمة التي دعمتني ولإظهارها بمظهر سيء أمام سلطات الهجرة، ليس فقط لأن ذلك قد يضر بسمعة المنظمة، ولكن أيضًا لأنه قد يغلق الباب أمام كوبيين آخرين. كنت ممتنًا بشدة للسياسة والنية الإنسانية التي أحضرتنا إلى أوروبا، ولكن في نفس الوقت، كان خيار العودة إلى كوبا يزداد قتامة في ذهني. كان خيار انتحاري؛ لم يكن هناك بصيص نور واحد متبقٍ في ذلك الممر.

كنت قد عدت إلى كوبا في خمس مناسبات أخرى حاملًا حزنًا لم أتساءل عنه بالكامل قط. كان ركوب الطائرة للعودة بمثابة الرجوع إلى مكان غير مرغوب فيه، حزين، وفي مرحلة ما، كنت أقول لنفسي دائمًا إنني يجب أن أتأكد من عدم البقاء، من عدم تشويه سمعة البرنامج الذي أخرجني من كوبا حتى يتمكن زملاء آخرون من الاستفادة منه، أو حتى أتمكن من القيام بذلك مرة أخرى.

كنت أركض لأرسخ كل ذلك، لأضعه في زاوية مظلمة. مغادرة الجزيرة بسبب اليأس والاختناق والحاجة الملحة لإنقاذ شيء ما في داخلي غيرت وجهة نظري. العقلية التي فرضتها على نفسي ذات مرة — التفكير في “الآخرين” — كانت تتلاشى؛ كانت عنصرًا لا يهم في الأفق. كررت التعويذة: “لن تعود إلى كوبا، لا. لن تعود”. وبنيت أساسًا أخلاقيًا لأسمح لنفسي بذلك: ستفعل ذلك لرعاية أطفالك ولإنقاذ جسدك. أطفالك وجسدك هما وطنك. ابحث عن الممر، اخفض رأسك حتى لا يروك، واهرب بصمت.

لم أكن أريد أن أرى نفسي أو أطفالي في وضع لا أملك فيه جسدي. أو أن أشهد كيف كانت سنوات من العمل في مسيرتي السينمائية مهددة أو تتلاشى تحت مضايقات أمن الدولة.

على الرغم من كوننا نملك وثائق مؤقتة وحالة إقامة قيد الإجراء بالفعل، إلا أنها نصت على أنه ليس لدينا الحق في العمل. لم يذهب أطفالنا إلى المدرسة لأنه لم تكن هناك أماكن متاحة لهم حتى سبتمبر، وقد وصلنا إلى إسبانيا في أبريل.

كل أسبوع يمر كان يقربنا من اللحظة التي سنكون فيها وحدنا، ولم نكن نعرف ماذا يعني ذلك. نظرت إلى الناس، إلى المحيط، ولم يخبرني أي شيء كيف أفعل ذلك. لم يعرف الأشخاص الذين يساعدوننا من خلال منظمة تسمى Taula Per Mexic كيف يساعدوننا في العثور على عمل أو الحصول على تصريح عمل؛ ولا أولئك الذين يعملون في المؤسسات المخصصة لتوجيه المهاجرين. قدموا التوجيه، حديثهم كان غامضًا، دائمًا ما يلقون تلميحات غير مؤكدة مثل، “سيكون الأمر صعبًا”، أو “لا تتوقف عن الاتصال…” كان هناك الآلاف من الأشخاص في وضعنا، وكل مسار جربناه انتهى بالفشل.

وصلنا إلى إسبانيا في الربيع، وكنت أخشى الشتاء. لم أكن أعرفه. ركضت أيضًا لأن التفكير في البرد كان يجعل الأرض تهتز تحتي، وأردت أن أشعر بأنني أستطيع مواجهته.

كنت قد شاهدت مقابلة على الإنترنت مع رجل بلا مأوى يعيش في خيمة. شرح أن الركض كل يوم ساعده على التغلب على مصاعبه؛ كان يعيش تحت جسر. عندما كان يركض، يفرز جسده مواد كيميائية تجلب له السعادة. كنت أشعر بنفس الطريقة. كنت أعاني من فترات هبوط ونوبات هلع بسبب التأخير في أوراقي، والمكالمات إلى مكتب الهجرة لتقديم طلب اللجوء السياسي التي لم يرد عليها أحد، أو عندما يهمس لي صغر أمري في تلك البيئة في أذني بأنني لن أتمكن أبدًا من متابعة حلمي: العيش من كتابة القصص وتصويرها. عندما كان الأمر يضيق علي، كنت أتجه نحو الاحتمال الأخير — إنهاء كل شيء — كان أول ما يتبادر إلى ذهني واجبي تجاه أطفالي، والثاني هو الانتظار قليلاً، حتى اليوم التالي. “انتظر لتركض”، قلت لنفسي. “سترى السماء تصفو”. لم يكن الركض عند الفجر يصلح أي شيء، كنت أعرف ذلك، لكنه كان يوسع الأفق. كان شيئًا مصطنعًا، مثل تناول مخدر، لكنه ساعدني على الانتظار، وتقوية جسدي، واكتساب السكينة.

أتذكر كيف كانت الموسيقى تجعلني أشعر أثناء الركض. كانت تجعلني أنسى كل شيء. استمعت إلى لوس فان فان، وقطع جاز لاتينية، وسيمفونية غوستاف مالر الخامسة، وأغاني لفرقة ذا روتس، وسيبولتورا، وأغنية Walk لبانتيرا، وفريدي ميركوري، وخوسيه لويس كورتيس، ومقاطع من ألبوم “صيف بدونك” لـباد باني. لم أكن أستمع إلى الموسيقى الكوبية لكوني وطنيًا مثلا أو بسبب جذوري؛ كنت قد رفضت ذلك أو كنت أحاول التحرر منه. استمعت إليها فقط لجودتها الموسيقية، لقوتها الهروبية.

من بينهم جميعًا، كان فريدي ميركوري هو الأكثر تأثيرًا فيّ؛ كان يمنحني نشوة. عندما كنت أستمع إليه، كنت أشعر بالرغبة في البكاء، وكنت أطلق العنان لذلك. بكيت كما رأيت الإنجيليين يبكون في الكنائس المعمدانية، وأحيانًا كنت أرقص أو أقوم بحركات بالرأس تفقدني توازني أو تكسر إيقاع ركضي، أو التزامن الذي تمكنت من تحقيقه بين حركة جسدي ونبضات قلبي.

في نفس الوقت، كان انطباع المدينة يركض نحوي. صورة نسخة من أوروبا بدت نابضة بالحياة ودعتني للانضمام إليها، للانضمام إلى العالم الأول. شعرت بها قادمة، وفتحت لها الأبواب لتنقذني. لم يكن يهم أنها فكرة زائفة (هل كانت كذلك؟)؛ كانت أداءً ملائمًا ومتفائلاً. وكان لدي انطباع بأن الجميع يشعرون بنفس الطريقة. تلك الواجهات، والشوارع النظيفة، والموسيقى، والأدب، والسينما، والصفوف الطويلة الشاهقة من الأشجار على جانبي الشوارع — كلها كانت تحمل نية خفية لتشجيعنا، وإعادتنا إلى المسار الصحيح، قائلة لنا: انظر، الجمال موجود على الرغم من حقيقة أن “كلنا نمر بما تمر به الآن”، “لست وحدك”، “لست مميزًا”، “اركض ولا تستسلم، كما كان علينا جميعًا أن نفعل”.

كنت أحاول تفسير تلك الرسالة بأفضل طريقة ممكنة، لأنني لم أكن مستعدًا بعد. كان الأمر مشابهًا لما شعرت به في كوبا عندما دخلت غرفة مليئة بالناس الذين، في هافانا، يطوفون حول سفارة أوروبية، وهناك، واقفًا وأنظر إلى الجميع، لم أكن أعرف كيف أمسك كأس نبيذ. كان شعور بالنذالة يتجه نحوي؛ كان مثل قطار ينفث أبخرة الدخان في السماء، أحد تلك القطارات الإقليمية التي تدخل أنفاقًا محفورة في صدور التلال.

الكاتب كارلوس ميليان مورينو يستعد للركض في برشلونة. تصوير كارلوس ميليان مورينو، مستخدم بإذن.

صورة للكاتب، مستخدمة بإذنه.

كان الوقت لا يزال ليلاً، والجو لطيفًا، وكنت قد قمت بتسخين عضلاتي للتو. ارتجلت. كنت على وشك إصابة طفيفة لكنني لم أكن أعرف ذلك بعد، وركضت قفزة واحدة، مسترشدًا بالخريطة، متعجلاً لغزو كل شيء بالركض.

سرّت عيناي برؤية المدينة المضاءة بشكل خافت. ألهمتني لأتخيل نفسي في لعبة جديدة. أن أختفي في الليل. وأعتقد أن الفجر، لقربه من النهار، ساعدني على تصديق ذلك. أن أبدأ تعليمًا بدأ في طقوس الصباح الباكر وانتهى بروعة وجمال تلك المدينة التي كانت تكشف عن نفسها مع شروق الشمس وانزلاقها عبر أسطح المنازل والعلّيات والواجهات. ركضت في شارع ضيق مرصوف على جانبيه بصف من المقاعد وشتلات متجاورة لا يتجاوز ارتفاعها ثلاثة أمتار.

ركضت بجانب مقاعد فارغة، حيث كنت أرى في فترة ما بعد الظهر عددًا قليلاً من كبار السن يظهرون مرارًا وتكرارًا. أو ربما كان نفس الرجل العجوز الوحيد. كانوا يجلسون ويحدقون في الجدار الأبيض أمامهم، ممسكين بعصا أو مستخدمين مشاية بعجلتين لمنع السقوط. بينما كنت أمر بهم، رأيتهم يلتفتون نحوي، ينتظرون كل شيء ويتوقعون القليل. كانوا يتوقعون القليل من كل شيء — من الحاضر، من المستقبل — بتلك المرارة التي افترضت أنها طبيعية في كبار السن.

ركضت تحت أشجار صغيرة ذات أوراق داكنة لن تخضر أبدًا. سلكت أحد شوارع التسوق نزولاً، مرورًا بمتاجر سوبر ماركت مضاءة بشكل ساطع، ومحلات فواكه يديرها بائعون صينيون بأبواب مغلقة بالكامل، وعيادات أسنان، ومتاجر أطعمة لاتينية، ومحلات أثاث، ومتاجر دهانات، ومتجر هيبركور، ومنفذ بيع لإل كورته إنجليس، وشارع واسع وفارغ. ربما أكون قد خلطت ترتيب واحد أو اثنين، لكنني لن أتحقق لأن هذا، بشكل عام، ما يحدث في الحلم: المتاجر، الأشياء، الأماكن تتغير، حتى داخل نفس الحلم، في اللحظة التي تتكشف فيها، وهذا بالضبط ما شعرت به. في حلم. كان كل شيء يتحرك، وركضت لأوقفه.

كانت شوارع المدينة الجديدة وغير المألوفة تبدو آمنة. لم أشعر بأي تهديد، على الرغم من أنه كان يجب أن يكون هناك. لم أكن أؤمن بأي شيء تمامًا، وهذا ما جعلني أستمر. كانت المدن في إسبانيا آمنة إلى حد ما، لكن الشر كان موجودًا في كل مكان. أين كان؟ أردت أن أعرف حتى أتمكن من إبعاده.

اتبعت الاتجاه الذي أعطتني إياه خرائط جوجل وتوجهت نحو شارع دياجونال، حيث كانوا يبدأون في وضع حواجز لبدء إصلاحات الشوارع، على الرغم من أنها بدت لي جديدة تمامًا. ركضت حتى شعرت أنني استهلكت نصف احتياطيات طاقتي، ثم استدرت. في منتصف طريق العودة، شعرت أنني لا أستطيع المضي قدمًا؛ بالكاد أستطيع التنفس واضطررت إلى التوقف لالتقاط أنفاسي. تنهدت، “إذن هذا سيكون بيتي الجديد”، ثم أضفت، “نعم، أريد أن يكون هذا بيتي الجديد”. “ما الذي يتطلبه الأمر لينشأ أطفالي هنا؟” كنت متأكدًا أن هذا ما أريده.

وضعت يدي على ركبتي ونظرت أمامي، حيث كان مخرج مترو يلفظ غرباء في طريقهم إلى العمل. في تلك اللحظة، كل ما استطعت رؤيته هو الحيوية في كل مكان. هناك في الأسفل، كانت ساعة الذروة؛ آلاف من سكان المدينة ينتقلون من مكان إلى آخر. كنت أعلم أنه مع بضع جولات ركض أخرى، سأتجاوز هذا الضيق في التنفس، وسيبدأ جسدي في طلب مسافات أطول وأطول.

في طريق العودة شعرت بأكبر قدر من السعادة — بذلت قصارى جهدي، أخرجت كل شيء. عندها أصبت بإصابات في فخذي، وساقي، وكاحلي، مما منعني من الركض مرة أخرى لمدة أسبوع أو أسبوعين. كانت هذه الإصابات تتلاعب بحدودي؛ كانت أولى هزات الواقع التي تلقيتها من العالم الخارجي، من العالم المادي، الذي يذكرك بالحدود التي يفرضها الزمن على الجسد. حدود تتجاوز الأفكار، تتجاوز القلق المتراكم في ذهني، الذي يمكنني خداعه بتكتيكات مثل الركض. هذه الحدود، المتجسدة في جسدي البالغ من العمر 44 عامًا، بدت لي أحيانًا كإشارات أكبر، تحذيرات مرسلة من المستقبل. شيء مثل: “كم من القوة تبقت لديك لمواجهة وبناء حياة جديدة من الصفر؟”

في أحد الأيام، بينما كنت أركض وأستمع إلى فرقة كوين، ثبتت امرأة جميلة، وهي أيضًا عدّاءة، ذات بنية مثالية، نظرتها علي. اندمجت نظرتها الشديدة مع الموسيقى، أغنية “Under Pressure”، في ذلك الجزء الرائع حيث يطلق فريدي ميركوري العنان لنفسه، يمزق قميصه، ويبدأ في التوسل من أجل الحب، الحب، الحب (الحب، الحب، الحب، الحوووووب!). بعد ثلاثة أو أربعة أمتار فقط، اصطدمت قدمي اليمنى ببقعة غير مستوية. تدحرجت إلى الأمام. سقطت، وخدشت راحتي وركبتي. اختفت الموسيقى عندما انزلقت السماعات من رأسي وسقطت على بعد عدة أقدام. في مكانها، لم يكن هناك صمت، بل ضجيج حركة المرور القذر.

في كوبا، من وقت لآخر، كانت أي قراءة، أو فيلم، أو سيناريو كنت أعمل عليه يأخذني بعيدًا عن المنزل، عن محيطي، عن أطفالي، وعلاقتي، ومشاكل ذلك البلد — ثم، فجأة، كان شيء ما يعيدني إلى الحاضر. قد يكون اعتقال زميل واستجوابه اللاحق، وهو ما أصبح أكثر تكرارًا في الآونة الأخيرة. دراجة نارية من طراز سوزوكي مثل تلك التي يستخدمها عملاء أمن الدولة بملابس مدنية، أو سيارة شرطة بالقرب من منزلي، أو مرسوم قانون جديد لتشديد السيطرة على السكان.

نظرت حولي، ونظرت إلى يدي. كانتا تحترقان بشدة. خلفي ارتفع أحد الرموز العظيمة لبرشلونة المزدهرة: برج أغبار. مبنى كئيب من الزجاج الأزرق يتكون من 34 طابقًا وارتفاعه 145 مترًا، ينافس كنيسة العائلة المقدسة على لقب الرمز المعماري للمدينة. كانت تلك أول لحظة شعرت فيها أنني لا أعيش صعودًا، بل سقوطًا. سقوط مفاجئ ومبتذل. كان وقتي في برشلونة هو صوت الطقطقة الأجوف الذي يصدر من سماعات الأذن الرخيصة التي تنكسر بسهولة.

نهضت، مسحت يدي، وركبتي، وملابسي، وابتعدت، تملكني شعور بعيد بالفشل، كما لو كنت مدركًا لعلامة تحذير قبلتها. قلت لنفسي، مع ذلك، لا أريد العودة إلى كوبا؛ كان الركض يمنحني أجنحة.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.