حين يصبح الرسم مأوى: حوار مع الفنانة الإسبانية باربرا أليجري عن الفن كوسيلة للشفاء من الحزن

الفنانة باربرا أليغري في مرسمها.

باربرا أليجري في مرسمها_2021. الصورة من إهداء خافيير روديرو.

في عالم يطغى عليه الصراع والتحفيز المفرط والإرهاق العاطفي، تقدم لوحات باربرا أليجري ترياقًا نادرًا: السكون والنعومة، والتواصل الصادق. باستخدام لوحات ألوان هادئة وتراكيب زيتية متعددة الطبقات، تخلق مساحات حميمة ترد على الفوضى بالرقة. تستحضر شخصياتها عودة إلى التمهل والتعاطف، والتواصل مع الذات والآخرين والعالم الطبيعي. بالنسبة لأليجري، الرسم “مأوى”، فعل هادئ من الشفاء في عالم غالبًا ما يبدو مربكًا.

وُلدت أليجري في إسبانيا وتقيم حاليًا في برشلونة. مر تدريبها الرسمي بثلاث مؤسسات رئيسية: مدرسة لوتخا للفنون والحرف، وكلية تشيلسي للفنون، والكلية الملكية للفنون في لندن، حيث أكملت درجة الماجستير في الرسم. بعد فترة توقف طويلة لتربية أطفالها، ساعدتها العودة إلى الكلية الملكية على إعادة إطلاق مسيرتها المهنية وتعميق نهجها المفاهيمي في صناعة الفن. شكلت كل مرحلة تعليمية تطورها — من التأسيس التقني إلى ممارسة أكثر فلسفية ومدفوعة بالعاطفة.

عُرضت أعمال أليجري في معرض تحالف تجار الفن الجدد (NADA) للفنون في مدينة نيويورك، بتقديم من المعرض الكوري، دوهينج آرت. شكّل المعرض خطوة مهمة في توسيع نطاق انتشارها العالمي، حيث قدم للجمهور في أمريكا الشمالية لمحة عن عالمها الاستبطاني والمشبع بالمشاعر. أكد حضورها في المعرض على الصدى العالمي لأعمالها، التي عُرضت سابقًا في جميع أنحاء أوروبا وآسيا.

قالت سونجهي تشونج، مديرة معرض دوهينج آرت، إنها انجذبت على الفور لأعمال أليجري. “أذهلتني أفكار باربرا وفلسفاتها والإيماءات التعبيرية التي تستخدمها لنقلها”، قالت تشونغ. “أعطاني عمق واكتمال أعمالها ثقة كبيرة في فنها.

لوحة باربرا أليغري 'حدود عالم معين' 2024. زيت على قماش.

باربرا أليجري ‘حدود عالم معين’ 2024. زيت على قماش، 50 × 70 سم. الصورة إهداء الفنانة.

في مقابلة مع جلوبال فويسز، تحدثت أليجري عن القوى العاطفية والرمزية وراء فنها، واستخدامها للمقتنيات الشخصية مثل مستحضرات تجميل والدتها الراحلة، التيارات النفسية التي تشكل لغتها البصرية، وكيف يعمل الرسم كعلاج شخصي وعرض هادئ للآخرين الباحثين عن العزاء في الفن.

مقتطفات من المقابلة

أميد معماريان (أ.م.): في لوحة “حدود عالم معين“، تلعب شخصية لعبة خيطية مع القواقع، مما يستحضر التمهل والتأمل. كيف يستجيب هذا لإلحاح عالمنا اليوم وإفراطه في التحفيز؟

باربرا أليجري (ب.أ.): في السنوات الأخيرة، شعرت برغبة قوية في خلق صور مهدئة تتصدى لعنف عالمنا الذي غالبًا ما يكون مختلًا. أرى المودة كطريق للفهم، والرسم كمساحة هادئة ومُجددة، خالية من السخرية، تهدف إلى مشاركة الهدوء والسلام واللطف.

تتكشف هذه اللوحة كحكاية، تُروى عبر شخصية أنثوية تجسد القيم الإنسانية والتزامًا عميقًا بفهم واحترام البيئة التي تدعم جسدها وعقلها، مما يفيد الطبيعة في النهاية.

يسعى العمل إلى استعادة رابط مفقود، العودة إلى وتيرة الطبيعة، وتذكيرنا بأنه قد لا يزال من الممكن الشعور بقوتها المجددة — لإعادة التوازن والانسجام مع الحيوانات والنباتات والنظام البيئي، التي هي امتدادات لأنفسنا.

لوحة باربرا أليغري 'الدرس الأخير' 2020

باربرا أليجري ‘الدرس الأخير’ 2020. مكياج وزيت على ورق، 57 × 77 سم. الصورة مهداة من معرض آيون ومان.

أ.م.: في سلسلتك “الدرس الأخير”، قمتِ بدمج مكياج والدتك في لوحاتك بعد وفاتها. كيف أثرت هذه العملية الحميمة على استكشافك للهوية والذاكرة والتحول داخل عملك؟

ب.أ.: استكشف هذا العمل الألم والصدمة والجبر أو الإصلاح الذاتي  خلال عملية الحزن. رسمت صورًا لوالدتي باستخدام المكياج والفُرش التي تركتها في محاولة لإبقائها قريبة، حاضرة جسديًا. كان حمضها النووي حاضرًا فيها كلها؛ كان العمل عنها، مصنوعًا منها، ومن أجلها. وأصبح وداعًا بطيئًا انتهى عندما نفد المكياج.

ساعد الرسم في حل لغز داخلي لم تستطع الكلمات أو الأفعال شرحه، حيث الصدمة غالبًا ما تقاوم الخطاب. غيرت هذه التمثيلات الرمزية ألمي، مما أدى إلى القبول والتكريم وإعادة التموضع.

تأملت في وجهة نظر ميلاني كلاين للعلاج بالفن كفعل من أفعال الحب والترميم، وفي فكرة دونالد وينيكوت عن الفن كمساحة انتقالية، تبتعد عن الواقع إلى الخيال والوهم. بهذا المعنى، أصبح المكياج الكائن الانتقالي، مما ساعد على الانفصال عن الأم بعد غيابها.

لوحة باربرا أليغري 'ظل' 2024. زيت على قماش

باربرا أليجري، ‘ظل’ 2024. زيت على قماش، 35 × 35 سم. الصورة إهداء الفنانة.

أ.م.: غالبًا ما تتميز لوحاتك بلوحة ألوان هادئة وتراكيب لطيفة. هل يمكنك مناقشة كيفية مساهمة اختيارك للألوان والأشكال في الهدوء والاستبطان الذي يتخلل فنك؟

ب.أ.: منذ صغري، كنت مفتونة بالتأثير العاطفي للون، وكنت أرتب الظلال بشكل حدسي لإثارة مشاعر معينة. في أواخر سن المراهقة، عمقت دراسة سيكولوجية الألوان هذا الأمر، حيث تعلمت كيف يشكل اللون المزاج والحالات الداخلية. لاحقًا، أضاف عملي كبائعة زهور طبقة أخرى، حيث ربطت الألوان بالروائح والمعاني الرمزية.

يشكل هذا الأساس لوحة ألواني الحالية: الدرجات الهادئة، وألوان الباستيل، وألوان البشرة المختارة لإثارة النعومة والتعاطف والضعف والبراءة، مما يدعو إلى الهدوء والتأمل.

عطلة نهاية الأسبوع للمعرض في لندن 2022. لوحة إعلانية لعمل باربرا أليغري 'الدرس الأخير'، 2020، في بيكاديللي لايتس

عطلة نهاية الأسبوع للمعرض في لندن 2022. عمل باربرا أليجري ‘الدرس الأخير'، 2020، على شاشات بيكاديللي لايتس. تصوير ويل أملوت، إهداء London Gallery Weekend.

أ.م.: يستكشف عملك الجوانب الجسدية والنفسية. كيف تستخدمين القصص الشخصية للتحدث عن مواضيع أوسع مثل التعاطف والوضع الإنساني؟

ب.أ.: يرتكز عملي على تأملات وتجارب شخصية، لكنه يهدف إلى تجاوزها للتحدث عن جوانب عالمية للوضع الإنساني.

نتحرك جميعًا عبر مناظر طبيعية عاطفية وأسئلة أساسية متشابهة مع نمونا. لطالما تناول الفن هذه المواضيع؛ ما يتغير هو كيفية تعبيرنا عنها.

أحاول خلق مساحة يمكن للمشاهدين فيها أن يشعروا بالصلة بين الأحاسيس الجسدية والاستجابات النفسية. هدفي تردد صدى العمل بعمق، مما يعزز التعاطف والفهم المشترك لإنسانيتنا الجماعية.

باربرا أليغري، 'سبع أرواح' 2024.

باربرا أليجري، ‘سبع أرواح’ 2024. زيت على قماش، 70 × 50 سم. الصورة إهداء الفنانة.

أ.م.: في أعمال مثل “قتال، فرار، تجمد“، تستكشفين الصدمة والحالات النفسية. كيف تترجمين هذه المشاعر إلى شكل مرئي، وما هي التحديات التي تصاحب ذلك؟

ب.أ.: إن نهجي في ترجمة الحالات العاطفية المعقدة، خاصة تلك المرتبطة بالصدمة، إلى لغة بصرية تصويرية، شخصي للغاية، ولكنه يسترشد برغبة في التواصل مع الآخرين. التحدي هو إعطاء شكل للمشاعر الداخلية، التي غالبًا ما تكون مجردة، دون الوقوع في الكليشيهات. أبدأ بالاستماع إلى جسدي، وتحديد مكان الألم، وفهم طبيعته، والشعور بما قد يهدئه. يشبه هذا الحوار الذاتي المستمر جلسة نفسية. على الرغم من أن الفن التجريدي قد يبدو أسهل، إلا أنني أجده بسيطًا جدًا بالنسبة لتعقيد الصدمة. أهدف إلى تشكيل هذه المشاعر غير المرئية من خلال التصوير الذي يحترم عمقها ويدعو إلى التعاطف.

باربرا أليغري، 'نايغو' 2020. زيت على قماش.

باربرا أليجري، ‘نايجو’ 2020. زيت على قماش، 90 × 130 سم. الصورة إهداء الفنانة.

أ.م.: وصفتِ الفن بأنه “مأوى”، مساحة للتأمل والعزاء. كيف يشكل هذا طريقة عملك والبيئات التي تخلقينها في المعارض؟

ب.أ.: في تجربتي، كان دور الفن في الصحة العقلية والرفاهية العاطفية حيويًا. ومنذ طفولتي، ساعدني الرسم والتلوين على تحويل التجارب المؤلمة إلى أفعال إيجابية. عندما تبدو الحياة مختصرة في الألم، يصبح إيجاد طرق غير ضارة للتكيف أمرًا ضروريًا — وبالنسبة لي، الممارسة الفنية المنتظمة إحداها. أحاول مشاركة هذا المأوى مع الآخرين، وتقديم الطمأنينة عبر التأمل وتجربة الفن. تدعم المعارض التي أعمل معها هذا الاتجاه — سواء بإضافة سجاد إلى جناح العرض، أو طلاء الجدران بألوان الباستيل الناعمة، أو اختيار مساحة بها مدفأة. هذا الإحساس النهائي بالنعومة يعيش في كل تفصيلة.

باربرا أليغري، 'قتال فرار تجمد' 2023.

باربرا أليجري، ‘قتال فرار تجمد’ 2023. زيت على قماش، 80 × 80 سم. الصورة إهداء الفنانة.

أ.م.: مع تزايد رقمنة عالم الفن، كيف ترين دور الحضور المادي والتجربة اللمسية في التفاعل مع الفن؟

ب.أ.: بالنسبة لي، التجربة اللمسية والبصرية ضرورية؛ لا يمكن للكلمات أن تنقل الشعور العميق بالرؤية واللمس. أحاول إثارة هذا الإحساس من خلال الطلاء.

المنصات الرقمية مفيدة لتسهيل الوصول، خاصة في أوقات مثل جائحة كوفيد، لكن قصورها واضح. تفقد الأعمال الفنية على الشاشات العمق والتفاصيل والملمس ودقة الألوان والآثار البشرية الدقيقة للأصل.

لا شيء يضاهي رؤية الفن وجهًا لوجه، حيث تشارك جميع الحواس في تجربة غامرة. قد يتعايش كلا الشكلين، لكن لا يمكن للرقمي حل محل ثراء اللقاء المادي المباشر.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.