
مظاهرات في فرانكفورت، ألمانيا ضد إبادة للفلسطينيين في غزة. يحمَل المتظاهِرون لافتة مكتوب عليها:” أوقفوا تجريم المقاومة الفلسطينية وتضامنوا مع الفلسطينيين”.
بقلم داليا إسماعيل
شَهِدَت الشّهور الأخيرة تحولًا ملحوظًا في أوروبا بإظهار العديد من الحكومات استعدادها للضغط على إسرائيل من أجل الاعتراف بدولة فلسطينيّة.
أعلَنَت فرنسا رغبتها بتقديم اعتراف رسمي بدولة فلسطين في الجمعيّة العامة للأمم المتحدّة ما أثار دعوات مماثلة من دول أوروبيّة أخرى. أما بالنسبة لألمانيا، التي تُعتَبَر الحليف الأقرب لإسرائيل في أوروبا، فقد طرح نائب بارز في ائتلاف فريدريش ميرتس مقترحًا بفرض عقوبات مُحتَمَلة على إسرائيل، بما في ذلك وقف تصدير الأسلحة.
بالرغم من أنّ هذه التحركات لم تتُرجَم بعد إلى تغيّرات سياسيّة ملموسة، إلاّ أنها تعكس رغبة متزايدة لدى قادة الاتحاد الأوروبي بنأي أنفسهم عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أصبح محور الاتهامات الدوليّة. وبتحميله المسؤولية وحده بالإبادة الجماعيّة، يتهرّب الاتحاد الأوروبي من تواطئه في بيع الأسلحة لإسرائيل ودعمها اقتصاديًا وسياسيًا ما مكّنَ إسرائيل منذ زمن من الاستمرار في أفعالها.
يقود التركيز على أفعال نتنياهو هذه الدول بإعادة صياغة رواية أحداث الإبادة الجماعيّة وتصنيفها بفشل في القيادة بدلًا من الاعتراف بالنظام الأوسع الذي مكّنَ وقوع الإبادة في غزة. كما يعزّز هذا التحوّل في الرواية إبراز المعارضة الدّاخلية في إسرائيل ما يساهم في تصوير المجازر الحاليّة كحدث استثنائي في السياسة الإسرائيليّة، ما يساعد في الحفاظ على شرعية إسرائيل على الساحة الدولية، ويُخفي الطابع المستمر لسياساتها العدائية تجاه الفلسطينيين.
التوظيف الاستراتيجي للمعارضين الإسرائيليين داخل إسرائيل
مَنَحَت وسائل الإعلام الرئيسيّة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدّة مساحة كبيرة لظهور شخصيّات سياسيّة عسكريّة إسرائيليّة من أبرزهم: رئيس الوزراء الإسرائيلي السّابق “إيهود أولمرت” وزعيم حزب الديمقراطيّة السّابق “يائير غولان” كونهم بدائل أخلاقية لرئيس الوزراء الحالي بينيامين نتنياهو.
في الآونة الأخيرة، انتقد أولميرت وغولان جرائم نتنياهو في غزة بشكلٍ صريح، واعتبر غولان تصرفات الحكومة بأنها “وقود لمعاداة الساميّة وكراهيّة إسرائيل” متهمها بقتل الأطفال كهواية. كما اتهم أولميرت قيادة نتنياهو وإسرائيل بارتكابهما جرائم حرب. بالرغم من ذلك، كان لكلٍّ منهم دوْر محوري في المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في غزة خلال عدوانها السابق، تحديدًا بين 2008-2009 (عملية الرصاص المصبوب) و2014 (عملية الجرف الصامد)، التي لا يزال كل من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية يحققان بها، باعتبارها جرائم حرب. ووثّقت هذه الانتهاكات منظمات حقوقية فلسطينية ودولية، من بينها مركز الحق الفلسطيني ومركز الميزان لحقوق الإنسان.
يُساهم منصبهم الأخلاقي المحايد في تصوير الجرائم الحاليّة على أنها انحراف كلي عن القاعدة، ويخفف هذا الخطاب المسؤوليّة عن النظام الإسرائيلي ويتجاهل الجرائم التي ارتُكِبَت في ظل حكومات سابقة، شملت رؤساء ووزراء وقادة عسكريين سابقين.
قد تؤدي مواقفهم المعارضة هذه وظيفة استراتيجيّة فمن خلال النأي بأنفسهم عن الأحداث الجارية، قد يسعى هؤلاء المسؤولون السابقون إلى حماية أنفسهم من الملاحقة الدّوليّة عبر إظهارهم عدم مشاركتهم في الجرائم أو عدم وجود نيّة لارتكابها خلال العدوانات السابقة وبذلك يتهربون من المسؤولية القانونية.
إعادة ضبط القيم الأخلاقيّة عبر السّرديّات المألوفة
إنّ تضخيم أوروبا ووسائل الإعلام السائدة الأصوات المعارضة كأولميرت وغولان يُساهِم في إعادة الضبط الأخلاقي للرأي العام في الدول الأوروبية حيثُ تُعرَف هذه الشخصيّات على أنّها دليل على النقاش الدّاخلي القوي ما يعزّز صورة إسرائيل كدولة ديمقراطيّة فعّالة قادرة على ممارسة النقد الذاتي والتصحيح الذاتي، ويُوحي بأن الجرائم المُرتَكَبَة بحقّ الفلسطينيين بدأت فقط في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحت حكم نتنياهو — وليس قبل ذلك. يُمَكّن هذا التأطير الرأي العام الأوروبي من تفسير الإبادة الجماعيّة على أنها وضع استثنائي مؤقت بدلًا من اعتبارها نتاجًا لنظام استعماري متجذر. كما يصور هذا الخطاب الإبادة على أنّها حَدَث جديد ما يطمس حقيقة ما وَصَفَهُ البروفيسور إيلان بابيه “الإبادة الجماعية التدريجية” المُستَمِرّة منذ عام 1948.
التفاوت المعرفي وتهميش الأصوات الفلسطينية
في نفس الوقت، تبقى الأصوات الفلسطينيّة من صحفيين وأكاديميين ومحاميين وناشطين في مجال حقوق الإنسان والأحياء منها مهمّشة في الخطاب الأوروبي. وعلى الرغم من الإبادة الجماعيّة المستمرّة وتصاعد ظهور الأصوات الفلسطينيّة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما زالت مقولة الناقد الفلسطيني إدوارد سعيد في مقالته المعروفة “حق السّرد” عام 1984 سارية بخصوص اعتبار الأصوات الإسرائيلية الأكثر مصداقيّة والأكثر موثوقية عندما يتعلق الأمر باتقادهم وكشف جرائمهم ضد الفلسطينيين.
هذا ما وَرَدَ عن الصّحفيّتين رومانا روبيرو ورمزي برود ما نشرتاه في صحيفة فلسطين كرونيكال “The Palestine Chronicle” بخصوص الصحفية شيرين أبو عاقلة. عندما اغتالها الاحتلال الإسرائيلي في مخيم جنين، وصفَ زميلها علي السمودي الذي شَهِدَ على ما حدث وأصيب في نفس الهجوم، قائلًا: لم تكن هناك اشتباكات مسلحة في المنطقة، وكان كل من الصحفيين يرتدي سترة صحفية واقية، وأطلق جنود الاحتلال النار بقصد، ولم تخرج من أي مصدر آخر. وبالرغم من كونه الشاهد الأقرب، أُهمِلَت شهادَتَهُ وإثرَ ذلك، نفى المسؤولون الإسرائيليون تحملهم مسؤولية ما حدث، وحذت حذوهم معظم وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية. لاحقًا، أكدت تحقيقات المنظمات الدولية — واعتراف إسرائيلي متردد — أن رواية السمودي للأحداث كانت دقيقة.
إنّ إعطاء الاهتمام الأكبر للمعارضين الإسرائيليين مقارنة بالفلسطيني، الذي يَنقل الحدث ذاته، يُعزّز الهيمنة العنصريّة السائدة في الإعلام. لا يقتصر الأمر على تهميش الأصوات الفلسطينيّة فحسب بل يُضعِف مبدأ المساءلة: فإذا لم تؤخذ معاناة الفلسطينيين بعين الاعتبار إلا عندما تُنقل عبر روايات إسرائيلية، فالعدالة إما أن تُحجَب كليًا عن الضحايا أو يتم إرجائها. ولهذا، نادرًا ما تُحاسَب إسرائيل بشكلٍ واقعيّ وملموس، لأن شهادات الضحايا أنفسهم لا تعدّ مصادر موثوقة لإحداث تغيير حقيقي.
إعادة صياغة الحقائق لِتَحوي الشّعور بالذنب
يُعَد إلقاء اللوم على نتنياهو والبعض الآخر بشأن الفظائع التي ارتُكِبَت في فلسطين بمثابة آليّة دفاع نفسي وتستطيع المجتمعات الأوروبية تحييد نفسها ومسؤوليتها والحفاظ على صورة ذاتية تتسم بالنزاهة الأخلاقيّة.
ركّزَت محاكمة النازيين في ألمانيا عقب الحرب العالميّة الثانية بشكل رئيس على مقاضاة مسؤولين نازيين بارزين، كما جادل الفيلسوف كارل ياسبرز في كتابه “مسألة ذنب ألمانيا” أنّ هذا التركيز الانتقائي على الذنب الفردي أعادَ للألمان إمكانيّة إعادة بناء هويتهم الوطنية من جديد دون الاضطرار إلى مواجهة المسؤوليّة السياسيّة والأخلاقيّة التي تقع على عاتق المؤسسات والأفراد.
فرّق ياسبرز بين أنواع من الذّنب: الجنائي والسياسي والأخلاقي والميتافيزيقي فبينما يترتب على الذّنب الجنائي المعاقبة القانونيّة، ينطوي الذّنب السياسي على المسؤوليّة الجماعيّة للمجتمع، أمّا الذنب الأخلاقي فيشير إلى القصور الفرديّة في الالتزام بالمبادئ الأخلاقيّة، بينما يعكس الذنب الميتافيزيقي فشلًا وجوديًا أعمق يتمثّل في عَدَم مقاومة الظُّلم. رأى ياسبرز أن اختزال الذنب في المسؤولية الجنائية يشكل خطرًا على المجتمعات، إذ يسمح لها بتجاوز المسائلة الأخلاقية ما يُفضي إلى إنكار جماعي للواقع.
تعكس ردّة فعل أوروبا الحاليّة على الإبادة الجماعيّة بحقّ الفلسطينيين النمط نفسه ” الذي يقتصر على إلقاء اللوم على أفراد معيّنين”. فتوجه الإنتقادات والغضب الشّعبي على نتنياهو ولم يتم التطرق أو مساءلة الدعم السياسي والاقتصادي لإسرائيل. بذلك، يستمر استخدام روايات كاذبة، مثل تلك المتعلّقة بأحداث 7 أكتوبر وإقصاء معاناة الفلسطينيين وتهميشهم لصرف الانتباه عنهم والتجرّد من المسؤوليّة. ويساهم هذا اللوم الانتقائي في تبرئة المجتمعات الأوروبية من مسؤوليتها إزاء ما يحدث من لإبادة للفلسطينيين.







