مُعضلةُ التعليم في مدغشقر: نظامٌ على حافّة الانهيار

A rural public primary school classroom outside Antsiranana, Madagascar

صفٌّ دراسيّ في مدرسة ابتدائية عامة ريفية خارج أنتسيرانانا في مدغشقر. الصورة من ويكيميديا ​​​​كومنز. CC BY-SA 3.0

كتب المقال جيمي أندرياتسيميالينا

واجه التعليم، على مدى السنوات العشرين الماضية، تحدياتٍ خطيرة في مدغشقر حيث يناضل عددٌ كبير من طلاب المرحلة الابتدائية إلى الجامعيّة لاكتساب المهارات الأساسية، حيث لا يتلقى المعلمون سوى دعم محدود من النظام التعليمي. تخلق البنية التحتية الضعيفة وبيئات التعلم الشاقّة ونقص المواد والنقص الحاد في المعلمين نظامًا تعليميًا غير كافٍ للأفراد.

علاوةً على ذلك، يُغادر العديد من الأطفال المدرسة دون اكتساب مهارتيّ القراءة والكتابة الأساسيتين، وكثيرًا ما يُعاني الخريجون من نقص في فرص العمل، ما يُنذر بتدهور اقتصادي واجتماعي طويل الأمد. كما يُفاقم تفضيل العديد من الطلاب المهَرة الهجرة إلى الخارج استنزاف الكفاءات الوطنية ويُديم أزمة التعليم.

أساساتٌ مُنهارة

التعليم الابتدائي أصل المشكلة. وفقًا لبيانات البنك الدولي لعام 2025، يُكمل 66.6% من الفتيات و60.6% من الفتيان فقط تعليمهم الابتدائي في مدغشقر، بينما يبلغ المتوسط ​​العالمي 88.3%. يستمر هذا المعدل في الانخفاض مع تقدم الأطفال في السن، حيث يبلغ المعدل الإجمالي للالتحاق بالتعليم الثانوي 36% للفتيات و34% للفتيان، ويبلغ المعدل الإجمالي للالتحاق بالتعليم العالي 6% فقط للجنسين.

لا يحقق الكثير ممن يبقون في المدرسة نتائج التعلم المتوقّعة. وفقًا لبيان صحفي صادر عن البنك الدولي، 25% فقط من الأطفال في مدغشقر قادرون على القراءة بطلاقة عند الانتهاء من المرحلة الابتدائية. أشار التقرير أيضًا إلى ارتفاع معدل الرسوب بنسبة 25.3% في المدارس الحكومية، وهو ضعف معدّل ​​منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وفقًا لشبكة التضامن التعليمي، يمكن أن يُنسب ذلك جزئيًا إلى الاعتماد الكبير على معلميّ المجتمع غير المؤهلين (FRAM). تُوظّف جمعيات أولياء الأمور المحلية المعلمين وتدفع رواتبهم عندما تعجز الحكومة عن ذلك. على الرغم من أهمية وجود هؤلاء المعلمين للنظام، إلا أنهم غالبًا ما يعانون من نقص الموارد. في عام ٢٠٢٤، ترأس معلمو المجتمع، أغلبهم من غير المؤهلين والمفتقرين لأبسط مهارات التدريس، حوالي ٦٠٪ من العاملين في مجال التدريس في المرحلة الابتدائية ومرحلة ما قبل المدرسة في البلاد.

تبلغ نسبة الطلاب إلى المعلمين في التعليم الابتدائي في مدغشقر 39.81 أي في المتوسط، يوجد معلم واحد لكل 40 طالبٍ تقريبًا في المرحلة الابتدائية. وهذا أقل بقليل من متوسط ​​نسبة الطلاب إلى المعلمين في المدارس الابتدائية في البلدان منخفضة الدخل والبالغ 41.92.

تعاني البنية التحتية أيضًا من نقص حاد. في بعض المناطق النائية من البلاد، غالبًا ما تنعدم المدارس تمامًا، أو توجد مدرسة واحدة بثلاثة صفوف دراسية فقط في منطقة ريفية تضم مئات الأطفال. تدمر الكوارث الطبيعية المتكررة كالأعاصير من 1000 إلى 2000 صفٍ دراسي سنويًا، ما يُصعّب صيانة البنية التحتية.

تستثمر البلاد بين 2.8% و3% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي في التعليم، و0.1% فقط في البحث العلمي، وهو أقل من المعدل ​​الإقليمي البالغ 3.7%، وحوالي 5% في الدول ذات الدخل المرتفع. تُضطر المدارس للعمل في ظل تضررٍ للأسقف وغيابٍ للكتب المدرسية واكتظاظٍ للفصول الدراسية. نبّه البنك الدولي للحاجة المُلِحّة للاستثمار في التعليم في مدغشقر.

عبءٌ على التعليم العالي

تواجه الجامعات أيضًا تحديات بنيوية. يُدرّس حوالي 70% من المقررات الدراسية أعضاء هيئة تدريس من خارج الخدمة المدنية، ممن عانى كثيرهم من أجورٍ غير مدفوعة لسنوات وسبّب بدوره تعليقًا للدراسة دام لعدة أشهرٍ أحيانًا. يُوعد المعلمون وعمال الصيانة والطلاب برواتب ومنح دراسية لا تلبي احتياجاتهم إلى حدٍ بعيد وغالبًا ما تفشل الكليات في توفيرها لهم. أثار ذلك احتجاجاتٍ عديدة على المستحقات غير المدفوعة وقاد الموظفين والطلاب إلى فقرٍ مُدقع وعطّل سير التعليم أكثر.

في أيار/ مايو ٢٠٢٤، اندلعت مظاهرات في مدرسة أنتاناناريفو العليا للفنون التطبيقية (ESPA) وجامعات حكومية أخرى في جميع أنحاء البلاد. طالب الطلاب بدفع المنح الدراسية المتأخرة وإصلاح البنية التحتية. من تحديات البنية التحتية التي يواجهونها: المساكن غير الآمنة، وانقطاع إمدادات المياه، وعدم استقرار الإنترنت.

تُفتتح حُرُم جامعية جديدة في مناطق تفتقر إلى أعضاء هيئة تدريس أو مختبرات أو مكتبات كافية. غالبًا ما يُعطي التوسع الأولوية لسهولة الوصول على الجودة.

تعكس هذه الإجراءات الإحباطَ المتزايد والمستمرَّ الناجم عن الإهمالِ المنهجيِّ لقطاعِ التعليم. أدّى ذلك، إلى جانبِ إخفاقاتٍ حكوميةٍ أخرى، إلى أحداثِ 25 أيلول/ سبتمبر 2025، ما أفضى إلى إقالة أندري راجولينا في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2025.

من التعلّم إلى العمل

يواجه خريجو اليوم أحد أعلى معدلات بطالة الشباب في القارة. يمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و30 عامًا نسبة 70% من العاطلين عن العمل؛ ومعظم من يجدون عملًا يكون خارج نطاق تخصصهم: المهندسون يعملون كسائقي سيارات أجرة، وعلماء الأحياء يعملون كموظفين، والمعلمون يبحثون عن دخل غير رسمي.

حسينة، الحاصلة على ماجستير درست فيه القانون العام المحلي والدولي في السنة الأولى والعلوم السياسية في السنة الثانية، نَوَت أن تصبح موظفة دبلوماسية أو قنصلية. لكنها تعمل كمساعدة متعددة المهارات في شركة ناشئة للإنشاءات حيث تتولى مهام المحاسبة والموارد البشرية والإدارة. صرحت حسينة لمنظمة جلوبال فويسز:

This job was my only option post-university; it didn’t require experience, which is the sad reality.

كانت هذه الوظيفة خياري الوحيد بعد التخرج من الجامعة. لم تكن تتطلب خبرة، وهذا هو الواقع المحزن.

بعد اجتيازها اختبارًا تحريريًا ومقابلة لوظيفة في سفارة أجنبية بمدغشقر، رُفض طلبها بسبب ما افترضته افتقارها للخبرة. تؤكد حسينة أن فرص الخريجين نادرة بشكل مُثيرٍ للقلق، مشيرةً إلى تردد العديد من الشباب في البحث عن فرص.

There’s a pervasive culture that fails to invest in young talent. Companies are fixated on experience and impose rigorous requirements. This reluctance stems from fear and a lack of confidence. Even if there are only a few of them, opportunities do exist, and we as graduates must learn how to stand out in the crowd.

هناك ثقافة سائدة تُغفل الاستثمار في المواهب الشابة. تُركز الشركات على الخبرة وتفرض شروطًا صارمة. ينبع هذا التردد من الخوف وانعدام الثقة. الفرص موجودة حتى لو كانت قليلة، وعلينا كخريجين أن نتعلم كيف نتميز عن الآخرين.

أوضح شاب آخر يبلغ من العمر 26 عامًا، دون الكشف عن هويته، في مقابلة مع جلوبال فويسز:

I studied corporate communication and got a Master I degree. My goal was to work as a communications manager in a company, overseeing strategy, image, and both internal and external relations. However, I currently work in a call center. This is not what I envisioned for myself after graduation, but it was one of the few opportunities available in a job market where communication positions are scarce and often reserved for those with strong connections. I had a few opportunities, but they slipped away.

There’s a significant amount of nepotism in Madagascar, and we often hear the same excuses: a lack of experience or not being qualified enough, even when we meet all the requirements. The main challenges that students face after graduation typically include: nepotism and favoritism in hiring, limited job offers that align with graduates’ fields of study, experience requirements for entry-level positions, and the low value attributed to locally acquired degrees.

درستُ الاتصالات المؤسسية وحصلتُ على درجة الماجستير. كان هدفي العمل كمديرٍ للاتصالات في إحدى الشركات، أُشرف على الاستراتيجية والصورة والعلاقات الداخلية والخارجية. لكنني أعمل حاليًا في مركز اتصال. لم يكن هذا ما تمنيته لنفسي بعد التخرج، لكنه كان من الفرص القليلة المتاحة في سوق عمل تندر فيه وظائف الاتصالات، وغالبًا ما تُحفظ لأصحاب العلاقات القوية. أتيحت لي بعض الفرص، لكنها ضاعت مني.

تنتشر المحسوبية بشكل كبير في مدغشقر، وكثيرًا ما نسمع نفس الأعذار: الافتقار إلى الخبرة والمؤهلات الكافية حتى مع استيفائنا جميع المتطلبات. تشمل التحديات الرئيسية التي يواجهها الطلاب عادةً بعد التخرج: المحسوبية والتحيّز في التوظيف، قلة عروض العمل التي تتوافق مع تخصصات الخريجين، متطلبات الخبرة لوظائف المبتدئين، وانخفاض قيمة الشهادات المحلية.

حذّرت حسينة من سرعة تراجع قيمة التعليم العالي مع معاناة الخريجين لإيجاد وظائف، ما يدفع المجتمع إلى تجاهل شهاداتهم الحاصلين عليها بشق الأنفس. تؤكد على ضرورة خلق المزيد من الفرص وتعزيز ثقافة التميز منذ الصغر.

Education should return to its core mission: to prepare young people to become the pillars of the future.

ينبغي للتعليم أن يعود إلى مهمته الأساسية: إعداد الشباب ليصبحوا ركائز للمستقبل.

يدفع هذا التفاوت الكثيرين إلى الدراسة أو العمل في الخارج. يغادر الآلاف سنويًا إلى فرنسا وكندا وموريشيوس ودول أخرى، بحثًا عن الاستقرار وآفاق أفضل، ما يؤدي إلى هجرة خطيرة للكفاءات.

الحوكمة والتحديات المؤسسيّة

يكمن جزء من الصعوبة في الهياكل المؤسسية. هناك افتقارٌ للشفافية في عمليات التوظيف والترقية، ويمتد إلى أعلى مستويات الحكومة، ما يؤثر على المعلمين والإداريين على حد سواء. كما يتجذر الفساد والمحسوبية في جميع المؤسسات العامة في البلاد.

حصلت مدغشقر على 26 نقطة من أصل 100، واحتلت المرتبة 140 من أصل 180 دولة في مؤشر قياس الفساد (CPI) لعام 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. في قطاع التعليم، تنتشر على نطاق واسع قضايا مثل الرسوم المدرسية غير القانونية، بيع الأوراق الامتحانية، والمحسوبية في توظيف المعلمين. تشير الدراسات الاستقصائية إلى أن حوالي 40% من السكان شهدوا أو تعرضوا للفساد في المدارس، وأن ثلث الطلاب واجهوا تحرشًا جنسيًا. تعيق هذه الممارسات حصول الفقراء على التعليم، وتُدَهوِر جودة التدريس، ما يضر بآفاق نمو البلاد في نهاية المطاف.

تُعزى محدودية النظام إلى قرارات طويلة الأمد متعلقة بالسياسية والميزانية. عرقلت الأزمة السياسية عام ٢٠٠٩ القدرة الإدارية، ورغم أن الحكومات اللاحقة عملت على الإصلاحات، تستمر المشاكل القانونية الأساسية.

سُبلٌ للمضي قُدمًا

حدد الخبراء عدة أولويات رئيسية: زيادة تمويل المعايير العالمية، وتوظيف وتدريب المعلمين، وإضفاء الطابع الرسمي على أدوار أُطُر معلميّ المجتمع المؤهلة. ينبغي على الجامعات التركيز على تحسين دعم أعضاء هيئة التدريس والبنية التحتية، وزيادة المنح، وتحسين القدرات البحثية. يمكن لمدغشقر تحسين التحصيل التعليمي المُعدَّل حسب الجودة بشكل ملحوظ بزيادة نسبة المعلمين المؤهلين، ما سيساهم بدوره في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد.

التعليم ضروري للتنمية. يُمكن للأطفال الذين يدرسون اليوم أن يكونوا أساسًا لمستقبل أكثر ازدهارًا في مدغشقر ما داموا يحصلون على الدعم الكافي والفرص الكافية للنجاح.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.