
تاليا ليفيت، “50/50″، 2025، أكريليك على قماش (كانفاس)، 91.4 × 121.9 × 3.0 سم (36.0 × 48.0 × 1.2 بوصة)، استخدمت الصورة بإذن من الفنانة.
في معرضها الأخير “24/7″، تقدّم الفنانة تاليا ليفيت، المقيمة في نيويورك، تأملًا رقيقًا وجريئًا من الناحية التقنية في شهور الأمومة الأولى. نشأ هذا المشروع في لحظة تلاشت فيها الحدود بين رعاية الطفلة والحياة داخل الاستوديو، كما تقول:
“I was painting in bed with my daughter,”
“كنت أرسم في السرير وابنتي بجانبي”.
تجسّد هذه الأعمال إيقاع حياة تتداخل فيها حالات الاستعجال والإنهاك والنشوة والحنان.
تدمج أعمال ليفيت بين رهافة أغراض منزلية ناعمة كالتهويدة، وبين صرامة مرجعية تاريخ الفن؛ فتظهر مصاصات الأطفال وملابس الأطفال وعلب حُليّ الطفولة إلى جانب الفاكهة والزهور والشموع المصوغة، مصوّرةً بتقنيات الخداع البصري التصويري متعددة الطبقات وأنماط أشبه بالنسيج. ومن خلال اختيارات مادية مدروسة بعناية، وشبكات محفورة، وخطوط طلاء نافرة تحاكي التطريز، وترتر، وزخارف من الأكريليك المصبوب، تبني دفاتر يوميات بصرية تحتفي بالعمل وبالحميمية وباليقظة البصرية، بينما تُوسِّع في الوقت نفسه لغة الطبيعة الصامتة المعاصرة.
كونها تنتمي للجيل الرابع من سكّان نيويورك، فإن جذورها الحضرية ليست هامشية، بل تُغذّي رؤيتها ومشاريعها المعرفية. في معرضها “شْماتا” (أوفنر ليو، 2023)، تناولت تاريخ صناعة الألبسة في نيويورك، وهو إرث عائلي ترتبط به عبر اهتمام طويل بتقاليد النسيج.
حصلت ليفيت على شهادة البكالوريوس في الفنون الجميلة من كلية رود آيلاند للتصميم عام 2011، ودرجة الماجستير من كلية هنتر التابعة لجامعة مدينة نيويورك عام 2019، كما التحقت بمدرسة سكوهِيجِن للرسم والنحت في العام نفسه. إتقانها للرسم، إلى جانب سنوات قضتها وسط مشهد الفن المعاصر في نيويورك، ساهم في تشكيل مفردتها البصرية الهجينة التي تجمع بين الرسم والحِرَف والخداع البصري.

تاليا ليفيت، “هل ستكون ابنتي رسامة أيضًا؟”، 2025، أكريليك على قماش (كانفاس)، 182.9 × 152.4 × 3.0 سم (72.0 × 60.0 × 1.2 بوصة)، استخدمت الصورة باذن من الفنانة.
تتموضع ممارسة ليفيت في حوار مع تقاليد الطبيعة الصامتة الهولندية، وحركات الزخرفة النسوية، وتواريخ الحِرَف، بينما تطرح أسئلة معاصرة حول الرؤية والإدراك. تقول:
“To force the viewer to ask themselves, is this honest or what is honest, is this real or what is real, what am I looking at, and how do I look at it?”
“أريد أن أدفع المتلقي إلى أن يسأل نفسه: هل ما أراه صادقًا، وما معنى الصدق أصلًا؟ هل هو حقيقي، وما الحقيقة؟ ماذا أنظر إليه؟ وكيف أنظر؟”.
سينتقل معرض “24/7″ لاحقًا إلى مؤسسة K11 للفنون في شنغهاي، موسِّعًا دائرة هذا الحوار ليطال جماهير وسياقات جديدة.
بصريًّا، لوحات ليفيت كثيفة وغنية ومتأمِّلة، ومتجذّرة في حكاياتها؛ تعثر على قدر من الانسجام داخل طبقات من الفوضى، حيث تومض الأشياء اليومية بطاقة رمزية، ويغدو العالم المنزلي نفسه ذا طابع مهيب. تقول متأمّلة:
“Motherhood has changed the way I make and the way I see,” she reflects. “My daughter is my teacher.
“الأمومة غيّرت الطريقة التي أُنتِج بها أعمالي والطريقة التي أرى بها العالم. ابنتي هي مُعلّمتي”.
في حوارها مع منظمة جلوبال فويسز، تناولت ليفيت التحوّلات الوجدانية والمادية التي أطلقتها الأمومة، والتوازن بين الصرامة واللعب في تقنية خداع البصر التي تعتمدها، والتاريخ “الديمقراطي” للطبيعة الصامتة، وكيف يعيد عالم الأمومة والحياة في المرسم تشكيل كلٍّ منهما للآخر لحظة بلحظة.

تاليا ليفيت، “مرة أخرى!”، 2025، أكريليك على قماش (كانفاس)، 182.9 × 152.4 × 3.0 سم (72.0 × 60.0 × 1.2 بوصة)، استخدمت الصورة بإذن من الفنانة.
أوميد ميماريان (أ.م): في “24/7″ خرجتِ من طور الأمومة المبكرة، في مرحلة تماهت فيها الحياة المنزلية مع العمل في المرسم. كيف ترين أن هذه التجربة العميقة أعادت تعريف لغتك البصرية بشكل دائم؟
تاليا ليفيت (ت.ل): يصعب أن أصف بما يكفي مدى التحوّل الذي أحدثه اندماج هذين العالمين، أو الأمومة بوصفها الدافع، في الطريقة التي أعمل بها وفي الطريقة التي أرى بها الأشياء. لقد تغيّرت مثلًا نقاط ارتكازي البصرية؛ صرتُ أمتلك خبرات مختلفة أعلّق بها طيفًا واسعًا من الرموز، ونتيجة لذلك طرأت تغييرات على ما أختار إدخاله في اللوحات. صرتُ أفكّر بعمق أكبر في مَن ستكون هذه اللوحات مقروءة لديهم… الآن وأنا أراقب ابنتي تتعلّم كيف تنظر وكيف تكتشف. هي تنجذب أولًا إلى الصور الفوتوغرافية، التي تصبح مدخلًا لها لاستكشاف الرسوم التوضيحية وصور أخرى أكثر تجريدًا في كتبها. أراقب هذا التطوّر عن قرب، وكان مصدر إلهام حقيقيًّا لي.
بما أن لوحاتي قامت منذ البداية على توظيف لغات بصرية متنوّعة، صار بوسعي أن أوسّع استخدامي للطلاء، وأتنقّل بحرّية بين الواقعية والتجريد استنادًا إلى ما أتعلّمه من خلالها.

تاليا ليفيت، “جسدي جبل، جسدي غذاء”، 2025، أكريليك على قماش (كانفاس)، 76.2 × 61.0 × 3.0 سم (30.0 × 24.0 × 1.2 بوصة)، استخدمت الصورة بإذن من الفنانة.
(أ.م): التلاعب بين خداع البصر trompe l’oeil والرموز البصرية في أعمالك، من الطبيعة الصامتة الهولندية إلى أشياء الطفولة المعاصرة، يفكّك الهرمية التقليدية بين “الرفيع” و”اليومي”. هل ترين هذه إعادة الهيكلة مرتبطة بمرحلة معيّنة، أم أنها تحوّل طويل الأمد في ممارستك الفنية؟
(ت.ل): أعجبتني كثيرًا طريقة صياغتك لهذا السؤال! في الواقع، أنا لا أفكّر فيها “هذا في مواجهة ذاك”، بقدر ما أراها النوع الفني نفسه، مع محتوى متقارب، يظهر في فترتين زمنيّتين مختلفتين. فحتى في “العصر الذهبي” للرسم الهولندي، كانت الطبيعة الصامتة تُعدّ أدنى الأجناس الفنية في السُلَّم الأكاديمي الأوروبي. وكانت المطبوعات، بل وحتى لوحات الطبيعة الصامتة الأصلية في ذلك الوقت، متاحة وبأسعار في متناول اليد.
هذا التاريخ منحني بالتأكيد جرأةً إضافيةً لأضخّ قدرًا كبيرًا من القوة والمهارة الأكاديمية، مع شيء من المشاكسة، في عملي؛ ولألعب مع هذا التاريخ وأعمل في الوقت نفسه على تحديث/معاصرة الموضوعات التي ارتبطت تقليديًّا بتقنية خداع البصر trompe l’oeil.

ترسم الفنانة تاليا ليفيت وطفلتها المولودة حديثًا مستريحة على كتفها، في لمحة عن الواقع الحميم الكامن خلف سلسلة أعمالها “24/7″ التي تشكّلت في المسافة المموّهة بين الرعاية والعمل في المرسم، استخدمت الصورة بإذن من الفنانة.
(أ.م): هل يمكنكِ وصف عمليتك خطوةً بخطوة، من الشبكات المحفورة إلى الزخارف المصنوعة من قوالب الأكريليك؟ ما اللحظات المفصلية التي أقنعتك بأن تجعلي هذا الهجين من الرسم والحِرَف وخداع البصر طريقتك الأساسية في العمل؟
(ت.ل): في عام 2019، خلال إقامتي الفنية في “سكوهِيغان” في ولاية مين، كنت أحاول أن أرسم باب الشبك في محترف الحظيرة الخاص بي. وفكّرت: “لا بد أن هناك طريقة أفضل لتمثيل هذا الشبك بواقعية من أن أرسم كل خط صغير في هذه الشبكة”. فأخذتُ المسطرة وسكّين الأعمال، وبدأتُ أحكّهما على سطح اللوحة، لأكشط الشبك من طبقة الطلاء التي تمثّل باب الحظيرة خلفه.
اكتشفت آنذاك أن بوسعي أن أستخدم الطلاء، أو غيابه المتعمَّد، لتمثيل شيءٍ ما بصورة مقنعة للغاية، وأن أخلق في الوقت نفسه الملمس الجسدي نفسه، والسلوك المادي نفسه تقريبًا، لذلك الشيء في الواقع. هذا الاكتشاف فتح أمامي، حرفيًّا ومجازيًّا، بابًا نحو تجارب جديدة، وجعلني أعيد التفكير في الطلاء وفي خداع البصر (trompe l’oeil) كنوع فني بطرق لم تخطر لي من قبل.
أمّا عن الخطوات: أولًا، أرسم الصور مباشرةً على القماش باستخدام الفرش. بعد ذلك، أرسم شبكة على السطح وأحفرها بخطوط رفيعة بواسطة سكّين ومسطرة، ثم أغطّيها بطبقة من وسيط لامع. بعدها أبدأ في تشكيل “غُرَز” من الطلاء، على هيئة خيوط نافرة أضغطها من أكياس السندويتشات البلاستيكية، وأخيرًا أضيف إلى اللوحة زخارف من قوالب الأكريليك، والبرّاق، وغيرها من التفاصيل.
قد يبدو الوصف كأنه روتين ثابت، لكن الحقيقة أن قدرًا كبيرًا من الارتجال والتجريب يحدث داخل هذه العملية المرسومة على الورق.

تاليا ليفيت، “أفرغت علبة حُليّ طفولتي من أجلها فوجدت قلبي”، 2025، أكريليك على قماش (كانفاس)، 50.8 × 40.6 × 3.0 سم (20.0 × 16.0 × 1.2 بوصة)، استخدمت الصورة بإذن من الفنانة.
(أ.م): تبدو الحكاية جزءًا محوريًّا في أعمالك؛ فهي تحمل طابع اليوميات، لكنها تبدو في الوقت نفسه أقرب إلى المشترك الإنساني. كيف ترين أن الرسم السردي، الذي وُضِع كثيرًا على الهامش في الخطاب الحداثي، يُضَخّ فيه نفس جديد في أعمالك، خصوصًا في ظل السياسة المعاصرة وحالات الاضطراب الاجتماعي؟
(ت.ل): أحتاج أن أرتّب إجابتي على مستويين: السرد، ثم استخدام الطلاء. على مستوى الحكاية، لا أظن أن تجاربي فريدة من نوعها، لذلك آمل أنه إن حملتُ إلى عملي أكبر قدر ممكن من السخاء والتأمّل، فسيتمكّن المتلقّي من إيجاد صلةٍ ما معه. ربما يكون هذا المنظور هو ما يضخّ حياة جديدة في الرسم السردي، أو ربما كانت هذه دائمًا استراتيجية يتبنّاها الرسّامون، بشكل أو بآخر، مع كل جيل تقدّمي جديد.
أمّا ماديًّا، فأنا مهتمّة باستخدام خصائص الطلاء نفسها لتعطيل القراءة المباشرة. أريد أن أدفع المتلقّي إلى أن يسأل نفسه: هل ما أراه صادقًا، وما معنى الصدق أصلًا؟ هل هو حقيقي، وما الحقيقة؟ ماذا أنظر إليه؟ وكيف أنظر؟ هذه أسئلة تنتمي إلى زمننا. ورغم أنها ليست سياسيّة أو اجتماعيّة بشكل مباشر، فإنها تستكشف موضوعات أعلم أنها أساسية وكونيّة في آن.

تتشارك تاليا ليفيت وابنتها لحظة لعب، لمحة من الحياة التي تغذّي لوحاتها الرقيقة المتقنة وعالم سلسلة أعمالها “24/7″، استخدمت الصورة بإذن من الفنانة.
(أ.م): بناءً على ما قلتِه، فإن أعمالكِ تدعو المتلقي إلى التحديق عن قرب؛ فالتفاصيل المشغولة بإتقان تُعيد إلى الأذهان تقاليد النسيج، ومع ذلك فإن الصورة البصرية فيها تلامس المتلقي فورًا. كيف تنظرين إلى مسألة جعل أعمالك قريبة ومفهومة للمتلقي، في ضوء سوابق التاريخ الفني مثل حركات الزخرفة والزينة النسوية، والطبيعة الصامتة الهولندية، وحتى التقاليد الشعبية؟
(ت.ل): أفكّر في هذه التقاليد بوصفها تاريخًا يمكن استدعاؤه وإثارته ومساءلته، بخاصّة حين يتعلّق الأمر بعلاقة الحرفة بتاريخ الفن بمعناه المؤسسي الكبير، وبمسألة الجندر. هذا الاهتمام وهذا الدافع يتوافقان تمامًا مع انشغالي الدائم وافتتاني بكل ما يرتبط بالزخرفة وبالعمل اليدوي الشاق. لطالما جذبتني الحِرَف، من الفسيفساء إلى الزجاج الملوَّن إلى التطريز، بسبب الزمن الهائل المبذول في إنجازها، وبسبب جمالها وتاريخها وتطبيقاتها. تعلُّمُ كيفية صناعة الفسيفساء، مثلًا، والسفرُ لرؤية نماذج أثرية تمارس فيها هذه الحرفة في مواقعها الأصلية، كل ذلك غذّى رغبتي في تعلّم محاكاة هذه الحرفة باستخدام الطلاء. وآمل أن يواصل هذا المسار تطوّره.

تاليا ليفيت، “أفرغت علبة حُليّ طفولتي من أجلها فوجدت قلبي”، 2025، أكريليك على قماش (كانفاس)، 50.8 × 40.6 × 3.0 سم (20.0 × 16.0 × 1.2 بوصة)، استخدمت الصورة بإذن من الفنانة.
(أ.م): بصفتك فنانة وأمًّا في آنٍ واحد، كيف تتعاملين مع واقع الأمومة اليومي إلى جانب عملك في المرسم؟ وهل تنظرين إلى الأمومة بوصفها مصدر توتّر، أم مصدر إلهام، أم كليهما معًا؟
(ت.ل): كانت الأمومة نعمةً حقيقية، لكنها في الوقت نفسه جعلت مسألة الموازنة بين أن أكون أمًّا ورسّامة أمرًا صعبًا للغاية. ابنتي تُلهم عملي بطرق لا تُحصى. هي مُعلّمتي؛ تُعلّمني كيف أنظر وأفكّر بطريقة مختلفة. ومع ذلك، يلازمني شعور قوي بالذنب حين أبتعد عنها لأرسم، وكان التعامل مع هذا الشعور أمرًا معقّدًا. كثيرًا ما أذهب لاصطحابها من الحضانة في وقت مبكّر لهذا السبب، ثم أُكمِل الرسم ليلًا. تبقى هي شاغلي الأوّل دائمًا. وربما يتغيّر هذا مع مرور الوقت كلّما كبُرت.
ما يمكنني قوله هو أنّ وتيرة إنتاجي انخفضت قليلًا بالفعل، لكنني أعتقد أن أحدث مجموعة قدّمتها لمشروع Victoria Miro Projects بعد ولادتها هي أقوى ما أنجزت حتى الآن.

تاليا ليفيت، “دفعة واحدة”، 2025، أكريليك على قماش (كانفاس)، 50.8 × 40.6 × 3.0 سم (20.0 × 16.0 × 1.2 بوصة)، استخدمت الصورة بإذن من الفنانة.
(أ.م): تعبّر عبارتكِ “حياة تُعاش دفعةً واحدة” عن كثافة التجربة الشخصية كما تلتقط في الوقت نفسه فوضى الحاضر. وأنتِ تنظرين إلى ما هو قادم، هل تتخيّلين الاستمرار في الاشتغال على ثيمات ذات طابع يومياتي/تسجيلي، أم تميلين أكثر إلى بناء حكايات واستعارات رمزية ذات بعد اجتماعي أوسع؟
(ت.ل): أحببت هذا السؤال لأنه يصف تمامًا ما يحدث في المرسم الآن: كلاهما معًا! أستطيع أن أستكشف البعد الرمزي بأفضل صورة عندما أنطلق من التجربة الشخصية. انبثقت عبارة “دفعةً واحدة” عندما كنت أحاول التعبير عن الطابع “الديمقراطي” لسطح اللوحة في أعمالي، مقرونًا بالعناء المتواصل في موازنة البيت والمرسم، الموضوعان الرئيسيان في معرضي الأخير “24/7″.







