
احتجاجات 2025 في أنتاناناريفو تحت شعار «Leo kolikoly» أي «سئمنا الفساد»، صورة مقدَّمة من المنصّة الوطنية لمنظمات المجتمع المدني في مدغشقر (PFNOSCM)، استخدمت الصورة بإذن.
عندما بدأ الشبان النيباليون، في أبريل/نيسان 2025، بتبادل الصور الساخرة وإطلاق نقاشات ساخرة عن فساد الحكومة، لم يُعر كثيرون في الأوساط السياسية في كاتماندو الأمر اهتمامًا يُذكر. لكن، وبالانتقال السريع إلى سبتمبر/أيلول 2025، كانت المقاطع القصيرة على تيك توك تتحوّل خلال أيام إلى مسيرات في الشارع، وكانت سلاسل النقاش على منصة ديسكورد تتحوّل إلى اجتماعات لوضع الخطط. وحين فُرض حجب ومنع على وسائل التواصل الاجتماعي، كان الحراك قد سبقه بأشواط، وانتشر عبر خوادم مشفّرة وشبكات بروكسي، مجمِّعًا آلاف المشاركين تحت شعار واحد: “نحن هنا، ولن نسمح بتغييب أصواتنا بعد اليوم”.
هذه هي الملامح الجديدة للاحتجاج. من العاصمة النيبالية إلى شوارع إندونيسيا، ومن جامعات مدغشقر إلى ساحات بنغلاديش، يعيد جيل زد، الجيل الرقمي المولود تقريبًا بين أواخر التسعينيات وبدايات العقد الثاني من الألفية، تعريف شكل الحشد والاحتجاج. أوصاف عدّة تتبادر إلى الذهن: حراك سيّال، لامركزي، جريء وسريع، يشتغل عبر الشبكات لا من داخل البُنى التقليدية.
ثابتان اثنان لا يزالان يعرّفان هذا الجيل: إتقانه اللافت لأدوات العالم الرقمي، ورفضه التامّ للتصالح مع الأمر الواقع.
تقول جوريا ساتو باجراتشاريا من منظمة غلوبال نيشن، في حوار مع بيبي أبروزّيني من شبكة فوروس:
“Young people have effectively leveraged tools such as social media by using them in ways that outpace traditional systems, and the pivotal role it played in uniting youth was evident in the recent protests in Nepal. Young people rallied their peers through memes, reels, and posts on various platforms, including TikTok, Instagram, and Discord, in the process of building a shared political language to articulate their grievances. Frustratingly, for established powers who lack the digital literacy their younger counterparts possess, it proved difficult to fully understand the scope of such a movement as it took shape in various corners of the internet, let alone penetrate or exert control over it,”
“لقد أحسن الشباب استغلال أدوات مثل وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدموها بطرق تتقدّم بخطوات على النُّظم التقليدية. وكان الدور المحوري الذي لعبته هذه الأدوات في توحيد الشباب واضحًا في الاحتجاجات الأخيرة في نيبال. فقد حشدوا أقرانهم عبر الميمز والمقاطع القصيرة والمنشورات على منصات مختلفة، من بينها تيك توك وإنستغرام وديسكورد، وفي السياق نفسه كانوا يبنون لغةً سياسيةً مشتركة للتعبير عن مطالبهم. والمؤسف بالنسبة إلى مراكز القوى الراسخة، التي تفتقر إلى الكفاءة الرقمية التي يتمتّع بها الجيل الأصغر، أنه كان من العسير عليها أن تستوعب بالكامل مدى هذا الحراك وهو يتشكّل في زوايا متفرّقة من الإنترنت، فضلًا عن اختراقه أو فرض السيطرة عليه”.
الشباب اليوم يطالبون بالشفافية، وبحكم يقوم على الاستحقاق والكفاءة، وبقرارات تُتَّخذ في العلن، لا في غرف مغلقة يغطيها الدخان.

في 8 سبتمبر/أيلول 2025، احتشد آلاف المتظاهرين الشباب، وكثير منهم يرتدون زيّ المدارس والجامعات، في وسط كاتماندو قرب نصب «مايتيغار ماندالا» ومجلس النواب الفيدرالي. صورة لسانجوغ ماناندهار/Analog Club Nepal، استخدمت الصورة بإذن.
تضيف باجراتشاريا:
“Despite its decentralised and leaderless nature, the movement was unified by the strong voice of young people, who shared common, clear priorities: an end to institutional corruption and to the politicization of public institutions. Young people, rooted in a sense of generational solidarity, are refusing to settle for the status quo, instead choosing to forge a future of their own. This has meant reinventing political life: for example, the Nepali Gen Z movement strongly emphasized transparency, with demands for decisions to be made openly and with public knowledge and consensus,”
“على الرغم من الطبيعة اللامركزية للحراك وافتقاره إلى قيادة هرمية واضحة، فقد وحّدته بقوّة أصواتُ الشباب الذين تقاسموا أولويات مشتركة وواضحة: إنهاء الفساد المؤسسي، ووقف تسييس المؤسسات العامة. الشباب، المنطلقون من إحساس عميق بالتضامن بين أبناء الجيل الواحد، يرفضون القبول بالأمر الواقع، ويختارون بدلًا من ذلك أن يصنعوا مستقبلهم بأنفسهم. وقد عنى ذلك، عمليًّا، إعادة ابتكار الحياة السياسية؛ فحراك جيل زد في نيبال، على سبيل المثال، أولى شفافية العمل السياسي أهمية قصوى، وطالب بأن تُتَّخذ القرارات في العلن، على مرأى من الجمهور وبموافقته.”
نيبال: الصور الساخرة التي أسقط الحكومة
في نيبال، بدأت الشرارة عندما حاولت الحكومة تشديد قبضتها على حرية التعبير وعلى الفضاء المدني، ثم، في خطوة أشدّ خطورةً، التحكّم في وسائل التواصل الاجتماعي وتقييدها. خلال ثلاثين ساعة فقط من أول نداء إلكتروني للتظاهر، كانت الحكومة المنتخبة قد سقطت، نتيجة تراكم آلاف الأفعال الصغيرة والمتناثرة.
تعلّق باجراتشاريا قائلة:
“The approach to politics has shifted, with a focus on knowledge- and merit-led governance rather than traditional power dynamics,”
“تبدّل أسلوب التعامل مع السياسة؛ إذ بات التركيز اليوم على حوكمة تقودها المعرفة والكفاءة، بدلًا من الديناميكيات التقليدية للسلطة.”
من قلب ذلك القدر الجميل من الفوضى تبلور مطلبٌ جديد بالجدارة والكفاءة. خلال الشهر الماضي، شهد وعي الشباب السياسي تحوّلًا عميقًا.
يدفع الشباب الآن باتجاه حوكمة قائمة على المعرفة والنزاهة. حتى بعد أن هدأت وتيرة الاحتجاجات، لم تتوقّف النقاشات. على تيك توك، وفي مجموعات فيسبوك، وفي المقاهي المحلية، يواصل الشباب النيباليون الجدل والنقاش حول ما يصفونه “تفويض جيل زد”، بينما تم الإعلان عن إجراء الانتخابات في مارس/آذار 2026.

في سبتمبر/أيلول 2025، فرضت الحكومة النيبالية حجبًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة واضحة لإسكات أصوات المعارضين وجهود مكافحة الفساد. تجمّع محتجّون من جيل زد في كاتماندو، نيبال، في 8 سبتمبر/أيلول، في تظاهرات حاشدة ضد الفساد. صورة لسانجوغ ماناندهار/Analog Club Nepal، استخدمت الصورة بإذن.
مثال على ذلك تعيين الناشط الرقمي المجتمعي ماهبير بون وزيرًا جديدًا للتربية والعلوم والتكنولوجيا؛ الحاصل على جائزة “رامون ماجسايساي” عام 2007 تقديرًا لجهوده في إيصال الإنترنت إلى المناطق الريفية في نيبال عبر “مشروع نيبال للشبكات اللاسلكية”. تقول باجراتشاريا:
“A government built on merit and comprising individuals with dependable credentials is, in the eyes of the youth, a government worth believing in, Movements like this have already begun reshaping political culture, influencing policy debates, and shifting public opinion.”
“في نظر الشباب، الحكومة القائمة على الاستحقاق، والمكوَّنة من أشخاص ذوي سجلات موثوقة، هي حكومة يمكن الإيمان بها فعلًا. حركات كهذه بدأت بالفعل في إعادة تشكيل الثقافة السياسية، والتأثير في النقاشات حول السياسات، وتحريك الرأي العام.”
كما يوثّق “النظام الأوروبي لتهيئة بيئة مواتية للمجتمع المدني” (EU SEE)، تكشف الأزمة التحويلية في نيبال عن تدهور أوسع في البيئة الحاضنة لعمل منظمات المجتمع المدني في المنطقة. برغم الحماية الدستورية، ما تزال منظمات المجتمع المدني في الهند تواجه المراقبة والمضايقات وتدقيقًا قانونيًّا متزايدًا. أما سريلانكا فما تزال في وضع هشّ منذ فرار الرئيس غوتابايا راجاباكسا من البلاد عام 2022. وفي بوتان المجاورة، تُكبَّل أنشطة المجتمع المدني بالبيروقراطية المفرِطة، ونقص الوصول إلى المعلومات، والتطبيق الانتقائي للقوانين المقيّدة. وفي باكستان، أدّت الإدانات الجماعية لأنصار أحزاب المعارضة إلى أثر مُجمِّد على المجتمع المدني. أما في ميانمار، فالوضع بالغ الخطورة؛ إذ أوقفت الطغمة العسكرية توزيع المنظمات غير الحكومية لأدوية أساسية لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية والملاريا والسل، في الوقت الذي تتزايد فيه قيود السفر والنقل مع تصاعد التوتّرات في المنطقة.
وبينما استقطب التحوّل السياسي في نيبال انتباهًا عالميًّا، كان شباب سريلانكا، في الجهة الأخرى من الإقليم، يشقّون طريقهم الخاص نحو نهضة ديمقراطية جديدة.
ليس جيل زد وحده
تتحدّث كاسومي رناسِنغه أراتشِّيغي، باحثة متعددة التخصّصات وناشطة وسفيرة لبرنامج “أصوات الشباب من أجل الحقوق الرقمية” من سريلانكا، من قلب لحظة قوية من الصحوة المدنية التي يقودها الشباب في بلدها.
لطالما امتلك الشباب في سريلانكا تاريخًا طويلًا من الحركات الطلابية وتنظيم المبادرات المجتمعية، لكن انتفاضة أراغالايا عام 2022 مثّلت منعطفًا تاريخيًّا: انتفاضة لامركزية، مدعومة رقميًّا، عابرة للفئات والهويات الاجتماعية، خرج فيها الآلاف لاحتلال الشوارع والساحات العامة مطالبين بالمحاسبة، وبإصلاح ديمقراطي، وبإنهاء الأزمة الاقتصادية.
بالنسبة إلى أراتشِّيغي، ما حدث كان يرتبط بالإقصاء وبالصراع من أجل البقاء. تشرح في حوار مع شبكة فوروس:
“it’s not just a Gen Z or it’s not a generation that is asking, it is literally the people who have been neglected, who have been prioritized less, who have not been given basic necessities… access to health, security, water and all the requirements for humans, for civilizations to continue.”
“الأمر لا يتعلّق بجيل زد وحده، ولا بجيل واحد فقط هو الذي يطرح هذه الأسئلة؛ إنهم حرفيًّا الناس الذين أُهمِلوا، والذين وُضِعوا في آخر الأولويات، والذين لم يحصلوا على أبسط مقوّمات الحياة… من الوصول إلى الرعاية الصحية، والأمان، والماء، وكل ما تحتاجه البشر، وتحتاجه الحضارات كي تستمر”.
خلفيتها في علم النفس وعلم النفس البيئي تشكّل الطريقة التي تفهم بها المحرّك العاطفي الذي يقف خلف حركات اليوم. تقول إن الشباب لا يتخيّلون الانهيار المناخي والاقتصادي كفكرة مجرّدة وبعيدة، بل يشعرون به وهو يقترب منهم:
“The younger generations are seeing the future, but not as a far-fetched destruction — a very limited and closely coming one.”
“لا ترى الأجيال الأصغر المستقبل كتهديد بعيد وغامض، بل كخطر محدود الأفق يقترب بسرعة.”
تضيف، هذا القرب الزمني هو السبب في أننا:
“we see a lot more younger generations, a lot more young people on the streets.”
” نرى اليوم أجيالًا أصغر سنًّا، ونرى معها أعدادًا أكبر من الشابات والشبان في الشوارع.”

تظاهرة شموع لمواطنين نيباليين تكريمًا لضحايا من جيل زد. صورة لسانجوغ ماناندهار/Analog Club Nepal، استخدمت الصورة بإذن.
أعادت حركة “أراغالايا” أيضًا تشكيل نظرة الناس إلى معنى الاحتجاج. انطلاقًا من تلك اللحظة، تتأمّل أراتشِّيغي قائلة:
“these movements were decentralized and that was their strength.”
“كانت هذه الحركات لامركزية، وكان هذا بالذات مصدر قوّتها”.
وفّرت الشبكات الرقمية قدرًا من الحماية والارتباط والانتشار، وأتاحت لأناس عاديين أن يدخلوا المجال السياسي كأفراد فاعلين فيه. وتتذكّر أراتشِّيغي كيف نشأت أشكال مختلفة من الدعم بصورة تلقائية وطبيعية، من المساندة القانونية إلى الإسناد الإبداعي والمجتمعي، وصولًا إلى الدعم النفسي والعاطفي. والأهم، كما تشير، أن الوصمة الاجتماعية التي كانت تلاحِق فكرة الاحتجاج بدأت تتبدّل.
ما تراه في سريلانكا يتردّد صداه في حركات شبابية عبر آسيا وأفريقيا:
“We are seeing pockets of protests everywhere.”
“نرى بؤر احتجاج في كل مكان”.
وتشدّد على أن جوهر المعركة، في كل هذه الحالات، لا يتعلّق بتسويقٍ هويّاتي لجيل معيّن بقدر ما يتعلّق بتغيير البُنى نفسها. تقول:
“It doesn’t necessarily mean it’s a certain generation,” she says. “It’s the request of systems change, asking for social justice, climate justice, and economic justice.”
“لا يعني ذلك بالضرورة أنه حراك يخصّ جيلًا بعينه؛ إنّه مطلب بتغيير الأنظمة، وبالعدالة الاجتماعية، والعدالة المناخية، والعدالة الاقتصادية”.
إن الأكثر تضرّرًا من الأزمات هم مَن يقودون اليوم معركة الدفاع عن المستقبل، وهم يرفضون أن يُختَزَلوا في مجرّد «شباب». إنهم مواطنون يطالبون بالكرامة، وبالقدرة على تقرير مصيرهم، وبعالم يمكن العيش فيه.
مدغشقر: حين تشعل اللامساواة والفساد الشارع
على بُعد آلاف الكيلومترات، تهتزّ دولة جزرية أخرى. في 25 سبتمبر/أيلول 2025، خرج طلاب في أنتاناناريفو، عاصمة مدغشقر، إلى الشوارع احتجاجًا على انقطاع الكهرباء ووقف إمدادات المياه. وسرعان ما امتدّت الاحتجاجات، التي غذّتها تدهور ظروف العيش واستفحال الفساد السياسي، كالنار في الهشيم عبر أقاليم البلاد: دييغو، توماسينا، توليارا، ماهاجانغا، فيانارانتسوا.
وبحسب تنبيهات مبادرة النظام الأوروبي لتهيئة بيئة مواتية لعمل المجتمع المدني، التي ترصد أوضاع البيئة الحاضنة للمجتمع المدني في أكثر من 86 دولة:
“Joined by nearly a thousand citizens, including many young people from the Generation-Z Madagascar movement, very active on social media, the demonstrators had planned to gather at Democracy Square in Ambohijatovo (a historic site in the capital and also the designated place for the protest). The security forces, however, blocked their advance and resorted to what were deemed disproportionate measures. Tear gas, rubber bullets, and even automatic rifle fire (AK-47 type) were reported,”.
“انضمّ إلى التحرّكات ما يقرب من ألف مواطن، من بينهم عدد كبير من الشباب المنتمين إلى حركة جيل زد مدغشقر الناشطة بقوّة على وسائل التواصل الاجتماعي. وكان المتظاهرون يخطّطون للتجمّع في ساحة الديمقراطية في أمبوهجاتوفو (موقع تاريخي في العاصمة ومكان للاحتجاج). غير أن قوات الأمن اعترضت طريقهم، ولجأت إلى ما اعتُبر تدابير مفرطة: أُطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، بل سُجِّل أيضًا استخدام بنادق آلية (من طراز AK-47).”

رغم القمع الشديد الذي مارسته قوات الأمن، تعهّد شباب جيل زد في مدغشقر بألّا يتراجعوا، ودعوا السكّان في جميع الأقاليم إلى الانضمام إليهم، مؤكدين أن «الشعب الملغاشي لا يرضخ». صورة من «المنصّة الوطنية لمنظّمات المجتمع المدني في مدغشقر» (PFNOSCM)، استخدمت الصورة بإذن.
قلّلت السلطات من شأن الاحتجاجات، ووصفتها بأنها مجرد «اضطرابات طلابية». لكن مع حلول المساء كانت الانتفاضات قد اندلعت في أنحاء البلاد.
يقول موراساتا أليمانا مارك، نائب رئيس المنصّة الوطنية لمنظمات المجتمع المدني في مدغشقر (PFNOSCM): “كنّا نستعيد كرامتنا”.
شهدت البلاد في 13 أكتوبر/تشرين الأول، وبعد أسابيع من المواجهات، فرارَ الرئيس وحلَّ مجلس النواب، وتعهّدت حكومةٌ عسكرية انتقالية ببداية جديدة، لكنّ تاريخ الأزمات المتكرّرة كان يلقي بظلاله الثقيلة. وتدور أزمات البلاد، كما يوضح إيريكو راندرياريمالالا، عضو المنصّة وعضو مرصد حقوق الإنسان في مدغشقر، في حلقة مفرغة تتكرّر أعوامها: 1972، 1990–1992، 2002، 2009، وها هي الآن 2025.
يقول في حوار مع شبكة فوروس:
“We have the right to speak out when our society is failing us. In Madagascar, our decision-makers are not respecting our basic rights — we are seeing growing restrictions on freedom of expression, and a lack of access to quality education, decent jobs, and policies that address our most fundamental needs. Today, people are even having to protest simply to secure access to water and electricity,”
“يحق لنا أن نرفع صوتنا عندما يخذلنا المجتمع الذي نعيش فيه. في مدغشقر، لا يحترم صانعو القرار حقوقنا الأساسية؛ فنحن نشهد تزايدًا في القيود المفروضة على حرية التعبير، وحرمانًا من التعليم الجيد، ومن الوظائف اللائقة، ومن السياسات التي تستجيب لاحتياجاتنا الأكثر جوهرية. اليوم، بات الناس مضطرّين إلى الاحتجاج لمجرّد تأمين حقهم في الماء والكهرباء”.

بدأ الشباب تظاهراتهم في العاصمة أنتاناناريفو وخمس مدن كبرى أخرى في مدغشقر في 25 سبتمبر/أيلول. صورة من «المنصّة الوطنية لمنظّمات المجتمع المدني في مدغشقر» (PFNOSCM)، استخدمت الصورة بإذن.
يقول إيريكو مضيفًا:
“Young people are not trusting a system that does not respond to their aspirations, marked by nepotism and corruption. All these phenomena have compounded the frustrations and anger of young people. They have shown their ‘ras de bol’ [feeling fed up] in response to social injustice,”
“لم يَعُد الشباب يثقون في نظامٍ لا يستجيب لتطلّعاتهم، ومطبوع بالمحسوبية والفساد. كل هذه الظواهر فاقمت إحباط الشباب وغضبهم. وقد عبّروا عن حالة “ras de bol” لديهم، أي شعورهم بالضيق والاشمئزاز التام، في مواجهة الظلم الاجتماعي”.
ويتابع:
“The youth movement has earned broad public support as everyone wants to see change. We need to listen, trust and co-create with the youth while being mindful of their autonomy.”
“حاز الحراك الشبابي تأييدًا واسعًا من الجمهور، لأن الجميع يريد أن يرى تغييرًا حقيقيًّا. علينا أن نصغي إلى الشباب، وأن نمنحهم ثقتنا، وأن نشاركهم في صناعة الحلول، مع احترام استقلاليتهم”.
تتكرّر التحديات التي يواجهها الناس في مدغشقر، حيث يكافح المواطنون في ظلّ عدم تكافؤ الوصول إلى الخدمات والحقوق الأساسية، في بلدان عدّة في آسيا أيضًا، حيث تغذّي مشاعر السخط من الإهمال البنيوي واللامساواة الاجتماعية حراكًا شعبيًّا تقوده القاعدة المجتمعية، وتزيد من حدّة المطالبة بالمحاسبة.
وغالبًا ما تندلع هذه التحركات بسبب حوادث “صغيرة” في ظاهرها، لكنها تكشف ما تحت السطح من ظلمٍ متجذّر في البُنى والنُّظم، كما برز بوضوح في تحالف «فوكا! من أجل العمل المدني» الأخير، الذي ركّز على مقاومة الفساد والاستبداد في آسيا، وعلى الدور المحوري للشباب في ذلك.

يتظاهر محتجّون في أنتاناناريفو، مدغشقر، بعدما أشعلت انقطاعات المياه والكهرباء موجة من الغضب الشعبي. صورة من «المنصّة الوطنية لمنظّمات المجتمع المدني في مدغشقر» (PFNOSCM)، استخدمت الصورة بإذن.
في إندونيسيا، اشتعل الغضب حين بدأ أعضاء مجلس النواب بعرض سياراتهم الفارهة ويصوّتون لأنفسهم على بدلات ضخمة، ثم تصاعدت الشرارة بعد مقتل سائقٍ برصاص الشرطة، فاندفع الطلاب، والعاملون في منصّات العمل بالطلب، والنقابات إلى التحرّك في أنحاء البلاد. وسرعان ما انفجر الغضب في الشوارع تحت وسم #IndonesiaGelap إندونيسيا في الظلام.
أما في بنغلاديش، أشعلت الاحتجاجاتُ على نظام حصصٍ وظيفية مخصَّصة للنُّخب شرارةَ إسقاطِ نظامٍ سلطويّ دام خمسة عشر عامًا. وفي الفلبين، أدّى كشفُ مشروعات بنيةٍ تحتيّة «وهميّة» إلى خروج تظاهراتٍ حاشدة. وفجّر هذا التطوّر موجةً لا يمكن إيقافها؛ إذ اعتقلت السلطات مئات الأشخاص، بينهم قُصَّر، استنادًا إلى قوانين تعود إلى زمن الديكتاتورية. وردَّ المعتقَلون على ذلك بتنظيم صفوفهم من خلف القضبان وتشكيل «تحالف مناهضة الفساد وعنف الشرطة» (ACAB). وعندما أُفرِج عنهم، فوجئوا بحلفاء لم يكونوا يتوقّعونهم في الخارج.
دروس عابرة للحدود
تمتدّ انتفاضة جيل زد، بطابعها العابر للأجيال، المتقاطع الفئات والهويّات، وتجلياتها المتعدّدة لفكرة “الشباب”، لتغدو ظاهرةً عالمية.
تقود فئات واسعة من الشباب في بيرو احتجاجاتٍ ضدّ إصلاحات نظام التقاعد، وتصطدم هذه التحرّكات بحكومة تزداد عداءً لأيّ معارضة. ويُسهم القانون رقم 32301، الذي يمنح السلطات صلاحيات شاملة على المنظمات غير الحكومية، في خنق أصوات النشطاء في اللحظة نفسها التي تتحوّل فيها الاحتجاجات إلى مواجهات دامية.
يقول كارلوس أرانا من الجمعية الوطنية للمراكز (ANC) في بيرو:
“Civil society’s protective role is shrinking as risks grow,”
“يتقلّص الدور الوقائي للمجتمع المدني كلما ازدادت المخاطر.”
ويواصل الفنانون والطلاب والعاملون في القطاع غير الرسمي النزول إلى الشوارع، مطالبين بأن تُسمَع أصواتهم وأن يتحقّق التغيير.

نظّم المتظاهرون مسيرة سلمية تكريمًا لمن فقدوا حياتهم في المظاهرات الأخيرة في بيرو، وأُعلِن لاحقًا عن إضراب وطني سلمي في جميع أقاليم البلاد في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. صورة من «الجمعية الوطنية للمراكز» (Asociación Nacional de Centros – ANC)، استخدمت الصورة بإذن.
تقول خوسيفينا هوامان، الأمينة التنفيذية لـ الجمعية الوطنية للمراكز (ANC)، والتي تتولّى أيضًا أمانة طاولة تنسيق الجمعيات الوطنية وشبكات المنظمات غير الحكومية في أمريكا اللاتينية والكاريبي:
“Young people, regardless of party affiliation or other generations, have consistently called citizens to take responsibility for protest. Their deep attachment to values of justice and equity allows them to intermittently emerge as catalysts for societal change,”
“يدعو الشباب، بغضّ النظر عن انتماءهم الحزبي أو الفارق بين الأجيال، المواطنين باستمرار إلى تحمّل مسؤوليتهم في الاحتجاج. ويسمح لهم تمسّكهم العميق بقيم العدالة والإنصاف بأن يبرزوا بين الحين والآخر كمحرّكاتٍ للتغيير المجتمعي.”
وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025، خرجت مجموعات مختلفة من جيل زد في مسيرات على امتداد الشوارع الرئيسية في ليما الكبرى، ونظّمت اعتصامًا أمام «قصر العدل» احتجاجًا على القمع العنيف للمظاهرات، الذي أودى بحياة عدد من الأشخاص.
وفي تلك اللحظة، أعلن ممثّل جيل زد ياكوف سولانو عن إضراب وطنيّ سلميّ، وتحرك جماهيري في 14 نوفمبر/تشرين الثاني، موجّهًا رسالة واضحة عبر مكبّر للصوت:
“Peru is a beautiful country with great potential; let’s not allow it to be tarnished by people who don’t know how to handle power. As a young person, I regret that [the National Police] are getting their hands dirty with innocents, under a government that is mistreating them. I know they have commanders who don’t know what they’re doing […] We are not their enemies, we are not seeking power, we are simply seeking a cleansing of our country.”
“البيرو بلدٌ جميل ذو إمكانات هائلة؛ فلن نسمح لأناسٍ لا يعرفون كيف يتعاملون مع السلطة بأن يلوّثوه. كشاب، يؤسفني أن [الشرطة الوطنية] تلطّخ أيديها بدماء الأبرياء، تحت حكومة تسيء معاملتهم. أعلم أن لديهم قادة لا يعرفون ما يفعلون […] نحن لسنا أعداءهم، ولا نسعى إلى السلطة، نحن ببساطة نطالب بتطهير بلدنا.”
وتتكرّر هذه الديناميات في مختلف أنحاء المنطقة، حيث يردّ الشباب، ومعهم شرائح أوسع من المجتمع المدني، على اللامساواة البنيوية والقمع الحكومي.

تقود عائلاتُ الذين قُتلوا في الاحتجاجات ضدّ حكومة دينا بولوارتِه مسيرةً في البيرو. صورة من «الجمعية الوطنية للمراكز» في بيرو، استخدمت الصورة بإذن.
شهدت باراغواي في سبتمبر/أيلول مسيرةً يقودها شباب من جيل زد احتجاجًا على الإفلات من العقاب، والفساد، وسوء استخدام الموارد العامة، فواجهتها السلطات بعنف. ورغم سلمية الفعالية، نشرت الشرطة نحو ثلاثة آلاف عنصر في عمليةٍ أمنية ضخمة، زعمت “الشرطة الوطنية” أنها تهدف إلى “مرافقة الشباب”.
وأظهرت بيانات النظام الأوروبي لتهيئة بيئة مواتية لعمل المجتمع المدني (EU SEE) أن المسيرة، التي جرى الترويج لها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، استقطبت ما بين 300 و400 مشارك من الشباب والراشدين معًا. ومنذ الساعات الأولى، أبلغ الحضور عن عمليات تفتيش بوليسية صارمة إلى حدٍّ مفرِط، وسجّلت قوات الأمن توقيف أربعة أشخاص. وكان المنظّمون قد أعلنوا مسبقًا أن المظاهرة سلمية، وغير مرتبطة بأيّ أحزاب سياسية أو منظمات غير حكومية، ولا تتلقّى أي تمويل، كما حذّروا من رسائل مضلِّلة على الإنترنت تحاول تشويه طبيعة الاحتجاج، مع قيام عناصر من الشرطة باختراق مجموعات واتساب وتلغرام وغيرها من المجموعات على منصّات التواصل.
ووصف ممثلو المجتمع المدني في “بوجواخو” (رابطة المنظمات غير الحكومية في باراغواي) في حديثهم مع شبكة فوروس وشبكة EU SEE ما حدث قائلين إن ما ميّز هذه الفعالية كان الانتشارَ الأمني المفرِط، والقمعَ العنيف للمحتجّين في نهاية اليوم، والعددَ الكبير من المعتقلين من دون مبرّر. وأشاروا أيضًا إلى سابقة جديدة تمثّلت في “الشرطة السيبرانية” على وسائل التواصل الاجتماعي التي مارستها السلطات قبل المظاهرة؛ إذ لم تكن التعبيرات الاحتجاجية السابقة، مثل تحرّكات مارس/آذار 2025، قد واجهت هذه الدرجة من القمع الأمني.
وتواصل حركاتٌ عدّة النزول إلى الشوارع، خصوصًا للاحتجاج على “القوانين المناهضة للمنظمات غير الحكومية”. وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقّع الرئيس سانتياغو بينيا المرسوم 4806، الذي نظّم وبهذا فعّل القانون 7363 الخاص “بالرقابة والشفافية والمساءلة على المنظمات غير الربحية”.
وأطلق المجتمع المدني على هذا التشريع اسم “القانون المناهض للمنظمات غير الحكومية” أو “قانون العصا الخانقة” (Ley Garrote)؛ إذ كان قد أُقرّ في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وبقي في انتظار صدور لائحته التنظيمية لأكثر من أحد عشر شهرًا. وتُخضِع هذه المنظومةُ القانونية منظماتِ المجتمع المدني لرقابةٍ تعسفية من الدولة، من دون توفير مسارات فعّالة للدفاع، ما يقوّض استقلاليتها ودورها في تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية والرفاه الاجتماعي. وتحذّر منظمات المجتمع المدني من سلطة تقديرية واسعة متضمَّنة في القانون تتيح استخدامه بشكل انتقائي ضد الفاعلين المنتقدين للدولة. وبالنسبة إليهم، يعمل هذا القانون أكثر كأداة مراقبة وتتبع من كونه آليةً للشفافية، ويمكن أن يُستخدم لإسكات أصوات المعارضة، خصوصًا تلك الأكثر انتقادًا للحكومة.
وفي مواجهة هذا القمع السريع، تتحرّك أيضًا الردود بالسرعة نفسها؛ إذ تنشئ الحركاتُ والشبكاتُ عبر الأقاليم فضاءاتٍ للحوار بين الأقران، وتطلق حملاتٍ للتوعية بالحقوق المدنية، وتدفع باتجاه ضغط دبلوماسي، وتبتكر مساحات جديدة لكشف التناقض الفجّ بين خطاب السلطة وممارساتها القمعية.

يظهر محتجّون من جيل زد يحملون العلم النيبالي في كاتماندو. صورة لسانجوغ ماناندهار/Analog Club Nepal، استخدمت الصورة بإذن.
نرى اليوم أن غضب جيل زد لا ينفجر في وجه القمع فقط؛ بل يمتدّ إلى المناخ، وإلى الفساد، واللامساواة، والظلم اليومي الذي يشكّل شقوق السخط العالمي الجديد.
ورغم اختلاف الحدود واللغات، بدأت هذه الحركات تتعلّم من بعضها البعض. يشارك ناشطون فلبينيون نظراءهم نموذج “محامي الشعب”، وتتبادل المجموعات الناشطة رقميًّا نصائح الحماية وأدوات التحقّق من المعلومات. ما يبدو من بعيد حالة فوضى، هو في حقيقة الأمر، عن قرب، شبكة متنامية من الاستراتيجيات المشتركة. تُبنى الجسور في اللحظة نفسها التي يتحرّك فيها الجميع. والمفارقة أن “آلة القمع” ذاتها تلد منظومةً مضادّةً من التنسيق والتضامن.
كُتِب هذا المقال بقلم بيبي أبروزّيني وكلاريس سيه من شبكة فوروس، بدعمٍ من أعضاء فوروس وشبكة EU SEE، وكذلك مجموعة برنامج أصوات الشباب من أجل الحقوق الرقمية.






