المقاومة بالشّفاء: حلم الناشطين في تعزيز الوعي بالصحة النفسية في ميانمارا

لقطة شاشة من قناة يوتيوب سايت.

مركز إكسايل، أحد شركاء منظمة جلوبال فويسز في جنوب شرق آسيا، تأسس في ردّ الانقلاب العسكريّ في ميانمار عام 2021، يهتم هذا المركز بتمكين الصّحفيّين والمدافعين عن حقوق الإنسان. تمّ إعادة نشر هذا المقال المحرّر في إطار اتّفاقيّة شراكة المحتوى.

عند التفكير بحركات المقاومة في ميانمار، تخطر للأذهان العديد من الصور الّتي تُظهر شبانًا في الطّرقات، مجموعات مسلّحة في الغابات، وأصواتًا تعلو في الاحتجاجات. ولكن، يمكن للمقاومة أن تكون هادئةً، فهي تحيا بالشفاء، الاهتمام بالآخرين، وخلق مساحات للصمود. هذه التّصرّفات اليوميّة الشّجاعة هي تصرّفات ثوريّة.

لوكاس، أحد الأشخاص الّذين يعزّزون مفهوم المقاومة بالشّفاء قائلًا: “الشّفاء يحمينا من أن نعادي بعضنا البعض، ومن أن يسوقنا الخوف، وبدلًا من ذلك، يبني لنا قوّة تستمرّ، حتّى عندما يبدو العالم أنّه يتهاوى”

الحياة قبل الانقلاب

لوكاس، أصغر أشقائه الخمسة، وُلد وترعرع في ماندالاي – ميانمار، درس علم الأحياء الدّقيقة في جامعة يادانابون قبل أن يتولّى إدارة عمل العائلة في إنتاج المطّاط. كان يحلم في تمثيل بلاده ميانمار كلاعب تنس، قائلًا: “أذكر مشاهدتي للألعاب الأولمبيّة مع والدي في أحد المقاهي، ورأيت الفائز بالميدالية الذّهبية يبكي وهو على منصّة التّتويج. أردت أن أعيش نفس شعور الفخر يومًا ما”.

سنوات من التّدريب المنضبط انتهت بخيبة أمل عندما قضى الفساد الممنهج والمحسوبيّة على أحلامه، ليعلّمه ذلك أوّل درس له في الصّمود وإيجاد طرق أخرى لمواصلة التّحدّي.

تبعات الانقلاب

أطلق الانقلاب في فبراير/شباط 2021 في ميانمار تأثير حجر الدّومينو، مدمرًا أمامه كلّ ما كان مألوفًا، فانهار الاقتصاد، ممّا دفعه لهجر عمله الّذي كان قد كرّس له كل جهده. وعلاوةً على ذلك، جاءت الخسارات الشّخصيّة، وفاة والدته متبوعًا بخطط أبيه للزواج مرّة ثانية، ممّا جعل لوكاس غير مرتبطٍ بأيّ جذور كانت تبقيه في ماندالاي.

بحلول عام 2022، اتّخذ لوكاس القرار الؤلم، ترك ميانمار حاملًا في قلبه الأمل والحسرة. قال بهدوء: “انتقلت من إدارة عملي الخاص إلى العمل اليدويّ في بلاد لم أتحدّث لغتها حتى، كانت تجربة متواضعة، ولكنها كانت تعطي إحساسًا كبيرًا بالوحدة”.

أوصلَتْه تلك الوحدة إلى  شعور عميق من الضّيق النّفسيّ، لكنّه أيضًا أشعل شرارة فكرة جديدة.

ولادة قناة يوتيوب سايت

Saite

قناة سايت مكرّسة للوعي بالصّحّة النّفسيّة لقطة شاشة من يوتيوب

تخيّل العديد من الشّباب في المنفى، بمن فيهم لوكاس، مغادرة ميانمار كبداية جديدة، لكنّ الواقع أظهر لهم ظلال النّدم، الوحدة، وثقل البعد عن الوطن. وفي خضمّ هذه المعاناة، فتح لوكاس قلبه لصديق درس علم النّفس. لاحظوا سويّةً فجوة حرجة، وهي أنّ مجتمعات ميانمار كانت تفتقر بشدّة إلى موارد الصّحّة النّفسيّة، وبقيت لديهم وصمة العار قويّةً جدًا.

من ضوء تلك الفكرة، وُلدت قناة سايت. انطلقت في أكتوبر/تشرين الأوّل عام 2022، وتضمّ الآن ما يقارب 9000 مشارك، وهي مكرّسة للوعي بالصّحّة النّفسيّة للّذين يواجهون الصّراعات النّفسيّة. تدعم الشّباب في رحلتهم نحو الصّحّة النّفسيّة، تقدّم استراتيجيّات عمليّة للتّأقلم، وتغذّي الصّمود الّذي يقوّي ثورتهم. حيث يقول لوكاس: “شعارنا كان دائمًا أن نعمل بما نملك بين يدينا، وألّا نركّز على ما ينقصنا.”

دون حاسب محمول، قام لوكاس بإنشاء أول فيديوهات الرّسوم المتحرّكة لقناة سايت كليًا باستخدام الهاتف المحمول، وهذا دليل على روح القناة: اعمل بما تملك بين يديك.

نظرة نحو المستقبل: الشّفاء قوّة

تُظهر لنا رحلة لوكاس أنّ المقاومة ليست بالضّرورة أن تكون صاخبة، يمكنها أن تكون هادئة، متواصلة، وإنسانيّة بشكل أساسيّ. من خلال سايت، حوّل معاناته إلى مساحة للآخرين ليجدون الإرشاد، الأدوات، والأمل.

يتوفّر الدعم للّذين يواجهون تحدّيات مشابهة. مركز إكسايل يقدّم خدمات الدّعم الصّحّيّ النّفسيّ والاجتماعيّ، وتُوصِل الأفراد مع خبراء متمرّنين يستطيعون الاستماع، الإرشاد، وتقديم الرّعاية.

في النّهاية، يذكّرنا لوكاس أنّ الشّفاء هو جزء من المقاومة: “الشّفاء يحمينا من أن نعادي بعضنا… وهو يبني لنا قوّة تستمرّ وتتحمّل حتّى عندما يبدو لك العالم أنّه يتهاوى.” بالاهتمام ببعضنا البعض، يمكننا أن نبني الصّمود الّذي يحافظ على مجتمعاتنا، وفي النّهاية، الثّورة نفسها.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.