
باقات من الزهور قرب مجمّع وانغ فوك كورت في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عقب الحريق المميت. صورة بعدسة كايل لام/HKFP، نُشرت بإذن.
اندلع الحريق المروّع في منطقة “تاي بو” يوم السادس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، وأسفر عن مصرع ما لا يقلّ عن 156 شخصًا وإصابة 79 آخرين، فيما لا يزال نحو 30 شخصًا في عداد المفقودين حتى الثاني من ديسمبر/كانون الأول.
غرقت المدينة، يوم الأربعاء الماضي، في صدمة وحالة من العجز واليأس، فيما تابع السكان عبر منصات التواصل الاجتماعي ألسنة اللهب وهي تلتهم المجمع السكني الذي يضم أكثر من 1800 أسرة خلال أقل من ساعة. لكن ما تكشّف لاحقًا عمّق مشاعر الإحباط وأجّج موجة الغضب، بعد أن بات واضحًا أن ما حدث لم يكن كارثة طبيعية، بل مأساة من صنع الإنسان.
رغم ذلك، تُصرّ السلطات على تحميل سقالات الخيزران مسؤولية ما جرى، وتتحرّك في الوقت نفسه لقمع الأصوات المطالِبة بتحقيق مستقل يكشف ملابسات الحريق. في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، أُوقف طالب جامعي بتهمة التحريض، على خلفية إطلاقه عريضة تطالب بمحاسبة المسؤولين الحكوميين عن التقصير الذي أدى إلى هذه الفاجعة.
34 ساعة من الجحيم
في عصر يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني، تلقيت اتصالًا من شقيقتي تطلب مساعدتي في العثور على خالي، الذي يقطن في واحدة من بين 1829 شقّة داخل مجمّع “وانغ فوك كورت”، حيث اندلع الحريق الكارثي. لحسن الحظ، لم يكن هو وعائلته في المنزل، حيث تقع شقّته في المبنى الوحيد، من بين ثمانية مبانٍ داخل المجمع، الذي نجا من ألسنة اللهب.
عندما وصلت إليه، كان يقف على مسافة، عاجزًا، يراقب الحريق ويتمتم بالدعاء أن يتمكّن جيرانه من النجاة، وأن تُسيطر فرق الإطفاء على النيران سريعًا. لكن الأبراج السكنية، المؤلّفة من 31 طابقًا، كانت شاهقة إلى حدّ حال دون وصول مدافع المياه إلى الطوابق العلوية، في حين جعلت الحرارة الشديدة من المستحيل تقريبًا على رجال الإطفاء صعود الدرج. أسفر الحريق عن مقتل رجل إطفاء وإصابة 12 آخرين أثناء محاولات الإنقاذ.
عبر منصّات التواصل الاجتماعي، كانت التغطية حيّة ومباشرة؛ أفراد ووسائل إعلام نقلوا المشهد لحظة بلحظة. ومثلي مثل كثيرين، وقفت مذهولةً أتابع كيف تحوّلت شرارة صغيرة، اندلعت في الطابق السفلي عند الساعة 14:51، إلى جحيم مشتعل في دقائق معدودة، زاحفًا على شبكة الأمان البلاستيكية الخضراء نحو الطوابق العليا. ثمّ حملت الرياح قطع البلاستيك المشتعل والرماد إلى المباني المجاورة.
في غضون عشر دقائق، رُفع تصنيف الحريق إلى المستوى الثالث؛ وبعد أربعين دقيقة، إلى المستوى الرابع؛ وبحلول الساعة 18:22، بلغ المستوى الخامس؛ وهو أعلى مستوى في تصنيف الكوارث. وكان آخر حريق من هذا التصنيف قد وقع عام 1996، وأودى بحياة 41 شخصًا.
بسبب سرعة انتشار النيران، لم يكن كثير من السكان داخل الأبنية على دراية بما يجري. ويُذكر أن أجهزة الإنذار لم تعمل، فيما حُجبت العديد من النوافذ بألواح عزل بلاستيكية وضعتها فرق البناء لأغراض الترميم. بحلول اللحظة التي أدرك فيها السكان خطورة الوضع، كان الهروب قد بات متأخرًا، ما اضطرهم إلى محاولة إغلاق المنافذ لمنع تسلّل الدخان، لكسب بعض الوقت ريثما تصل فرق الإنقاذ. لكن غالبية المحاصَرين كانوا من كبار السن المتقاعدين أو من الأطفال الذين لم يلتحقوا بالمدارس بعد، وهؤلاء بطبيعتهم يفتقرون إلى مهارات النجاة الذاتية. ولعلّ ما زاد من المأساة أن السيطرة على الحريق تطلّبت 15 ساعة، بينما استغرق إخماده بالكامل 43 ساعة.
في الخارج، كان أفراد العائلات والأصدقاء ينتظرون بقلق وعجز قرب موقع الحريق، يتشبّثون بالأمل، فيما لا حيلة لهم لإنقاذ أحبّتهم المحاصرين.
كارثة من صنع الإنسان
بينما كنت أتابع مستجدات الحريق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عادت إلى الواجهة فضائح تتعلق بمشروع ترميم مجمّع “وانغ فوك كورت”. كحال معظم أبناء هونغ كونغ، أعتقد أن ما جرى لم يكن نتيجة قضاء وقدر، بل كارثة من صنع الإنسان.
وفقًا لبرنامج الفحص الإلزامي للمباني المعتمد منذ عام 2012، يُلزم مالكو المباني التي تجاوز عمرها 30 عامًا بتعيين مفتش مسجّل (RI) يتولى فحص البنية الإنشائية، والإشراف على أعمال الصيانة، وتحديد ما يلزم من إصلاحات. وبعد موافقة المُلّاك، يجب تعيين مقاول من خلال مناقصة مفتوحة، على أن تنفَّذ الأعمال تحت إشراف المفتش ذاته. كما يُعاد فحص المباني المرمّمة كل عشر سنوات.
وبما أن مجمّع “وانغ فوك كورت” قد شُيّد عام 1983، فقد تلقّى في عام 2016 أمرًا بإجراء فحص إلزامي من قبل دائرة المباني. وعيّن مجلس المُلّاك (IO) مكتب “ويل باور آركيتكتس” كمفتش مُعتمد. وأثناء عملية المناقصة، استقبل المجلس 57 عرضًا، لكن العطاء الذي رسا عليه الاختيار في النهاية كان الأعلى تكلفةً، بقيمة 330 مليون دولار هونغ كونغي (نحو 42.4 مليون دولار أمريكي)، مقدّمًا من شركة “بريستيج للإنشاءات والهندسة”، التي تملك سجلًا حافلًا بمخالفات تتعلق بسلامة العمال والمواقع.
رغم اعتراض بعض المُلّاك، نجح المجلس في الحصول على أغلبية الأصوات لتعيين شركة “بريستيج” في يناير/كانون الثاني 2024. ولم يدرك المالكون أنهم وقعوا ضحية تضليل من قبل المجلس والمفتش إلا بعد مطالبتهم بدفع حصصهم المالية من المشروع. حينها، بدأوا في رفع الصوت، مطالبين بكشف ما وصفوه بفضيحة تلاعب في المناقصات أمام وسائل الإعلام. لكن الجهات الحكومية لم تتخذ أي إجراء يُذكر، وفشلت مساعي المالكون في إلغاء القرار.
منذ انطلاق أعمال البناء في يوليو/تموز 2024، تقدّم السكان بعدد كبير من الشكاوى إلى جهات حكومية مختلفة، عبّروا فيها عن مخاوفهم من مدى قدرة شبكة الأمان البلاستيكية على مقاومة اللهب. وعلى الرغم من أن إدارة العمل زارت الموقع 16 مرة خلال 18 شهرًا، وأصدرت ستة إنذارات وثلاث مخالفات تتعلق بالسلامة المهنية ضد المقاول، فإنها لم تُجرِ أي فحص إضافي يخص جودة الشبكة، مكتفيةً بشهادة قدّمتها الشركة تفيد بأنها مقاومة للاشتعال. كما لم تُرصد أي جهة حكومية استخدام ألواح عزل شديدة الاشتعال في أعمال الترميم.
وفقط بعد وقوع الحريق المميت، شكّلت هيئة مكافحة الفساد في المدينة فريقًا للتحقيق في شبهة تلاعب بالمناقصات، واعتقلت حتى الآن نحو 12 شخصًا من العاملين لدى مكتب المفتش والشركة المنفّذة، للاشتباه بتورّطهم في القتل غير المتعمد وجرائم أخرى.
لا تلقوا باللوم على سقالات الخيزران
فور وقوع الحريق، سارعت وسائل الإعلام الدولية والحكومة في هونغ كونغ إلى تحميل سقالات الخيزران مسؤولية انتشار النيران، داعيةً إلى استبدالها بسقالات معدنية. مع أنني لا أدافع عن استخدام سقالات الخيزران، أرى أن هذا الخطاب يُضلّل الرأي العام، ويُوحي بأن ما حدث كان نتيجة ممارسة “قديمة” وبالية، بينما هو في جوهره نتيجة مباشرة لأكثر من عقد من الفساد المُمنهج في إطار برنامج الفحص الإلزامي للمباني، وغياب الرقابة الفعالة على أعمال الإصلاح، وتراخي الجهات الحكومية في التعامل مع شكاوى المواطنين.
في عام 2024، تجاوز عدد المباني الخاصة التي يزيد عمرها عن 30 عامًا 27 ألف مبنى، وهو رقم مرشّح للارتفاع، ما يعني أنّ قطاع ترميم المباني سيشهد توسّعًا هائلًا، وأن الأموال المتداولة فيه ستنمو بوتيرة متسارعة.
في السابق، كان ثمة نوع من الرقابة غير الرسمية على هذا القطاع، قبل أن تُعيد بكين صياغة القواعد الانتخابية عام 2021، لإقصاء المشرّعين وأعضاء المجالس المحليّة المؤيدين للديمقراطية. آنذاك، كانت الأحزاب السياسية القريبة من الشارع تتولّى مراقبة المناقصات، وتُساعد المواطنين على تقديم شكاواهم للجهات المعنية، وتتعاون مع وسائل الإعلام لكشف تضارب المصالح والانحرافات في الممارسات الصناعية. لكن بعد القضاء الكامل على المعارضة في 2023، فَقَد المواطنون من ذوي الدخل المحدود قناةً مهمّة لإيصال أصواتهم.
في حالة “وانغ فوك كورت”، لم تقتصر المأساة على التكلفة الباهظة التي بلغت حوالي 180 ألف دولار هونغ كونغي (نحو 23 ألف دولار أمريكي) لكل أسرة، بل شملت أيضًا بطء تنفيذ المشروع، وبقاء الشقق مغطاة بشبكة أمان بلاستيكية خضراء طيلة 18 شهرًا، مع نوافذ مغلقة بألواح عازلة شديدة الاشتعال حتى لحظة اندلاع الحريق. ورغم إدراك السكان لمخاطر السلامة، ومحاولاتهم المتكررة جذب الانتباه إلى أوضاعهم، قوبلت صرخاتهم بالتجاهل.
ما جرى في “وانغ فوك كورت” ليس استثناءً. فقد ظهرت ممارسات مماثلة في مشروع ترميم مجمّع “سوي وو كورت” في منطقة “فوتان”، والذي بلغت تكلفته 370 مليون دولار هونغ كونغي. وعلى مدى أكثر من عامين، تقدّم المبلّغون عن المخالفات بشكاوى عدّة إلى جهات رسمية بشأن استخدام شبكات بلاستيكية قابلة للاشتعال وألواح رغوية خطرة من قبل شركة “فولام للإنشاءات”. لكن تلك التحذيرات لم تلقَ استجابة. ولم تُعلّق أعمال الإصلاح إلا بعد حريق “تاي بو”، وتحقيق أجرته محطة تلفزيونية محلية عقب انتشار مقطع مصوَّر يُظهر سهولة اشتعال الشبكة في “سوي وو كورت”. عندها فقط، أوقفت دائرة المباني مشاريع الترميم في 30 موقعًا تنفّذها شركتا “بريستيج” و”فولام”.
أعيش في منطقة سكنية قديمة، تحيط بها مبانٍ تخضع حاليًا للإصلاح ضمن برنامج الفحص الإلزامي. في العام المقبل، ستُغطّى شقتي أيضًا بشبكة الأمان الخضراء لأشهر عدّة. لقد أصابني الذعر عندما صرّح وزير الأمن في المدينة، “كريس تانغ”، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، بأن شبكة الأمان في “وانغ فوك كورت” مطابقة لمعايير مقاومة اللهب، في الوقت الذي شاهد فيه العالم بأسره ألسنة اللهب تتسلق الأبراج عبر تلك الشبكة. وإن كانت هذه الشبكة “مطابقة للمعايير”، فهذا يعني أن الغالبية الساحقة من سكان هونغ كونغ محاطون بالخطر ذاته، دون وسيلة قانونية لمنع استخدام هذه المواد. وكما كتب النائب مايكل تين على صفحته في فيسبوك:
“If that is our standard, we need to raise it.”
وفي الأول من ديسمبر/كانون الأول، اعترف “تانغ” بأن العينات التي جُمعت خضعت للتلاعب من قبل المقاول.
لقد بات جليًّا أن سقالات الخيزران لم تكن السبب في انتشار الحريق، وأن استبدالها لن يُنهي التلاعب بالمناقصات أو الفساد في القطاع. بل يخشى كثيرون أن يؤدي الاعتماد الحصري على السقالات المعدنية إلى نتائج عكسية، نظرًا لأن هذا الخيار يُقصي شركات الإنشاء الصغيرة التي تُقدّم حلولًا منخفضة التكلفة للطبقة المتوسطة. فالسقالات المعدنية تتطلّب استثمارات رأسمالية أكبر، ومساحات تخزين، وآلات رفع، وبنية لوجستية معقّدة، ما قد يُخرج فاعلين اقتصاديين صغارًا من السوق، ويزيد من الاحتكار والتكلفة على الأسر.
قمع الدعوات إلى تحقيق مستقل
ما نحتاج إليه حقًا هو فتح تحقيق مستقل في سلسلة الممارسات غير السليمة التي تحيط بعمليات التلاعب في المناقصات ضمن برنامج الفحص الإلزامي للمباني، وفي إخفاق منظومة الرقابة الحالية، وتخاذل الجهات الحكومية في التعامل مع شكاوى السكان، فضلًا عن آليات اعتماد مواد البناء وفحص جودتها.
لكن بدلًا من الاستجابة لتلك الدعوات، قامت شرطة الأمن في المدينة، في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، باعتقال طالب جامعي كان قد أطلق عريضة مشتركة تتضمّن أربعة مطالب رئيسية: تقديم دعم مستمر لضحايا الحريق، فتح تحقيق مستقل بشأن أسبابه، مراجعة منظومة الرقابة على أعمال الإصلاح، ومحاسبة المسؤولين الحكوميين المقصّرين. وقد وُضع رهن الاعتقال بشبهة “التحريض”.
في الوقت نفسه، تم سحب التقارير الاستقصائية التي نشرتها صحيفة تا كونغ باو، المموّلة من الدولة الصينية، والتي كانت قد سلّطت الضوء على شبهة التلاعب في المناقصات. وبدلًا من ذلك، بدأت وسائل الإعلام الموالية لبكين بنشر مقالات رأي تتّهم “قوى معادية للصين” بنشر الشائعات، وتمزيق النسيج الاجتماعي، واستغلال الكارثة لإثارة الفوضى.
لا جدال في أنّ حكومة هونغ كونغ قد أبدت فاعليةً في التعامل مع الجانب الإغاثي للأزمة: حيث ساعدت الضحايا في إيجاد مساكن مؤقتة، وقدّمت إعانات نقدية عاجلة، وأطلقت صندوق تبرعات جمع حتى الأول من ديسمبر/كانون الأول نحو 1.6 مليار دولار هونغ كونغي (ما يعادل قرابة 205.5 ملايين دولار أمريكي) لتلبية الاحتياجات المستقبلية للمتضرّرين.
لكنّ المال وحده لا يمنع الكوارث القادمة. ما نحتاجه هو حكومة أكثر مساءلةً، قادرة على مراجعة أدائها، وعلى الاستماع الجاد إلى أصوات مواطنيها قبل أن تتحوّل التحذيرات إلى مآسٍ.







