
الشرطة تُفرق مُظاهرة مؤيدة للاتحاد الأوروبي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. بعدسة مريم نيكورادزه/أو سي ميديا. مستخدمة بتصريح.
نُشر هذا المقال بالأصل في “أُو سي ميديا” بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. ويُعاد نشر نسخة منقحة منه على موقع “جلوبال فويسز” بموجب اتفاقية شراكة في المحتوى.
ليست جورجيا غريبة على الاحتجاجات، ولكن العام الماضي شهد فترة غير مسبوقة من الحشد المتواصل. احتج الآلاف يوميًا دفاعًا عن تطلعات جورجيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (EU) ومعارضة سياسات حزب “الحلم الجورجي” المتزايدة المناهضة للغرب، على خلفية انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2024 المتنازع عليها، والتي أعادت الحزب الحاكم إلى السلطة.
على الرغم من تراجع أعدادهم تدريجيًا، فقد ملأت الحشود مرارًا شارع روستافيلي، الذي يمتد لمسافة 1.5 كيلومتر من “ميدان الحرية” ، وفي الذكرى السنوية الأولى لهذه الحركة، نستعرض أهم التطورات…
نوفمبر / تشرين الثاني 2024
اندلعت احتجاجات حاشدة بعد أن أعلن رئيس الوزراء إيراكلي كوباخيدزه تعليق عملية اندماج جورجيا في الاتحاد الأوروبي. احتشد الآلاف في “شارع روستافيلي”، لتتصدى لهم على الفور شرطة مكافحة الشغب باستخدام خراطيم المياه، والغاز المسيل للدموع، ورذاذ الفلفل. قاوم المحتجون بالألعاب النارية، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات ليلية متواصلة استمرت أسبوعين.
كان عنف الشرطة شديداً منذ البداية. فقد اعتدى الضباط على الصحفيين، وصادروا معداتهم، ونفذوا اعتقالات عنيفة. أُصيب العشرات من العاملين في المجال الإعلامي، بمن فيهم الصحفي غورام روغافا، الذي تعرّض لإصابات خطيرة تهدد حياته خلال بث مباشر.
ديسمبر / كانون الأول 2024
اعتُقل أكثر من 450 متظاهرًا خلال الأسبوعين الأولين وحدهما، وأفادت منظمات المجتمع المدني بانتشار واسع لممارسات الشرطة الوحشية. وقد تكيّف المتظاهرون باستخدام معدات واقية وتعطيل قنابل الغاز المسيل للدموع، بينما صعّدت الشرطة من ردّها بنشر كميات هائلة من الغاز، ثم بتنفيذ اعتقالات عشوائية.
كادت مريم نيكورادزه، المؤسِّسة المشاركة لمنظمة “أو سي ميديا”، أن تُعتقَل، كما دُمِّرت كاميرتها الثانية. ورفعت السلطات كذلك الغرامات المفروضة على إغلاق الطرقات إلى عشرة أضعاف، ما جعل المشاركة في الاحتجاجات مكلفة ماليًا.
زُيّن “شارع روستافيلي” بمناسبة عيد الميلاد، لكن المتظاهرون أعادوا استخدام هذه التجهيزات باستمرار، بوضع لافتات وصور لمعتقلين تعرضوا للتعذيب. في النهاية، أُضيئت شجرة عيد الميلاد دون احتفال بسبب الاضطرابات.
يناير/ كانون الثاني 2025
احتفل المتظاهرون بالسنة الجديدة بوليمة عامة في شارع روستافيلي. انخفض تشتيت المتظاهرين على نطاق واسع من قِبل شرطة مكافحة الشغب بعدما حظرت الحكومة الألعاب النارية، وأقنعة الوجه، وأشعة الليزر، وأصبح المتظاهرون أكثر سِلمية. نمت المسيرات الموضوعية، والتي شملت الاحتجاج ضد الانحياز القضائي. في إحدى هذه الفعاليات، تم مواجهة القضاة وقذفهم بالبيض.
اعتُقلت مؤسسة وسائل الإعلام مْزِيَا أماغلوبِلي في باتومي، مما أثار مسيرات تضامنية. تشكلت مسيرات عصيان صغيرة في تبليسي، وتضمن بعض المشاركين الذين ارتدوا عمداً أقنعة الوجه المحظورة. شهد إضراب عام استمر ثلاث ساعات مشاركة كبيرة من مختلف القطاعات.
أقام ممثلو المسرح عروضاً متنقلة لدعم الممثل المعتقل أندرو تشيتشينادزى. في غضون ذلك، علق مجلس الاتحاد الأوروبي السفر بدون تأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية الجورجية، وجمدت الحكومة مشاركتها في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (PACE) بعدما طالبت بانتخابات جديدة.
فبراير/ شباط 2025
حاول المتظاهرون إغلاق مخرج رئيسي لتبليسي — الذي يعد الآن جريمة جنائية — مما أدى إلى انتشار مكثف للشرطة تسبب بدوره في شلل مروري تام. اُعتُقل العديد من قادة المعارضة.
أنشأ حزب “الحلم الجورجي” لجنة كان هدفها معاقبة حزب “الحركة الوطنية المتحدة” الحاكم السابق، لكن تفويضها توسع ليستهدف معظم مجموعات المعارضة. طالبت المزيد من المسيرات بانتخابات مبكرة.
مارس/ آذار 2025
سار المتظاهرون بشكلٍ يومي من مقر هيئة الإذاعة العامة الجورجية إلى مجلس النواب لإدانة التغطية الإعلامية المتحيزة وحالات الفصل ذات الدوافع السياسية. قرع المتظاهرون الطبول، واستخدموا مكبرات الصوت، وتلوا أسماء المحتجين المسجونين.
برزت جبهة احتجاجية أخرى ضد اللجنة البرلمانية المناهضة للمعارضة، خاصة بعدما زعمت عضوة مجلس النواب تيا تسولكياني أن البطل القومي جيورجي أنتسوخيليدزه قد “ضُحِّي به من أجل طموحات شخص ما“، في إشارة إلى الرئيس السابق ساكاشفيلي.
في غضون ذلك، أقر حزب “الحلم الجورجي” تشريعات جديدة، من ضمنها ما يُسمى بالصيغة الجورجية لقانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) في الولايات المتحدة، ليحل محل قانون “الوكلاء الأجانب” المثير للجدل. كما حظرت التعديلات على محطات البث تلقي أي تمويل أجنبي. وقد أُقرت جميع القوانين بالإجماع في غياب نواب المعارضة.
إبريل/ نيسان 2025
أحيا المحتجون الذكرى السادسة والثلاثين لعملية القمع السوفيتية في 9 نيسان/أبريل 1989، بالتخييم في شارع روستافيلي بهدف مواجهة المسؤولين الحكوميين الذين حضروا الفعالية التذكارية. استغل حزب “الحلم الجورجي” هذه الذكرى لمهاجمة منتقديه، فشبه المتظاهرين المعاصرين بالجنود السوفييت، بينما تجنب أي ذكر لروسيا. أزالت وكالة مراقبة الحيوانات التابعة لبلدية تبليسي “كلاب الاحتجاج” مرارًا، ولم يُعثر على بعضها إطلاقًا.
في منتصف أبريل/ نيسان، فرضت الحكومة قيودًا على المنح الأجنبية الموجهة لكل من المجتمع المدني ووسائل الإعلام، كما حدّت من التبرعات السياسية. واحتفل المحتجون بعيد الفصح معاً خارج كاتدرائية كاشفيتي.
داهمت الشرطة منازل منظمي صندوق دعم الاحتجاج، مما زاد الضغط على المتظاهرين المثقلين بالفعل بالغرامات المالية الباهظة. وبدأ الكثيرون في البحث عن طرق لتجنب التعرف على هويتهم بواسطة أنظمة التعرف على الوجه المعتمدة على الذكاء الاصطناعي (AI).
مايو/ أيار 2025

المُحتجون يعلقون أعلام الاتحاد الأوروبي وجورجيا جنباً الي جنب، فوق جِسر. بعدسة مريم نيكورادزه/أو سي ميديا. مستخدمة بتصريح.
في عيد العمال، أعرب المحتجون في تبليسي عن تضامنهم مع عمال المناجم المضربين عن العمل في شياتورا، في حين استمر الاحتجاج الرئيسي في شارع روستافيلي رغم البرد والأمطار. أصبحت المسيرات الكبيرة التي تحمل الأعلام الجورجية وأعلام الاتحاد الأوروبي أكثر شيوعًا. وواصل المتظاهرون احتجاجاتهم داخل المترو قبل العودة إلى مجلس النواب، الذي أخذوا يصفونه “الوطن”.
سار الناس في يوم أوروبا، وعقدوا فعاليات موازية ليوم الاستقلال في 26 مايو/أيار، حيث ألقت الرئيسة سالومي زورابيشفيلي وعضوة البرلمان الأوروبي الليتوانية (MEP) راسا يوكنيفيتشيني كلمات. وفي أواخر الشهر، اُحتُجز قادة المعارضة لعدم حضورهم لجنة التحقيق التابعة لحزب “الحلم الجورجي”.
يونيو/ حزيران 2025
سافرت أمهات المحتجين المسجونين في جميع أنحاء جورجيا، حيث التقين بالسكان ووزعن صحفًا تتضمن رسائل من المعتقلين. وابتكر المحتجون أساليب مقاومة إبداعية كلما ظهرت قيود جديدة.
تضمنت إحدى المبادرات تشكيل رسائل احتجاجية على ممرات المشاة. وخلال إحدى الفعاليات، اندفعت سيارة باتجاه المتظاهرين، مما أدى إلى إصابة العديد منهم، من بينهم المصورة الصحفية مريم مكانتشيشفيلي، التي أُصيبت بكسر في أحد الأضلاع.

مُحتج خارج وزارة الداخلية بشارع فازها بشافيلا. بعدسة مريم نيكورادزه/أو سي ميديا. مستخدمة بتصريح.
في اليوم المئتين للاحتجاج، أحرق المتظاهرون علمًا روسيًا وكتبوا كلمة “ثورة” بالطلاء قرب مجلس النواب، وهم يرتدون أقنعة غاي فوكس. وبعد ذلك، اقترح حزب “الحلم الجورجي” مشاريع قوانين جديدة تحد بشكل كبير من التغطية الإعلامية للمحاكمات القضائية، وفي الوقت نفسه، اقترح زيادة رواتب القضاة.
يوليو / تموز 2025
أُعيد جثمان فانو ناديرادزه، وهو مقاتل جورجي متطوع في أوكرانيا، إلى بلاده دون مراسم عسكرية تقليدية؛ فنظّم المحتجّون تكريمهم الخاص له. وبرز تقليدٌ آخذ في الانتشار يتمثّل في الاحتفال بأعياد ميلاد المحتجّين المسجونين خارج السجون.

آزا تشيلاشافا، نازحة داخلياً من أبخازيا، حضرت تقريبا كل الاحتجاجات حاملة العَلَم الجورجي.بعدسة مريم نيكورادزه/أو سي ميديا. مستخدمة بتصريح.
كما اجتاز المحتجّ اليتيم آرتشيل موسليانتسي امتحاناته الوطنية من خلف القضبان، بدعمٍ من المتظاهر تسارو أوشاكماشفيلي، الذي تبنّاه معنويًا.

بعدسة مريم نيكورادزه/أو سي ميديا. مستخدمة بتصريح.
وأدّت عمليات إخلاء النازحين داخليًا (IDPs) والعائلات الهشّة اجتماعيًا في حي سامغوري بمدينة تبليسي إلى اندلاع مزيد من الاحتجاجات واعتقال 17 شخصًا. وخلال فصل الصيف الحار، جلب المتظاهرون مسدسات المياه إلى شارع روستافيلي للتخفيف من الحرّ والترفيه عن الأطفال.
أغسطس / آب 2025
أصدرت المحاكم أحكامًا عديدة بحقّ المُحتجّين المُحتجزين. وحُكم على الصحفية مزيا أماغلوبلي بالسجن لمدة عامين، ما أثار موجة تضامن على مستوى البلاد. وفي تطوّر غير متوقّع، بُرِّئ ثلاثة محتجّين كانوا يواجهون في الأصل تهم حيازة المخدّرات، وعقوبات محتملة تتراوح بين ثمانية أعوام وعشرين عاماً.
وفي ظلّ فرض قيود جديدة على وسائل الإعلام المستقلة، توحّدت 22 وسيلة إعلامية لإطلاق حملة تمويل جماعي من أجل البقاء، تحت شعار: “يجب أن تبقى الأنوار مضاءة“.
سبتمبر / أيلول 2025
صَدرت أحكام إضافية بحقّ المُحتجّين مع اقتراب الانتخابات المحلية. واندلعت اشتباكات في مقرّ الحملة الانتخابية لمرشّح منصب عمدة مدينة تبليسي، كاخا كالادزه؛ إذ هاجم أنصار حزب «الحلم الجورجي» المُحتجّين والصحفيين، لكن لم يُعاقَب أحد.
واعتُقلت المتظاهرة ميغي دياساميدزي لكتابتها رسالة على ملصق انتخابي. كما أقدمت إليني خوشتاريا، زعيمة حزب «دروا»، على الفعل نفسه، فاعتُقلت بدورها؛ وقد رفضت الإفراج بكفالة ولا تزال مسجونة.
بدأت المحاكم في حبس المتورطين المتكررين في الاحتجاجات الذين لم يسددوا الغرامات المتعلقة بقطع الطرق.
أكتوبر / تشرين الأول 2025

بعدسة مريم نيكورادزه/أو سي ميديا. مستخدمة بتصريح.
في الوقت الذي نظّمت فيه النساء مسيرة تضامنية دعمًا للمحتجّين المسجونين، شكّلت الانتخابات المحلية في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول محطةً مفصلية؛ إذ قاطعتها كُبرى قوى المعارضة، وأسفرت عن فوز كاسح جديد لحزب «الحلم الجورجي». وخلال عملية التصويت، خرج آلاف المحتجّين إلى الشوارع، واندلعت اشتباكات قرب مقرّ الرئاسة، أسفرت عن اعتقال 64 شخصًا.
كما فُرضت قوانين جديدة عقوبات بالسجن تصل إلى عام واحد على المخالفات المتكرّرة المتمثّلة في إغلاق الطرق. على الرغم من ذلك، واصل العشرات إغلاق شارع روستافيلي. وأصبح المحتجّ زوراب منتيشفيلي أول شخص يواجه اتهامات جنائية على خلفية إغلاق الطرق، ولا يزال رهن الحبس الاحتياطي. وفي المقابل، واصل المحتجّ من ذوي الإعاقة يوسب خيوشفيلي التظاهر، رغم فرض غرامات متعدّدة عليه بلغت 5,000 لاري جورجي (نحو 1,850 دولارًا أمريكيًا).

ظهور نادر لمؤسس حزب الحلم الجورجي بدزينا إفنشفلي مع عائلته في يوم الانتخابات ليُدلي بصوته. بعدسة مريم نيكورادزه/أو سي ميديا. مستخدمة بتصريح.
في تطوّرات أخرى، وُضع رئيس الوزراء السابق إيراكلي غاريباشفيلي قيد التحقيق بتهم تتعلّق بالفساد، ووافق على التعاون مع السلطات. كما أُفرج عن المُحتجّة نينو داتاشفيلي، التي كانت تواجه حكمًا بالسجن من أربع إلى سبع سنوات، بكفالة بعد تدهور حالتها الصحية.
نوفمبر / تشرين الثاني 2025
وجّهت السلطات اتهامات جديدة واسعة النطاق إلى غالبية قادة المعارضة البارزين، شملت تهمًا بمحاولة الانقلاب والتنسيق غير القانوني مع دول أجنبية، وهي تهم قد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 15 عامًا.
مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى للاحتجاجات، نُشرت قوات الشرطة بأعداد كبيرة لمنع إغلاق الطرق. وردّ المحتجّون بتنظيم مسيرات في الشوارع الجانبية، ما دفع الشرطة إلى إغلاق الأرصفة أيضًا. واحتُجز العشرات بتهم مقاومة الضُباط أو إهانتهم، ورغم سقوط معظم التهم في المحكمة، فُرضت على المحتجزين غرامات أو عقوبات حبس إداري. وأصبح كل من يقود مسيرة مستخدمًا مكبّر صوت عُرضةً للاعتقال الفوري.
في 25 نوفمبر/تشرين الثاني، قيد المحتجون أنفسهم رمزيًا بالأصفاد معاً لتجنب الاعتقال. وعلى الرغم من تراجع الأعداد، يواصل المئات – وأحيانًا الآلاف – الاحتجاج يوميًا. وتبقى مدة استمرار الحركة غير مؤكدة، لكن تحول الحكومة نحو السلطوية يبدو جليًا.






