عندما يواجه القاضي الخوارزميّة: أدوات الذكاء الصنعيّ تدخل محاكم الهند

The Supreme Court of India.

المحكمة العليا في الهند. ترخيص CC BY-SA 4.0, من ويكيميديا كومونز

تسلّل الذكاء الصّنعيّ إلى العمل القضائي في الهند بشكل غير مسبوق. فقد أصبح بإمكان الذّكاء الصّنعي توليد نصوص في الزّمن الحقيقي في جلسات الاستماع للمحكمة العليا، حيث يقوم برنامج تلقائي بتسجيل أقوال الشّهود في جلسات المحاكمة، حتّى يمكن للقضاة اختبار أدوات الذّكاء الصّنعي في البحث والترجمة في المجال القانونيّ من أجل التّنقّل بين ملفات القضايا الّتي تحتوي لغات متعدّدة. مع ذلك، تجري هذه الاختبارات في بيئة قضائيّة متوتّرة، وتطرح بذلك سؤالًا مهمًّا: هل تستطيع الخوارزميات تسريع القضاء ومع ذلك الحفاظ على العدل، الشّفافية، وتقدير البشر؟

ملايين القضايا الآن قيد الانتظار في الهند، في الواقع، التّراكم يضم عشرات ملايين الحالات، وللتّغلب على هذه المشكلة  قامت الحكومة وتحت توجيه المحكمة العليا ووزارة القانون والعدل، بتطبيق المرحلة الثّالثة من مشروع المحاكم الإلكترونيّة، الّذي يسعى إلى تحديث نظام الملفات، إدارة القضايا، وجريان العمليّات بتعلّم الآلة وتقنيّات اللّغات. تمّ تخصيص نسبة كبيرة من الميزانيّة للتكنولوجيا المستقبليّة مثل الذّكاء الصّنعي وتقنية سلسة الكتل (blockchain)، وبالتّالي معلنةً رهانًا سياسيًا أنّ مثل هذه الأدوات ستخفّف من التأخيرات الحاصلة بينما تبقى ملزمة بمبدأ أنّ القضاة هم من يفصلون في القضايا.

الوعد: السّرعة في مواجهة التّراكمات

يُبنى اعتماد الذّكاء الصّنعيّ على عمليّات التّحوّل الرّقميّة السّابقة، فمنذ تطبيق المحاكم الإلكترونيّة في 2007 قدم البرنامج نظام الملفّات الإلكترونيّ، قوائم القضايا الرّقميّة، والمحاكمات عبر الإنترنت، بهدف جعل التّطبيقات عبر الإنترنت ممكنة. المرحلة الثّالثة تتمحور حول النّظر في المعلومات القضائيّة الّتي تمّت حولت رقميًا الآن لتفسيرها باستخدام معالجة اللّغة الطّبيعيّة وتعلّم الآلة.

الابتكار الأهمّ هو بوّابة المحكمة العليا لدعم كفاءة المحاكم (SUPACE)، وهي منصّة مشغّلة بالذّكاء الصّنعي لتسهيل الامر على القضاة وطاقم البحث في الوصول إلى قرارات العمل المعلنة فيما يتعلّق بالتّعامل مع سجلات القضايات الضّخمة. لا تتخذ هذه المنصّة القرارات، هي تعرّف الوقائع، تقترح سوابق قضائيّة، وتعدّ مسودّات العناوين العريضة، ممّا يقلّل من وقت البحث اليدويّ ويمكّن القضاة من التّركيز على الاستنتاجات القانونيّة.

يعدّ حاجز اللّغة أيضًا اهتمامًا أساسيًا، حيث طوّرت المحكمة العليا برنامج فيدهيك أنوفاد (SUVAS) والّذي يحوّل المحاكمات من اللّغة الإنكليزية إلى واحدة من اللّغات الهنديّة، بينما تختبر بعض المحاكم العليا أدوات تحويل المحاكمات المستهلَكة من اللّغات المحليّة إلى اللّغة الإنكليزيّة. كما غيّر النّسخ المدعوم بالذّكاء الصّنعي طريقة حفظ الملفّات، حيث باشرت المحكمة العليا باستخدام النّسخ الآلي في القضايا الدّستوريّة وأصبحت تنتج نصوصًا قابلة للبحث بشكل شبه فوري للسجلّات منذ عام 2023.

كان التّوجيه الأهمّ قد صدر عن المحكمة العليا في كيرالا عام 2025، موجّهةً كل المحاكم الفرعيّة باستخدام أداة تحويل الكلام إلى نصّ Adalat.AI المدعومة بالذّكاء الصّنعيّ في تسجيل إفادات الشهود ابتداءً من 1 نوفمبر/تشرين الثّاني عام 2025. تقوم Adalat.AI الّتي تمّ تطويرها من قبل شركة ناشئة ذات أبحاث مرتبطة بجامعات مثل هارفارد و إم آي تي، باستبدال ملاحظات مكتوبة يدويًّا ببطء بنصوص رقميّة فوريّة مسجّلة ضمن نظام محكمة المقاطعة. ويسمح النّظام للقضاة فقط باستخدام أدوات بديلة تمّ فحصها من قبل مديرية تقانة المعلومات للمحكمة العليا في حال فشل النّظام، وبالتّالي يكون التّحكم بالتّسجيلات الصّوتيّة الحسّاسة المعالَجة مضمونًا.

تصف التّقارير الرّسميّة هذه الإصلاحات بأنّها خطوات تجاه عدالة أكثر فعالية وشفافيّة.  تؤكد ملفّات السّياسة على إمكانيّة الذّكاء الصّنعيّ في تقليل الأخطاء البشريّة في النّسخ، بالتقاط الأخطاء الأساسيّة خلال عمليّة حفظ الملفّات الرّقمية، كما تساعد القضاة المثقلين بالأعمال بإعطاء الأولويّة للحالات الطّارئة. ويزعم المعلّقون على الإصلاحات القضائيّة أنّه إذا ما تمّ تطبيق هذه الأنظمة بحذر، فبإمكانها تقصير مدّة جلسات الاستماع وتحسين دقّة النّسخ والتّرجمة، وتزويد المتقاضين برؤية أفضل عن التّقدّم في قضاياهم، خصوصًا  أولئك في المقاطعات النّائيّة ذوي الموارد القانونيّة النًادرة.

المخاوف: عندما تؤثّر الخوارزميّة على التّفكير القضائيّ

مع التفاؤل السّائد، فقد أبدى القضاة والعلماء مخاوفهم، حيث صدر تحذير مهمّ عن المحكمة العليا في دلهي عام 2023 بأنها ترفض النّظر في حجج تعتمد على شات جي بي تي في قضيّة تتعلّق بالعلامات التّجاريّة، حيث أفادت المحكمة أنّ نماذج اللّغة الكبيرة يمكنها أن تزيّف استشهادات وحقائق القضيّة، وأنّ نتائجها تتطلّب تحقّقًا مستقلًّا.

في قضيّة أخرى، سمحت محكمة دلهي العليا ذاتها لمشتري المنازل بسحب الدعوى بعد اكتشافهم أنّ أجزاءً من مرافعاتهم بما يتضمن الاستشهادات، قد تمّ توليدها باستخدام شات جي بي تي، حيث أنّ الشّكاوى المسجّلة في هذا الملف المزعوم احتوت على قضايا غير موجودة أو إفادات منقولة بشكل خاطئ. وقد أدان القاضي استخدام الذّكاء الصّنعي التّوليديّ غير المتحقّق منه، قائلًا أنّ مثل هذه الممارسات قد تضلّل المحكمة. وقد عكست هذه الحادثة المخاطر المهنيّة النّاجمة عن المفاضلة بين السّرعة والدّقة الّذي يفرضها استخدام أدوات الذّكاء الصّنعيّ ضمن العمل القضائيّ.

إنّ مشكلة الصّندوق الأسود تتخطّى ذلك بكثير، فأدوات الذّكاء الصّنعيّ المستخدمة للبحث والتّلخيص والنّسخ، يمكن أن تُبنَى على نماذج غامضة، فعندما تقوم SUPACE بلفت الاهتمام إلى سوابق محدّدة، لا يمكن للقضاة أو المتقاضين أن يعرفوا كيف تمّ إعطاء الأولويّة لهذه القضايا. يحذّر العلماء أنّ هذه المرحلة من الغموض قد تسبّب أخطاء يصعب كشفها، ويمكنها أن تؤثر بكلّ تلقائيّة على التفكير القضائيّ في حال اعتبار الاقتراحات الخورازميّة “بشكل ما حياديّة”.

وأحد المخاطر الأخرى هي الانحياز، فالقضاء الهنديّ كما المجتمع غير متساوٍ، وبالتّالي فإنّ قواعد البيانات المستخدمة في تدريب الذّكاء الصّنعيّ قد تكون أيضاّ وُسِمت بالأنماط التّمييزيّة بناءً على الطبقة، الجنس، الصّنف، أو الدّين، حيث يحذّر المحلّلون أنّ الذّكاء الصّنعيّ قد يعزز مثل هذه الانحيازات تحت شعار الكفاءة الأضل. أقرّ كبار القشاة من بينهم رئيس القضاء في الهند أنّ الذّكاء الصّنعي بإمكانه “تضخيم التّمييز” في بعض السيناريوهات الّتي يكون فيها غموضه واضحًا أو عندما يتعلم من بيانات غير شاملة.

ظهرت أيضًا مخاوف الخصوصيّة والأمان، حيث تحتوي سجلًات القضاء على كمية ضخمة من المعلومات الشّخصيّة الحسّاسة، كالادّعاءات الإجراميّة، الموارد الماليّة، والتّفاصيل الطّبيّة. تحذّر جميع التّوجيهات الصّادرة عن المحاكم مثل محكمة كيرالا العليا من رفع مثل هذه إلى المعلومات إلى الأدوات السّحابيّة العامّة. إنّ قانون حماية البيانات الشّخصيّة الرّقميّة الصّادر عام 2023، يسري على العمليات التلقائية، وهو يشمل أدوات الذّكاء الصّنعيّ المستخدمة في المحاكم. وفي ظلّ غياب قوانين مخصّصة للّذكاء الصّنعيّ، يجب على المحاكم والمطوّرين أن يبحثوا في إيجاد مزيج من القوانين الّتي تراعي الخصوصيّة وحماية البيانات.

مخاوف أخرى قد تعترض التّحسين بعيد المدى، هي “الانحياز للآلة“، حيث أنّ البشر يثقون بشكل كبير بمخرجات الحواسيب دون وعي منهم. حيث يدّعي العلماء أنّه، على سبيل المثال، عندما يقدّم الذّكاء الصّنعيّ للقاضي سابقة قابلة للتّطبيق أو أولويّة في القضيّة، قد يميل القاضي تحت ضغط العمل أن يعيد النّظر في بعض القضايا دون أن يلاحظ ذلك. وبينما تصبح الأنظمة أكثر سلاسة، فإن الجانب الوحيد الّذي قد يبقي الذّكاء الصّنعيّ باعتباره أداةً من أن يصبح مشاركًا صامتًا في القرارات القضائيّة، سيكون التّعليمات الصّارمة من قبل الانضباط القضائيّ.

رسم طريق وسطيّ: الرّقابة دون استسلام

يحاول القضاء الآن إيجاد التّوازن بين متطلّبات عبء القضايا والضّمانات الأخلاقيّة في عملها. وفي هذا الصّدد، تولّت كيرالا دفّة القيادة، ليس فقط بإلزام استخدام أداة Adala.AI بل أيضًا بإصدار سياسات ذكاء صنعيّ شاملة للمحاكم الفرعيّة. هذه السّياسات تنظر للذّكاء الصّنعيّ على أنّه أداة إدارية للنّسخ والتّرجمة، وتحرّم استخدام الذّكاء الصّنعيّ التّوليدي في صياغة الأحكام أو التّنبّؤ بنتائج القضايا، وتنصح القضاة بتقييم نتائج الذّكاء الصّنعي بصرامة، كما تحظر المنصّات الخارجيّة الّتي تتطلّب تحميل معلومات سريّة.

على المستوى الوطنيّ، أنشأت المحكمة العليا لجنة للذّكاء الصّنعيّ لتقييم أدواته وتقييم دمجه مع الأنظمة المعلوماتيّة للمحاكم، خاصّة ب تطوير شراكات مع مؤسّسات مثل IIT مادراس. وتشير تصريحات الحكومة إلى أنّه يجري العمل على إيجاد سياسة موحّدة لاستخدام الصّنعيّ في المحاكم والّتي ستتماشى مع المبادئ الأخلاقيّة وخصوصيّة البيانات. وتشدّد السّلطات على أنّ الذّكاء الصّنعيّ سيكون مقبولًا فقط تحت “الإشراف البشريّ والرّقابة الأخلاقيّة وحماية الخصوصيّة” مع إعطاء صلاحيّة توقيع القرارات للقضاة فقط.

ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن قانون شامل للذّكاء الصّنعيّ في الهند، بعض القواعد اليوم توجد في تعاميم المحكمة، قوانين حماية البيانات، والسّياسات العامّة فيما يخص التكنولوجيا. بعض الدّراسات الّتي أجريت عن النّزاهة القضائيّة تقترح إجراء عمليّات تدقيق دوريّة للانحياز، والإفصاح الإلزاميّ كلّما أثّر الذّكاء الصّنعي على نظام الملفّات أو القرارات، وتوفير وسيلة للمتقاضين للطّعن في  أدوات الذّكاء الصّنعيّ الّتي تؤثر على قضاياهم.  ويشدّد الخبراء الآن على الحاجة لبنية تحتية تكنولوجية أفضل في المحاكم، والتّدريب القضائيّ على التّحقّق من مخرجات الذّكاء الصّنعيّ، والتّعليم العام حول ما بإمكان هذه الأدوات فعله أو عدم فعله.

لم يعد التّحدّي الأساسيّ اليوم تبنّي تقنيات الذّكاء الصّنعي، بل القدرة على التّعايش معه. بعض المشاكل الحقيقيّة مثل التّراكم، وحواجز اللّغة، وعدم المساواة في الوصول للمعلومات القانونيّة، يمكن أن تُخفَّف باستخدام أدوات الذّكاء الصّنعيّ، ولكن لا يمكن إنكار أنّ استخدام خوارزميّات غامضة في العمليّات القضائيّة اليوميّة من شأنه أن يقلّل من وثوقيّتها. في الوقت الحاليّ، يبدو أنّ قضاة الهند مصمّمين على إبقاء البشر في موضع القيادة، ويعاملون الذّكاء الصّنعي على أنّه مساعد وليس وسيطًا. إنّ مدى استمرار هذا التّوازن لن يحدّد فقط مستوى تطبيق العدالة، بل أيضًا سيحدّد درجة الثّقة الّتي يمنحها الجمهور لهذه العمليّة.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.