
يعّبر نهر الميكونغ عبر ستة بلدان، الصين وميانمار وتايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام، مصدر الصورة من فليكر، تحت رخصة. CC BY 4.0
قُدم هذا المقال كجزء من برنامج جلوبال فويسز لتغطية العدالة البيئية، الذي يجمع صحفيين من الدول الناطقة باللغة الصينية وصحفيين من حول العالم للكشف عن تأثيرات تطوير المشاريع الصينية في الخارج على البيئة.اقرأ المزيد من المقالات هنا.
تجمّع حوالي 10 آلاف شخص قرب نهر الميكونغ في قرية بريك تاكيو الواقعة في محافظة كاندال في كمبوديا في 5 أغسطس/آب 2024. يظهر مقطع فيديو مسرح ضخم مزخرف بالألوان الزرقاء والصفراء يجول في المياه، ويبدو عليه مزين بالبالونات الملونة ويحمل علم كمبوديا مرفرفًا في الأرجاء. بدأت أصوات الأجراس والنواقيس والطبول تصدى في أرجاء المنطقة في تمام الساعة 9:09 صباحًا، بعد قيام رئيس الوزراء الكمبودي هان مانيت بقيادة المسرح والتظاهر بالضغط على زر رمزي.
أُقيم هذا الاحتفال لإنشاء مشروع ضخم يدعى قناة فاونان تيكو المائية، وحضره شخصيات رفيعة المستوى من أنحاء العالم.
دعت الحكومة الكمبوديين للاحتفال بالتأسيس القناة في يوم عطلة وطني، في حين قامت محطات التلفاز العامة والخاصة ببث الاحتفال، وتغطية الصحفيين المحليين ومن مختلف دول العالم أحداثه.
كما صرح رئيس الوزراء هان مانيت في خطابه بتأسيس القناة: “ستقوم القناة فاونان تيكو بربط العاصمة بنوم بينه بالمياه العميقة للميناء الواقع في محافظة سيهانوكفيل، مما سيسهل حركة التبادل التجاري للبلاد مع الدول الأُخرى.”
تمتد القناة لمسافة 180 كيلومترًا، بدءًا من فرع بريك تاكيو لنهر ميكونغ في مقاطعة كاندال، مرورًا بمقاطعتي تاكيو وكمبوت، وصولًا إلى الساحل في مقاطعة كيب. كما ستربط العاصمة بنوم بنه بخليج تايلاند. من المتوقع أن تعزز القناة القطاعات الصناعية والزراعية واللوجستية والعقارية في كمبوديا بربطها بطرق التجارة العالمية.
رغم إقامة الاحتفال الضخم، إلا هذا المشروع توقف لعدة أشهر بسبب قضايا تمويلية مع الصين، ونفت الحكومة الكمبودية هذه الأخبار واصفة إياها “بالمعلومات المضللة”.
عُقد اتفاق في أبريل/نيسان 2025 بين الحكومة الكمبودية وشركة الصين للاتصالات والإعمار، الشركة الأم للطرق والجسور الصينية، وتم الاتفاق بعقد شراكة عامة-خاصة بنموذج ملكية أسهم 51/49، مع تغيير الميزانية المتوقع أن تكن 1.7 مليار دولار أمريكي إلى 1.16 مليار دولار أمريكي.
أكّدَ وانغ تونغزاهو، مدير شركة الصين للاتصالات والإعمار، في كلمته بأن مملكة كمبوديا سوق استراتيجي مهم في جنوب شرق آسيا.
وأضاف، “الأهم هو اعتبار القناة نقطة تحول بارزة في تأكيد التعاون بين البلدين.” حسب ما نقلت صحيفة “خمير تايمز”.
من المتوقع أن ينتهي بناء المشروع عام 2028، لكن هذا المشروع يحمل في طياته الجدل والخلافات، فهو يهدف لنمو اقتصاد كمبوديا ولكن هنالك بعض المخاوف البيئية والبشرية الناتجة عن إنشاء هذا المشروع، خصوصًا المتعلقة بنهر الميكونغ، الجزء الحيوي لحصول السكان على لقمة عيشهم في دول جنوب شرق آسيا الأخرى المجاورة.

طريق قناة فونان تيكو. الصورة عبر ويكيميديا كومنز . ترخيص CC BY-SA 3.0
ما هي قناة فونان تيكو؟
أُعلن عن القناة أول مرة عام ٢٠٢١، التي تعتبر بنية تحتية أساسية بعرض 100 متر وبعمق 5.4 متر، وهي مصممة لاستيعاب سفن تصل حمولتها الساكنة إلى 300 طن. عند الانتهاء من بناء القناة ستعزز مكانة كمبوديا في الأقليم كمركز لوجسيتي، وتقليل اعتمادها على الموانئ الفيتنامية في الحركة التجارية.
يعكس هذا المشروع طموح البلاد في أن تحتل مركزًا لوجستيًا رئيسيًا في جنوب شرق آسيا، ومن المتوقع أن تقلل القناة من تكاليف الشحن تصل نحو 70%، وتعود بالأرباح نحو 88 مليون دولار أمريكي سنويًا بفضل النقل وذلك بحلول عام 2050، كما ستعمل القناة كطريق مختصر للتجارة الدولية، التي ستحفز الاستثمار الأجنبي وخلق فرص عمل.
زعمت الحكومة الكمبودية باستفادة الأشخاص الذين يعيشون على جوانب الممرات المائية من المشروع. كما وصفت هذا المشروع “إنجازًا هندسيًا ثوريًا“، ومن المتوقع أن تعزز القناة القطاعات الزراعية، وتخفيف الآثار الناجمة عن الفيضانات، والجهود في الحفاظ على المياه، خصوصًا في الفصول الجافة؛ كما جاء على لسان مي كايلان، المستشار الأول في المجلس الوطني الاقتصادي الأعلى في كمبوديا.
قال مي لصحيفة تشاينا ديلي“ذلك سوف يفتح آفاق جديدة للتنمية في كمبوديا”.
خلال حفل الافتتاح صرح هان مانيت بأن القناة ستُبنى “مهما كانت التكلفة”، كما ستأتي “بالهيبة الوطنية” لشعب كمبوديا، ويأمل ين سامناغ، الباحث في معهد بنوم بنه لرؤية الآسيوية لتفكير المستقر، بأن القناة ستعزز الترابط الإقليمي والتكامل الاقتصادي.
أضاف لصحيفة “خمير تايمز” أن “المشروع يجاري قيم كمبوديا المتمثلة في الاستدامة، والابتكار، والتعاون العالمي”.
المخاوف البيئية وحقوق الإنسان
بينما تُأكد الحكومة الكمبودية بأن القناة مستدامة بيئيًا، ولكن البيئيون قلقون إزاء مستقبل مجرى نهر الميكونغ.
يعد نهر الميكونغ مصدر حيوي لملايين الأشخاص الذين يعيشون على ضفافه، من الصين إلى ميانمار عبورًا بتايلاند ولاوس وكمبوديا وفيتنام. يعد أكبر مصيدة للأسماك داخلية في العالم، يغذي مالا يقل عن 40 مليون شخص، وينتج أكثر من 11 مليار أمريكي كما جاء في العالمي للحياة البرية. ويعتبر نهر الميكونغ ثالث أكثر الأنهار المتنوعة حيويًا في العالم، إذ يضم مالا يقل عن 1.148 نوعًا من الأسماك، كما يعد منطقة تغذية مهمة للعالم.
أعربت فيتنام عن مخاوفها بأن قناة فاونان تيكو ستخل بالنظام البيئي، خصوصًا في منطقة دلتا الميكونغ جنوب فيتنام. كما ستمنع السدود العالية تدفق المياه المحملة بالطمي إلى فيتنام، مما قد يسبب الجفاف في “حوض الأرز” الزراعية في فيتنام والسهول الفيضية في كمبوديا وفقًا لبريان إيلر، مدير برنامج مركز ستيمسون في جنوب شرق أسيا الواقع في واشنطن.
تعتقد الحكومة الفيتنامية بأن ذلك سيهدد القطاع الزراعي الذي يشكل 12% من الاقتصاد، كما صدّرت فيتنام عام 2024 أكثر من 9 ملايين طن من الأرز، بقيمة 5.7 مليار دولار أمريكي. يمثل هذا الرقم 15 بالمئة من الصادرات العالمية، مما يثير مخاوف الأمن الغذائي العالمي، كما أفادت صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست.

تُشكل فيتنام 15 بالمئة من صادرات الأرز العالمية، مصدر الصورة ويكيميديا كومنز. ترخيص CC BY-SA 3.0
علاوةً على ذلك، أفاد لي باهات كوي، مدير معهد فيتنام للمصادر البيئية والطبيعية، موقع مونغاباي بأن حفر القناة سيضر التربة الموجودة في المنطقة “تربة كبريتية حمضية محتملة”، التي تتأكسد إلى “تربة كبريتية حمضية فعلية” تنتج حمض الكبريت، وهذا يؤدي إلى تآكل البنية التحتية للقناة، وإطلاق تركيزات خطيرة من المعادن الثقيلة إلى السهول الفيضية، مهددًا الزراعة والنظام البيئي المائي.
دحض الرئيس الكمبودي، هان سين، هذه المخاوف عبر منشور على منصة X موضحًا بأنَ “لن تُأثر القناة على تدفق نهر الميكونغ، وهي إلى ذلك ليست مرتبطة بشكل مباشر بنهر الميكونغ ولكن مرتبطة بنهر الباساك.”
كما يهدد بناء القناة السكان المحليين، حيث يعيش العديد منهم على طول الضفاف، بخسارة منازلهم. يقول رجل الأعمال ديم ميش، الذي يعيش قبل عام 2000 على طول القناة المخطط لإنشائها، لوكالة الأنباء كامبو جي إيه نيوس بأنه لم يتلق أيّ إخطار رسمي بشأن تعويض أو الانتقال إلى سكن بديل، مع توثيق السلطات المحلية لأرضه ومنزله ومحاصيله.
كما أفاد ديم ميش لوكالة الأنباء كامبوجا نيوز” أخشى المغادرة، عملت بجهد لبناء هذه الحياة، وإذا خسرتها لن أستطيع العيش.”
تعزيز العلاقات بين الصين وكمبوديا
يطرح مشروع القناة تساؤلاتً حول مستقبل كمبوديا الجغرافي والسياسي، ويأكد السفير الصيني لكمبوديا، وانغ وينبين، بأن هذا المشروع بداية “مرحلة جديدة” لتعاون الصيني الكمبودي.
يعتقد المحللون بأن قناة فاونان تيكو ستساعد الصين في توسيع نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي في كمبوديا والمنطقة الأكبر، لكن هيمنة الصين من شأنها أن تثير قلق الولايات المتحدة وفيتنام.
قال زاو شاو، الباحث في مركز أبحاث الصين التابع لشركة أنباوند للاستثمارات، لصحيفة ساوث شاينا مورنينغ بوست “بشأن الجدل [مع كمبوديا] حول القناة، لا تعد الحماية البيئية والخلافات الأخرى أسبابً جوهرية، ولكن بشكل أساسي إنها حذر الولايات المتحدة والفيتنام ومقاومتهما للهيمنة الصينية المستمرة.”
على الجانب السياسي، استثمرت الصين بشكل كبير في كمبوديا لتوسيع قوتها الناعمة ونفوذها الدبلوماسي. تعتبر الصين أكبر مصدر لاستثماراتها الأجنبية في كمبوديا، ومصدر مهم لتطوير بنيتها التحتية ونمو الاقتصادي. لكن سيزيد مشروع القناة خطر وقوع الحكومة في الديّن، وسيساعد المشروع على المدى القصير حل مشكلة البطالة في كمبوديا، وتعزيز نموها الاقتصادي، وتوسيع صادراتها إلى الصين. كما ستحصل كمبوديا على الحماية الجيوسياسية في المنطقة من خلال التحالف مع الصين اقتصاديًا.

نجوين تان دونج، رئيس وزراء فيتنام السابق، وهون سين، رئيس الدولة الكمبودية. صورة من ويكيميديا كومنز. ترخيص CC BY-SA 3.0 .
لكن يحمل هذا المشروع تأثير سلبي على العلاقات الفيتنامية_الكمبودية، من خلال تقليل حوالي 10% من التجارة الدولية من وإلى كمبوديا، التي كانت تعبر الموانئ الفيتنامية، مما يؤدي لتغيير كبير في طريق التجارة من فيتنام إلى خليج تايلاند، كما يعزز هيمنة الصين الاقتصادية على فيتنام. ويمتلك كلا البلدين، الصين وفيتنام، تاريخ متوتر وصراعاتً إقليمية مستمرة.
بينما يعتقد النقاد أن القناة ستشكل خطرًا يتمثل باعتماد كمبوديا المفرط على الصين، يعتقد المعلق الصيني يوان يي أن قناة فاونان تيكو فرصةً لكمبوديا لتحقيق توازن القوى في المنطقة.
يقول يوان لصحيفة “جوانشا”، وسيلة إعلامية وطنية صينية:
Unlike Vietnam, Cambodia does not view China as a direct security threat. On the contrary, relying on China’s power to balance Vietnam has been a common strategy in Cambodia's history.
على عكس فيتنام، لا ترى كمبوديا الصين كتهديد أمني مباشر، لكن يُعتبر الاعتماد على قوة الصين لتحقيق التوازن في فيتنام إستراتيجيةً شائعة في تاريخ كمبوديا.






