
امرأة بيدين مزينتين بالحنة في السودان، 11 شباط/ فبراير 2005. صورة ستيف إيفانس على فليكر (CC BY 2.0.)
كتبت وئام البشير هذا المقال بالأصل على موقع رصيف22 في التاسع عشر من آذار/ مارس عام 2024. يُعاد نشر نسخة مُعدّلة منه على جلوبال فويسز كجزء من اتفاقية مشاركة محتوى.
عَثرتُ مؤخرًا على صورة لي وأنا طفلة، كُتب عليها في الخلف كلمات بخط والدي: “طفلتنا زرقاء.” أرسلها والدي لأشقائه في السودان مع أحد الحجاج العائدين من مكة مصحوبة برسالة تعلن مجيء طفلته “الزرقاء” الجديدة.
يولد الإنسان أبيضًا أو أسودًا مع بعض الاختلافات والتباينات إذ يحصل الأول على امتيازات ويواجه الأخير صعوبات. لا يزال مستوى مواطنة العرب السود منخفضًا في العديد من دول الخليج وبلاد الشام، ويوصمون بكونهم نتاج هجراتٍ إفريقية قديمة أو أحفاد عبيد أوخدم.
يُعتبر سكان السودان، البلد الإفريقي المتنوع بقبائله وأعراقه، سودًا في نظر العالم. ورد اسم بلادهم في المعجم، كجمعٍ لكلمة “أسود” في العربية، لكن المفارقة تكمن في أن السودانيين نادرًا ما يستخدمون مصطلح “أسود” لوصف البشرة!
يستخدمون أسود للإشارة للباذنجان فقط لذا تُعرف النسخة السودانية من طبق بابا غنوج “السلطة السوداء”. أمّا بالنسبة للبشرة، فيُظهِرون خمسين تدرجًا للون الأسود.
ألوان البشرة المتنوعة في السودان
يُطلق على السودانيّ ذي البشرة الفاتحة للغاية “أحمر”، في إشارة إلى اللون الأحمر الذي يظهر أحيانًا على أصحاب هذه البشرة. يطلق عليه أحيانًا “حلبيّ” أيضًا، في إشارة لمدينة “حلب” أو سلالة المجتمعات السوريّة التي هاجرت إلى السودان في العصور القديمة. الوصف عام وإن اختلفت الأصول، ويشمل السودانيين من أصل مصريّ وذوي البشرة الفاتحة والشعر الداكن أيضًا.
هناك السودانيّ “الأصفر” الذي لا ينبغي الخلط بينه وبين اليرقان! تشير هذه التسمية إلى ذوي البشرة البيضاء المائلة للأصفر؛ الدرجة السائدة للون بشرة سكان الخليج. يحمل هذا اللون الامتيازات العالمية المرتبطة بالبشرة البيضاء، ويتوافق مع مفاهيم الجمال الغربية مقارنةً بـ “الحلايبِيّين”، في إشارة لبلدة حلايب. يُعتبر السودانيون ذوي البشرة “الصفراء” من أصلٍ سودانيّ أصفى.
هناك أيضًا لون “الخمر” أو “القمح”؛ أفتح درجات البشرة السمراء. عندما يزداد الميلانين، يُشار إلى بشرة المرء على أنها “خضراء”. في بلدي، لا تقتصر البشرة “الخضراء” على الكائنات الفضائية أو النباتات إذ غالبًا ما تسمع التعليق الطريف القائل؛ “خضرتها مُنعشة”، بمعنى أن بشرتها الداكنة مُشرقة كفاكهةٍ ناضجة.
لا يشبه السودانيّ “الأزرق” السنافر في لونها، وإنما يغلب عليه السواد الحالك كسماء المساء في لوحة فينسنت فان غوخ وتدرّجات زرقتها. يتمتع أصحاب هذه البشرة ببعض الامتيازات، لكنهم يتعرضون أيضًا للتمييز والعنصرية في السودان كما في معظم أنحاء العالم.
كثيرًا ما سمعت الشخص صاحب البشرة “الزرقاء” يُنادى “بالعبد”؛ كلمة عربية تشبه في فظاظتها كلمة “الزنجيَ” في أميركا الشمالية. سمعت أيضًا تعليقات خافتة تشكّك في أصله العربي وتحلّل شكل أنفه ومدى تجعيد شعره — وهي سمات يعتبرها بعض السودانيين اختبارات جينية عرقية دقيقة.
ينسب البعض السودانيين ذوي البشرة “الزرقاء” لقبائل معينة وبلدان إفريقية مجاورة كمحاولةٍ لإثبات العروبة الخالصة. يُرفض زواج الأعراق المختلفة وأي انحرافٍ عن الأعراف المجتمعية، ويتعرض من يقوم بها لتعليقاتٍ ساخرة وخافتة مثل: “كيف يزوجون هذه الفتاة العربيّة لذاك العبد؟”
أصداء الهويّة الوطنيّة
يتمسك المجتمع السوداني بالعروبة وبالنسب المزعوم للخلفاء العرب القدماء. يعدُّ سؤال سودانيٍّ عن قبيلته معيارًا مجتمعيًا سائدًا، ومن غير المفاجئ طلب شابٍ متعلم عروسًا بيضاء بشعرٍ طويلٍ فقط لا غير.
تتعرض بعض الفتيات لمعايير الجمال الغربية القاسية وغير الواقعية لذا تلجأ لاستخدام أدوية الكورتيزون. تقلل هذه الأدوية من إفراز الميلانين وتسبب احتباس الماء في الجسم، ما يجعلها تبدو “مريحة”. تعدّ منتجات تفتيح البشرة وتقشيرها تلك من المستلزمات الضرورية للفتيات في سن الزواج.
يُعتبَر والداي ذوا بشرة فاتحة، لون بشرة أخي الكبير قمحيّة أما أختي فصفراء. لكنني انحرفت عن كل التوقعات والجينات؛ أنا “خضراء” أو كما سماني والدي “زرقاء” في رسالته غير المُرسلة بعد.
أدين حبي للون بشرتي لوالداي لذلك أكره استخدام مبيضات التجميل في منصات وسائل التواصل الاجتماعي.
عدت ذات يوم من المدرسة إلى المنزل أحمل تقريري الشهري الممتاز وأنا أبكي لأن زميلتي السعودية “الصفراء” نادتني بعبدة أثناء خروجنا من المدرسة. واستني أمي وأكدت لي أن الفتاة غارت من تفوقي الدراسي، عينيّ الجميلتين، حاجبيّ الرفيعين وشعري الطويل.
كبرت وأنا أؤمن أنني جميلة. كنت أعتزّ بشعري ولم أقصّه أبدًا. أرى عيناي جميلتان أيضًا، بالرغم من أنني لم أسمع هذا الإطراء سوى من أمي. حافظت على حاجبي رفيعين بتشذيبهما باستمرار وأرفض استخدام منتجات التبييض، متجاهلةً اقتراحات قريباتي الفتيات.
لهذا السبب، أرى أبعدَ من رؤية وسيط الزواج؛ أو أستاذ الجامعة، الذي أصرّ على مناداتي بـ “شوكولا” بدلّا من اسمي الحقيقي (ابتسمت حينها على مضض وذكّرته باسمي في كل مرة)؛ أو قول سيدة، مارّة في مصر، لي بمودة: “لكن قلوبكم جميعًا بيضاء وجميلة”، مشيرةً إلى ما قد يُعوِّض عن لون بشرتنا الداكن.
نحن جميعًا أعمق من تركيز الميلانين في بشرتنا، ولا ينبغي لذلك تحديد امتيازنا أو دونيّتنا تحت أي ظرفٍ من الظروف.
لا أدعي فهمي الكامل للانحياز القاسي والتصنيف العرقي، الذي واجهه السودانيون “الزرق” في السنوات الماضية، لكن تجربتي كأقليّة سمراء في بلدٍ خليجي، أو طفلةٍ “خضراء” لأبوين “صفراوين”، منحتني رؤية وقناعة آمل أن تساعدان في التغلب على الوصمات غير المجدية.
آمل أيضًا، بعد تعافينا من هذه الحرب، أن نطهّر أنفسنا من إرث الامتيازات العرقية والقبليّة التي روّج لها النظام السابق، والتي سمحت بإبادة القبائل في غرب وجنوبيّ السودان. أشعر أحيانًا أن السلطات في الخرطوم تدفع ثمن صمتها بشأن الأحداث في دارفور بينما يُشاهِد العالم صامتًا. بالإضافة إلى ذلك، المواطنون العاديون أكثر من يعاني إذ يتحملون عواقب وخيمة نتيجة الاضطرابات الداخلية والمراقبة الدولية.







