
مشهد لجماهير خلال مباراة ربع النهائي بين الهند وبنغلادش في كأس العالم للكريكت 2015 (CWC15) على ملعب ملبورن للكريكيت (MCG) في أستراليا. الصورة من فليكر Tourism Victoria. CC BY 2.0.
تهدف بطولة كأس العالم للكريكت T20 لعام 2026، المقامة كل عامين، بتنظيم من المجلس الدولي للكريكت (ICC)، لالاحتفاء بالانتشار العالمي للكريكت. إلا أنها كشفت، بدلًا من ذلك، عن مواطن الخلل التي تتداخل فيها الرياضة والأمن والسياسة، وما يترتب على ذلك من تبعات غير مرغوب فيها. فقد رفضت بنغلادش المشاركة في المباريات المُقرر إقامتها على الأراضي الهندية بسبب مخاوف أمنية وتوترات سياسية. مع ذلك، تتجاوز أزمة الكريكت المتفاقمة بكثير مجرد مأزق دبلوماسي أو نزاع أمني.
لا يُمكن فهم جذور المخاوف الأمنية لدى بنغلادش فهمًا كاملًا دون دراسة مفارقة مصطفى زُر رحمن التي حيّرت عالم الكريكت. عندما أصدر مجلس إدارة الكريكت في الهند (BCCI) تعليماته لفريق كولكاتا نايت رايدرز باستبعاد لاعب الرمي السريع البنغلاديشي من تشكيلتهم في الدوري الهندي الممتاز (IPL) لعام 2026 لأسباب أمنية، خلقوا دون قصد معضلة منطقية استغلها المسؤولون البنغلادشيون سريعًا.
بمعنى آخر، إذا كان مجلس الكريكيت الهندي نفسه عاجزًا ضمان أمن لاعب بنغلادشي واحد، خلال بطولة الدوري الهندي الممتاز (IPL)؛ بطولة تُقام في ظل ظروف مُحكمة مع حراسة أمنية خاصة ودخول محدود للجمهور، كيف يُمكن لبنغلاديش أن تثق بتوفير الحماية الكافية لفريقها الوطني، وطاقمه الإداري، والصحفيين المرافقين، وربما آلاف المشجعين خلال بطولة عالمية؟
في الواقع، يُقرّ التقييم الأمني الصادر عن المجلس الدولي للكريكت، الذي سُرّب ثم أُكّد لاحقًا، بما كانت بنغلاديش تُطالب به طوال الوقت. فقد نصّ التقييم المستقل للمخاطر في يناير/كانون الثاني 2026 صراحةً أن التهديد الذي يُواجه فريق بنغلاديش “متوسط”، لكن الخطر الذي يُهدد المواطنين البنغلادشيين والمشجعين الحاضرين للمباريات سيكون “متوسط إلى مرتفع”، لا سيما أولئك الذين يرتدون ألوان الفريق ويسافرون في مجموعات مُنعزلة إلى الملعب. كما أشار هذا التقييم تحديدًا إلى أن “وجود مصطفى زُر رحمن قد يُشكّل مشكلة إذا ما تحوّل التطرف الديني إلى اشتباكات مسلحة”.
يكشف التقرير عن فجوة جوهرية بين إدارة المخاطر البيروقراطية والواقع الأمني المُعاش. عندما صرّح المستشار الرياضي آصف نذرول بأن بنغلاديش لن تساوم على “أمن وكرامة لاعبي الكريكت والمشجعين والصحفيين”، لم يكن يُمارس أي استعراض دبلوماسي، بل كان يُعبّر عن المسؤولية الأساسية للحكومة في حماية مواطنيها.
إن توقيت وسياق هذه المخاوف الأمنية يُعزز شرعيتها بشكل كبير. فقد تدهورت العلاقات بين بنغلاديش والهند بشكل حاد منذ فرار رئيسة الوزراء البنغلادشية السابقة، الشيخة حسينة، إلى الهند في أغسطس/آب عام 2024، بعد انتفاضة طلابية أطاحت بحزب رابطة عوامي الحاكم. منذ ذلك الحين، اتسمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بتصاعد التوترات، وتبادل الاتهامات، والأهم من ذلك، حوادث عنف استهدفت منشآت دبلوماسية بنغلادشية.
عندما تعيق الحواجز الدبلوماسية المدرجات
لعلّ أكثر جوانب هذه الأزمة التي يتم تجاهلها هو الاستحالة العملية لحضور المشجعين البنغلادشيين البطولة، حتى لو تم حلّ الوضع الأمني. بسبب الجمود الدبلوماسي المستمر بين البلدين، فرضت الحكومة الهندية سياسة صارمة لتقييد التأشيرات على بنغلادش، ما يمنع فعليًا المواطنين البنغلادشيين العاديين من الحصول على تأشيرات هندية.
بينما دارت تكهنات حول إمكانية منح اللاعبين وأفراد الطاقم الفني تأشيرات دبلوماسية خاصة، يواجه الصحفيون والرعاة البنغلادشيون عقبات لا يمكن تجاوزها.
اقرأ المزيد: التكلفة الخفية لتقييد الهند لتأشيرات البنغلادشيين
أي نوع من “كأس العالم” يستبعد مشجعي دولة مشاركة؟ كيف يمكن الاحتفاء بجاذبية الكريكت العالمية مع منع دخول المشجعين بناءً على جنسيتهم؟
شبح عنف الحشود
إن احتمال وقوع أعمال عنف جماعي ضد مشجعي ولاعبي وموظفي وصحفيي بنغلاديش ليس مجرد تهويل، بل استنتاج منطقي مبني على حوادث عنف موثقة ضد مشجعي بنغلاديش وتصاعد الدعاية المعادية لبنغلاديش. تصاعدت المشاعر المعادية لبنغلاديش بشكل كبير في الهند، وخاصة في ولايات مثل البنغال الغربية التي ستستضيف مباريات كأس العالم منذ الإطاحة بحسينة، مدفوعةً باتهامات تتعلق بمعاملة الأقليات الهندوسية في بنغلادش، ومضخمةً من قبل الأحزاب السياسية الساعية لتحقيق مكاسب انتخابية.
في الواقع، إن الإشارة المحددة في التقييم إلى احتمال تسبب وجود مصطفى الرحمن في اندلاع أعمال عنف “إذا ما تحول التطرف الديني إلى اشتباكات مسلحة” تكشف كيف أصبحت الرياضة ساحةً لإثارة التوترات الطائفية. مصطلح “الاشتباكات المسلحة” هو مصطلح أمني يُستخدم للإشارة إلى العنف الفعلي، والاعتداءات الجسدية التي قد تتراوح بين الإساءة اللفظية والاعتداء الجماعي.
الحسابات السياسية الكامنة خلف الأزمة
لعلّ أكثر جوانب هذه الأزمة استغلالًا في هذه الأزمة كيفية توظيف كلّ من الحكومتين الهندية والبنغلادشية للعبة الكريكت كسلاح لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، لا سيما في سياق انتخابات الجمعية التشريعية لولاية البنغال الغربية المقرر إجراؤها في مارس/أبريل عام 2026.
بالنسبة لحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند (BJP)، الذي يسعى لاقتحام الساحة السياسية في البنغال منذ عام 2014 بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، أصبحت معارضة بنغلاديش كنزًا انتخابيًا.
ما هي الورقة الرابحة في هذه اللحظة أكثر من الخطاب المعادي لبنغلادش، المُصاغ تحت ستار حماية الأقليات الهندوسية؟ إذا أمكن توظيف الكريكت والدين كأدوات انتخابية، خاصة في كولكاتا، فإن ذلك سيشجعهم على افتعال هذه الأزمة وإدامتها.
في الوقت نفسه، ونظرًا لضغوطها وحوافزها السياسية، تُدرك الحكومة البنغلادشية المؤقتة أن الخطاب المعادي للهند هو أقوى أوراقها السياسية. إن اتخاذ موقف حازم ضد الهند، ورفض التنازل عن المشاركة في كأس العالم، والتشكيك علنًا في تقييمات المجلس الدولي للكريكت الأمنية، كلها أمور تلقى استحسانًا محليًا، لا سيما بين شرائح المجتمع البنغلادشي.
يخلق هذا وضعًا خطيرًا لا يحفز أيًا من الحكومتين على تهدئة الأوضاع. بل على العكس، يستفيد كلاهما من استمرار حالة الأزمة، ومن استخدام الكريكت كساحة بديلة لصراع أوسع تحكمه التوترات الجيوسياسية.
كيف تُلقي سياسة المنفى بظلالها على البطولة؟
يتمثّل أحد أكثر أبعاد هذه الأزمة إثارة للقلق في تمركز قادة حزب رابطة عوامي المنفيّين في منطقة «نيو تاون» بمدينة كولكاتا، المدينة المقرّرة لأن تستضيف ثلاثًا من أصل أربع مباريات لبنغلادش في دور المجموعات.
يقيم ما يُقدَّر بنحو ألفي وزير سابق، إلى جانب قيادات عليا ووسطى في حزب رابطة عوامي، الذي حكم بنغلاديش بين عامي 2009 و2024، إضافة إلى صحفيين، ونشطاء في المجتمع المدني، وضباط في الجيش، وعناصر من أجهزة إنفاذ القانون، ودبلوماسيين فرّوا من بنغلاديش عقب ثورة يوليو في أغسطس/آب عام 2024، قاعدةً سياسية فعلية لهم في منطقة نيو تاون.
تسخير الرياضة كسلاح
بعد إقرار المجلس الدولي للكريكت (ICC) في تقييمه الأمني بوجود مخاطر تتراوح بين المتوسطة والمرتفعة تهدد المشجّعين البنغلادشيين، سعى لتصوير هذه المخاوف على أنها قابلة للإدارة، ورفض تفسير بنغلاديش للتقييم واصفًا إياه بأنه «كذبة كاملة». ويشير ذلك إلى تجاهل متعمّد لمخاوف مشروعة، هدفه حماية جدول البطولة ومصالحها التجارية.
فإذا كان من الممكن تجاهل المخاوف الأمنية الموثّقة لدولة تُعد عضوًا كامل العضوية في المجلس الدولي للكريكت، واعتبارها مجرد استعراض سياسي، فما الخيارات المتاحة أمام دول الكريكت الأصغر أو الأقل نفوذًا سياسيًا؟
إن السابقة التي يتم ترسيخها هنا بالغة الخطورة: مفادها أن التزام المجلس الدولي للكريكت بحماية اللاعبين والمشجّعين مشروط بعدم الإخلال بترتيبات البطولة اللوجستية أو تحدّي مجالس كريكت نافذة مثل مجلس إدارة الكريكت في الهند (BCCI).
ومع تمسّك بنغلاديش بموقفها الرافض للسفر إلى الهند للمشاركة في كأس العالم T20 لعام 2026، تكشف هذه الأزمة عن تقاطع خطِر بين الرياضة والسياسة.
في حين يعترف التقييم الأمني للمجلس الدولي للكريكيت بوجود مخاطر، فإنه يصرّ على أنها قابلة للاحتواء. وتقدّم الهند ضمانات أمنية، لكنها في الوقت نفسه تفرض قيودًا على منح التأشيرات للمشجّعين البنغلادشيين، وتعجز عن حماية المنشآت الدبلوماسية البنغلادشية على أراضيها. وفي خضم ذلك، يوظّف الطرفان لعبة الكريكت لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، مع ادعائهما العمل لمصلحة الرياضة.






