السودان ينزف في صمت: أزمة إنسانية يجب على العالم عدم تجاهلها

مخيم لاجئين يقع في تشاد. الصورة بعدسة هينري وليكينز/ صوت أمريكا (VOA). مصدر الصورة: ويكيميديا كومنز (ملكية عامة).

منذ أبريل/ نيسان الثاني 2023، بات السودان تحت الحصار جراء صراع مدمر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فصيلان عسكريان متنافسان أدى صراعهما على السلطة إلى انخراط البلاد في أزمة إنسانية واسعة النطاق. تسبب هذا النزاع في تشريد الملايين وتدمير البنى التحتية المدنية، في حين لا يزال الوصول إلى الخدمات الإنسانية محدودًا بشكل خطير.

يبدو أن الصراع في السودان يعد أحد أكثر الحروب الأهلية نسيانًا في العالم، حيث يغمر الصمت السائد، الذي يحيط هذا النزاع، السكان في حالة من الاضطراب اليومي.

تشير منظمة الهجرة الدولية (IOM) لأكثر من 10 ملايين شخص نازحين داخليًا، في حين يقدر المجلس النرويجي للاجئين (NRC) بنزوح حوالي 15 مليون شخص، وأن حوالي نصف سكان السودان يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية. يسعى العديد من الأشخاص لإيجاد مأوى في الملاجئ المكتظة، أو المباني غير المكتملة، أو المناطق المكشوفة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الغذاء أو المياه.

للاطلاع على المزيد: “مقابلة مع حاتم عبد العزيز: “للحرب الأهلية في السودان أن تستمر سنوات”؟

أزمة اللاجئين تمتد خارج الحدود

لا يعد انهيار السودان كارثةَ داخلية فحسب – بل أزمة إقليمية. فقد أبلغت المفوضية السامية للاجئين للأمم المتحدة أن الصراع أدى لنزوح أكثر من 11 مليون شخصًا، وفرارهم إلى البلدان المجاورة مثل تشاد، وجنوب السودان، ومصر، وإثيوبيا. تعاني مخيمات اللاجئين في هذه المناطق من ضغط شديد في ظل شح الموارد لدعم تدفق النازحين.

يشكل هذا التدفق الهائل للنازحين ضغطًا متزايدًا على البلدان المجاورة التي تعاني مسبقًا ويخلق مخاطر طويلة المدى، سواءً على مستوى الصحة، أو التعليم، أو الأمن في الإقليم.

في كثير من الأحيان، تصل العائلات خالية الوفاض، سوى ما على أجسادها من ملابس، بحثًا عن الأمن بعد السير لأيام أو أسابيع عابرين تضاريسًا وعرة.

الآثار المدمرة للحرب

في المراكز الحضرية كالخرطوم، تعرضت المناطق السكنية للقصف، واستهدفت المستشفيات، ودمرت البنية التحتية. وفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود (MSF)، تم اغلاق العديد من المستشفيات نتيجة الدمار الذي ألحق بها و نقص المؤن، في حين أن المستشفيات الأخرى مثقلة بعدد هائل من المدنيين الجرحى.

في إقليم دارفور، حيث لا تزل ذكريات الفظائع السابقة غير منسية، تصاعدت وتيرة الحرب بشكل حاد جدًا. وقد وثقت منظمة هيومان رايتس واتش وهيئة بي بي سي عمليات القتل التي استهدفت جماعات على أساس عرقي، إضافة إلى عمليات نهب واسعة النطاق في البلدات، مثل الجنينة، إحدى المدن في غرب دارفور، التي تقع ضمن منطقة دار ماساليت الكبرى  في السودان، حيثما قتل و تم نزوح آلاف المدنيين.

كان تأثير الصراع على الأطفال شديدًا للغاية. إذ تفيد منظمة اليونيسيف بحاجة أكثر من 14 مليون طفل للمساعدة الإنسانية العاجلة؛ بينهم على الأقل حوالي 4 مليون طفل يعاني من سوء التغذية الحادة، وانعدامًا حادًا في الأمن الغذائي المهدد للحياة.

أدى إغلاق المدارس إلى إيقاف تعليم ملايين الأطفال؛ علاوة على استخدام الكثير من المدارس كملاجئ حاليًا. تفيد اليونيسيف بأن الأطفال يموتون بمعدلات مخيفة بسبب المجاعة والأمراض في بعض المناطق.

كما ازدادت الحوادث الناتجة عن العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والإساءة بحق النازحات من النساء والفتيات.

صعوبات إدخال المساعدات الإنسانية

يقدر مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) أن حوالي أكثر من 25 مليون شخص في السودان بحاجة للمساعدة الإنسانية. مع ذلك، أدت حالة انعدام الأمن والصراع المستمر إلى شدة صعوبة إدخال المساعدات الإنسانية. الطرق غالبًا ما تكون مغلقة، أو أن تتعرض قوافل المساعدات الإنسانية للهجوم، كما قد يتم نهب أو إتلاف مخازن الإمدادات الإنسانية.

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود تعرض طواقمها الطبية ومرافقها لعمليات سطو مسلح. في الوقت الذي يواجه فيه برنامج الغذاء العالمي ووكالات إغاثة أخرى تحديات لوجستية جسيمة. ولا تزال خطة الأمم المتحدة للاستجابة لأزمة السودان 2024، تعاني من نقص حاد في التمويل، حيث لم تتلق سوى أقل من 20% من الأموال المطلوبة حتى منتصف العام.

رغم أن الأزمة السودانية لا زالت تحتد وتشتد، إلا أنها تلقت تغطية محدودة في وسائل الإعلام الدولية، ويثير تدهور الوضع الإنساني في السودان تساؤلًا: لماذا يتجاهل العالم السودان؟

يكمن جزء من الإجابة في حالة الإرهاق العالمي. حيث طغت أزمات متعددة متزامنة على الحرب في السودان — كالحرب في أوكرانيا، وتفاقم الحرب الإسرائيلية على غزة، والتوتر بين الصين وتايوان، وغيرها من المشاكل العالمية.

يقارن التلفزيون الألماني دويتشه فيله وضع السودان بالأزمات الأخرى غير المغطاة إعلاميًا، مؤكد على أن التحيز في التحرير وأولويات تخصيص الموارد يؤثران في تحديد أي القصص تصل إلى الجمهور الدولي.

لكن هناك حقيقة أخرى أكثر عمقًا وإرباكًا: مساهمة المعاناة الإنسانية في أفريقيا، وعدم وجود مصالح جيوسياسية واقتصادية غربية في السودان، هذا الصمت.

على الرغم من الجهود الدبلوماسية العديدة، إلا أنه تم خرق اتفاقيات وقف إطلاق النار في السودان مرارًا لانعدام الثقة الشديد بين الفصائل المتنازعة والتدخل الخارجي المستمر. الدليل على ذلك، فشل مؤتمر بقيادة المملكة المتحدة في لندن مؤخرًا في إنشاء مجرد مجموعة اتصال أساسية لمحادثات السلام، إذ لم يتمكن الوسطاء العرب، مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من الاتفاق على نهج موحد، مما يؤكد على تمزق الإرادة الدولية التي تعيق المفاوضات.

في ذات الوقت، يتم إحباط محاولات وقف إطلاق النار في وقت قصير جدًا من قبل كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. يستخدم كلا الجانبين وسائل التواصل الاجتماعي للدعاية والتجنيد لحرب السودان، في الوقت الذي يواجه فيه الصحفيون التهديدات والرقابة والهجمات التي تمنع الوصول إلى الأخبار الموثوقة.

في كثير من الحالات، يبدأ القتال مرة أخرى بعد ساعات فقط من إبرام الصفقة. ولا توجد أية مجموعة أو بلد موثوق به يستمع إليه الطرفان، إذ تدعم بعض الحكومات الأجنبية أطرافًا مختلفة في الحرب.

دون ضغوط دولية قوية وموحدة، تصبح كل محاولة لوقف إطلاق النار مجرد وعد آخر لا طائل منه. من الصعب أن يتم تحقيق السلام في ظل وجود انعدام الثقة والتأثير الخارجي.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.