هل تدفع “الجدارة المفرطة” وردود الفعل المُناهضة للنسوية الشبابَ الكوريَّ الجنوبي نحو اليمين السياسي؟

نشطاء "رجال عاديون في العمل" عقدوا مؤتمراً صحفياً في سيول عام 2022 لمواجهة سياسات الكراهية القائمة على النوع الاجتماعي. الصورة مقدمة من Feminism With Him. مستخدمة بإذن.

نشطاء “رجال عاديون في العمل” عقدوا مؤتمرًا صحفيًا في سيول عام 2022، لمواجهة سياسات الكراهية القائمة على النوع الاجتماعي. الصورة مقدمة من Feminism With Him. مستخدمة بإذن.

قد يكون من الصعب تعريف معنى مُصطلحيّ “مُحافظ” أو “شعبوي يميني “، حيث أن الحدود بينهما قد تلاشت مع مصطلحات أخرى مثل “اليمين المتطرف” أو “اليمين البديل”. كما أن هذه المصطلحات تختلف باختلاف المنطقة والسياق التاريخي. علاوة على ذلك، يكاد يكون من المستحيل تصنيف الرجال في العشرينات أو الثلاثينات من العمر تحت تصنيف أيديولوجي واحد.

على الرغم من هذا الغموض، أظهرت العديد من الدراسات أن الشباب الكوري الجنوبي الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا قد تحولوا بلا شك إلى اليمين المُعارض أكثر من أي فئة سكانية أخرى في العالم، بل إن بعضهم تحول إلى اليمين المتطرف لدعم أجندات تشمل سياسات مناهضة للنسوية وإعادة توزيع الثروة ، مما أدى إلى أحد أكبر الفجوات الأيديولوجية بين الشباب والشابات في العالم.

تعميق الفجوة بين الجنسين في كوريا

بعد الانتخابات الرئاسية المفاجئة التي جرت في كوريا الجنوبية في يونيو/حزيران 2025، أجرت شركة أبحاث محلية، هانكوك ريسيرج Hankook Research، ومجلة إخبارية، Sisa In، بالتعاون مع خبراء أكاديميين، استطلاعًا للناخبين. وأكمل أكثر من 2000 ناخب يبلغون من العمر 18 عامًا أو أكثر، ما يصل إلى 239 استبيانًا حول تفضيلاتهم الانتخابية بعد الانتخابات وآرائهم حول الديمقراطية والاقتصاد والقضايا الاجتماعية.

أظهرت النتائج بوضوح أن الشباب الكوري الجنوبي أكثر تحفظًا من المجموعات الأخرى، لاسيما في قضايا النسوية وسياسات إعادة التوزيع والمواقف تجاه المهاجرين واللاجئين، وفقًا لجون كوك، أستاذ الدراسات السياسية في جامعة ميشيغان ستيت الذي ساعد في تصميم استبيانات الاستطلاع.

على سبيل المثال، رداً على السؤال “هل توافق على نظام الحصص الجنسانية للمناصب العامة العليا؟”، قال 71 في المائة من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً إنهم يرفضون ذلك بشدة أو إلى حد ما، في حين وافقت 63 في المائة من النساء على ذلك بشدة أو إلى حد ما.

ورداً على العبارة “هناك حاجة إلى حركة تحترم الذكورة وتدافع عن حقوق الرجال”، قال 47 في المائة من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً إنهم يوافقون بشدة أو بشكل معتدل، في حين قال 53 في المائة من الرجال في الثلاثينيات من العمر نفس الشيء. بالمقارنة، قالت 68 في المائة و72 في المائة من النساء اللواتي في نفس الفئة العمرية، على التوالي، إنهن يرفضن بشدة أو بشكل معتدل هذه العبارة.

الشباب والشابات الكوريون يعبرون عن آراء مختلفة بشكل ملحوظ بشأن المساواة بين الجنسين.

الشباب والشابات الكوريون يعبرون عن آراء مختلفة بشكل ملحوظ بشأن المساواة بين الجنسين.

ومع ذلك، كان من الواضح أيضًا أن غالبية الشباب الكوريين ظلوا ملتزمين بالديمقراطية ولم يتبنوا الآراء الاستبدادية أو نظريات المؤامرة التي يروج لها اليمينيون ، كما أضاف كوك.

على سبيل المثال، ردًا على العبارة التالية: “نظرًا لأن الديمقراطية الليبرالية في كوريا تمر بأزمة، فقد يكون من الممكن استخدام القوة لإنقاذها”، أعرب 61 في المائة من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا عن عدم موافقتهم بشدة أو بشكل معتدل. وفيما يتعلق بالعبارة “هل تشك في أن عملية التصويت في هذه الانتخابات الرئاسية قد تم تزويرها لصالح مرشح معين؟”، أعرب 52 في المائة من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا و62 في المائة من الرجال في الثلاثينيات من العمر عن عدم موافقتهم بشدة أو إلى حد ما.

أكدت الانتخابات الرئاسية التي جرت في حزيران/ يونيو الماضي تحول الشباب إلى المُعارضة. وأُجريت الانتخابات المبكرة عقب إقالة الرئيس السابق يون سوك يول. نتيجة لذلك، ذهبت غالبية الأصوات (37.2 في المائة) من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا إلى لي جون سوك، المرشح الذي انفصل عن يون مع حزبه المحافظ، حزب الإصلاح. وكان خيارهم الثاني (36.9 في المائة) مرشحًا من الحزب المحافظ الحاكم، الذي كان ينتمي إليه الرئيس السابق المقال يون.

من ناحية أخرى، صوتت حوالي 58 في المائة من نظيراتهم الإناث لصالح لي جاي ميونغ من الحزب الديمقراطي. بالإضافة إلى ذلك، دعمت ما يقرب من 6 في المائة من النساء في العشرينات من العمر مرشح الحزب الديمقراطي العمالي كوون يونغ كوك، على الرغم من أن حصته الإجمالية من الأصوات على مستوى البلاد كانت أقل من 1 في المائة.

هذا التوجه يعود إلى أبعد من ذلك. في عام 2014، ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أن كوريا الجنوبية تملك أحد أعلى معدلات الأنقسام بين الرجال والنساء في العالم، يرجع ذلك إلى حد كبير إلى ميول الشباب بشكل كبير نحو اليمين مقارنة بالدول الأخرى ذات الدخل المرتفع، بما في ذلك الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة.

المُجتمع الذكوري في كوريا يُشّكل السياسة والسياسات

قد يتساءل المرء عندئذٍ عن السبب وراء هذا الاختلاف الشديد بين الشباب الكوريين. هناك عامل واحد لا جدال فيه يجمع بين الكثير منهم، وهو المشاعر المُناهضة للنسوية. وقد تمت صياغة مصطلح للإشارة إليهم، وهو “إيدانام” (이대남)، وهو اختصار لكلمة تعني حرفيًا الرجال في العشرينات من العمر.

منذ الخمسينيات، ناضلت النسويات في كوريا الجنوبية من أجل المساواة في الفرص للمرأة في السياسة والتعليم وغير ذلك. اكتسبت الموجة الأخيرة من النشاط النسوي، بقيادة نساء من جيل الألفية وجيل زد بشكل أساسي، زخمًا حوالي عام 2016 بعد أن قَتَلَ رجل امرأة تبلغ من العمر 23 عامًا في حمام عام بالقرب من محطة مترو جانجنام. استهدف القاتل المرأة عمدًا، حيث اعترفَ لاحقًا أن “النساء عادة ما يتجاهلنني”.

أَثارت جريمة قتل المرأة موجة من النساء اللواتي حضرن لتقديم التعازي، فضلًا عن ضجة جماعية وزيادة في النشاط النسوي. وفي الوقت نفسه، دفعت العديد من الشباب إلى التعبير عن استيائهم والرد بأن جريمة القتل لم تكن جريمة قتل امرأة، بل جريمة ارتكبها رجل مصاب بمرض عقلي.

بدلًا من الانخراط في نقاشات عامة حول النظام الأبوي المتجذر في البلاد، والتمييز الهيكلي وكراهية النساء، والعنف ضد النساء، تم اختزال النقاشات حول القضايا النسوية إلى مجرد إطار “الرجال ضد النساء” أو “نحن ضدهم”.

في مقابلة عبر زووم مع غلوبال فويسز قال لي هان، المؤسس المشارك والناشط في منظمة “فمينسم وذ هِم” “Feminism with Him” الكورية غير الربحية التي تُعّلم النسوية للرجال :

In reality, [young men] say they’re anti-feminist, but do they actually understand feminism before opposing it? I think it’s more likely that they simply have a vague desire to return to traditional masculinity or the patriarchal system — or perhaps not even a desire to go back, but simply a fear of change itself.

في الواقع، يقول [الشباب] إنهم ضدّ النسوية، ولكن هل يفهمون النسوية حقًا قبل معارضتها؟ أعتقد أنه من المرجح أنهم ببساطة لديهم رغبة غامضة في العودة إلى الذكورة التقليدية أو النظام الأبوي — أو ربما ليس لديهم رغبة في العودة، بل مجرد خوف من التغيير نفسه.

شارك جانغ جايوك، طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عامًا، ملاحظة لي هان خلال مقابلة هاتفية مع غلوبال فويسز:

In the male-dominated online communities, women become the target of misogyny, because they are seen as standing in the way of their success — but this hostility could just as easily be directed toward another marginalized group.

في المجتمعات الإلكترونية التي يُهيمن عليها الرجال، تصبح النساء هدفًا للكراهية، لأنهن يُنظر إليهن على أنهن يقفن في طريق نجاحهم — ولكن هذه العداوة يمكن أن تُوَجه بسهولة إلى مجموعة مهمشة أخرى.

كما أشار جانغ إلى تعزيز المنتديات الإلكترونية مجهولة الهوية لثقافة أصبحت فيها النكات والتعليقات الصريحة التي تَنُم عن كراهية النساء والعنصرية والتمييز الجنسي أمرًا عاديًا، لدرجة أن طلاب المدارس الابتدائية يتقبلونها على أنها مجرد محتوى آخر للسُخرية.

بالإضافة إلى ذلك، عادة ما يتبادل الشباب المزاح والمعلومات على المنتديات الإلكترونية المجهولة الهوية مثل”إيلبي” “Ilbe” و”إف أم كوريا” “FM Korea”، التي نَمَت في نهاية المطاف لتصبح مساحات رجالية كورية تُمارس تأثيرًا ملموسًا على السياسيين وصُنع السياسات في البلاد.

على سبيل المثال، استهدف الرئيس السابق يون سوك يول المشاعر المعادية للنسوية لدى الناخبين الشباب الذكور، وأعلن بشكل مُشين أن “التمييز الجنسي الهيكلي لم يعد موجودًا”، وفاز بالرئاسة في عام 2022 بوعد انتخابي رئيسي بإلغاء وزارة المساواة بين الجنسين والأسرة.

يشرح لي هان لماذا لم تتحول الشابات، اللواتي يتعرضن بنفس القدر لظاهرة صدى الرأي على الإنترنت، إلى اليمين بالضرورة:

Young women have found a language called feminism. They realize that their struggling isn’t simply because they don’t work hard or lack ability, but because there are strong social factors such as the gender wage gap and the heavy burden of childcare and caregiving responsibilities placed on women. By recognizing these as structural problems that must be addressed collectively, feminism offered them a new sense of direction.

But for men, nothing like that has ever been offered. The only message they have received was, ‘You just have to work harder … if you fail, it’s because you didn’t try hard enough and that you’re a loser.’ In that setting, what is offered to them as an alternative is that society still makes men aspire to be like the old patriarchal figures, even though that’s no longer possible. I believe that this fragments men and inevitably makes them anxious. … That is why I argue that we need a feminist solution.

وجدت الشابات لغة تسمى النسوية. فهن يدركن أن معاناتهن لا ترجع فقط إلى عدم اجتهادهن أو قلة قدراتهن، بل إلى عوامل اجتماعية قوية مثل الفجوة في الأجور بين الجنسين والعبء الثقيل الذي يقع على عاتق النساء من مسؤوليات رعاية الأطفال والرعاية بشكل عام. ومن خلال الاعتراف بهذه المشكلات باعتبارها مشكلات هيكلية يجب معالجتها بشكل جماعي، قدمت النسوية لهن اتجاهاً جديدًا.

لكن بالنسبة للرجال، لم يتم تقديم أي شيء من هذا القبيل. الرسالة الوحيدة التي تَلَقوها كانت: “عليك فقط أن تعمل بجدية أكبر… إذا فشلت، فذلك لأنك لم تبذل جهدًا كافيًا ولأنك فاشل”. في هذا السياق، ما يُقدم لهم كبديل هو أن المجتمع لا يزال يجعل الرجال يتطلعون إلى أن يكونوا مثل الشخصيات الأبوية القديمة، على الرغم من أن ذلك لم يعد ممكنًا. أعتقد أن هذا يؤدي إلى تفكك الرجال ويجعلهم يشعرون بالقلق حتماً… لهذا السبب أرى أننا بحاجة إلى حل نسوي.

هناك عامل أساسي آخر وراء العداء الصارخ الذي يبديه العديد من رجال جيل زد تجاه المجموعات المهمشة وسياسات إعادة التوزيع، وهو يتعلق بنظام الجدارة.

يُمجّد نظام الجدارة المزايا المكتسبة ويدّعي أنه يُحول النخبة لتتناسب مع العصر الديمقراطي — وهو ما يعني في الأساس إعادة إحياء فكرة التسلسل الهرمي، وفقًا لما ذكره دانيال ماركوفيتز، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة ييل، في كتابه الصادر عام 2019 بعنوان “فخ نظام الجدارة“.

يجادل الكتاب بأن الجدارة في نظام الجدارة الحالي تخفي امتيازات النخبة على أنها نتائج “مكتسبة بشكل عادل” من العمل الجاد الفردي، بينما تتجاهل عمدًا عدم المساواة الهيكلية. وهذا، إن كان هناك أي شيء، أكثر صحة في كوريا الجنوبية منه في أمريكا أو الدول المتقدمة الأخرى.

من التعليم قبل المدرسي والتعليم الأساسي حتى دخول الجامعة، تهيمن الاختبارات الموحدة على قرارات القبول والتوظيف في البلاد — مما يخلق مقياسًا ضيقًا للجدارة يحدد فرص الالتحاق بالجامعات والوظائف في الشركات والمناصب المهنية أو العامة في مجالات مثل القانون والتعليم والإعلام والخدمة المدنية.

كما أن نظام الجدارة مُشرّع في الدستور الكوري، الذي ينص على أن “جميع المواطنين لهم الحق في الحصول على تعليم متساوٍ وفقًا لقدراتهم”.

بالنسبة للتعليم الخاص، أنفقت الأسر الكورية التي لديها أطفال في مراحل التعليم الأساسي ما مجموعه 29.2 تريليون وون كوري (حوالي 20 مليار دولار أمريكي) في عام 2024، وهو أعلى رقم مسجل على الإطلاق على الرغم من انخفاض عدد الأطفال في البلاد، وفقاً لوزارة البيانات والإحصاءات. منذ عام 2007، زادت نفقات التعليم الخاص بنحو 46 في المائة. في المتوسط، تنفق الأسر حوالي 5.7 مليون وون كوري (حوالي 3900 دولار أمريكي) لكل طفل سنويًا، مما يضع عبئًا ماليًا هائلاً على الأسر من جميع مستويات الدخل، على الرغم من أن العبء يكون ثقيلًا بشكل خاص على الأسر ذات الدخل المنخفض.

تساعد الإحصاءات التالية في تفسير سبب انشغال الأسر الكورية، بغض النظر عن مستوى دخلها، بالاستثمار بشكل مفرط في التعليم الخاص لأطفالها: فالالتحاق بالمدارس المرموقة من مرحلة الروضة حتى الصف الثاني عشر والتخرج من أفضل ثلاث جامعات يضمن الحصول على مناصب عليا في جميع مجالات المجتمع.

وفقًا لبيانات 2018-2021 الصادرة عن المحكمة العليا الكورية، يشغل خريجو جامعات SKY  – جامعة سيول الوطنية وجامعة كوريا وجامعة يونسي – التي تعتبر أكثر ثلاث مؤسسات تعليمية شهرة في البلاد، ما يقرب من 63 في المائة من المناصب القضائية، إذا ما احتسبنا القضاة فقط. واحد من كل ثلاثة نواب في الجمعية الوطنية هو خريج من جامعات SKY، وفقًا لبيانات 2018-2020 التي حللتها صحيفة محلية، هانكيونغ. وما يقرب من نصف الرؤساء التنفيذيين لأكبر 500 شركة محلية من حيث القيمة السوقية هم من خريجي جامعات SKY، وفقًا للبيانات الصادرة هذا العام عن سي إي أو سكور CEO Score، وهي شركة محلية لتحليل البيانات.

بارك كوونيل، الصحفي ومؤلف كتاب “الجدارة الكورية”، يناقش هوس الكوريين “بالإنصاف” والجدارة، مشيرًا إلى أن هذه ليست مجرد سمة من سمات الشباب اليوم، بل هي ميل متأصل بعمق في المجتمع الكوري. كتب بارك:

Koreans are not angered by inequality but by unfairness. … Moreover, they are not outraged by the inequality of privilege and seek to eliminate it; rather they are angered by the unequal access to privilege and wish to preserve the privilege itself.

الكوريون لا يغضبهم عدم المساواة، بل الظلم. … علاوة على ذلك، فهم لا يغضبهم عدم المساواة في الامتيازات ويسعون إلى القضاء عليها؛ بل يغضبهم عدم المساواة في الحصول على الامتيازات ويرغبون في الحفاظ على الامتيازات نفسها.

أضاف بارك في مقابلة عبر البريد الإلكتروني أن الشباب الكوريين يواجهون تناقضًا بين القيم الديمقراطية التي تُدرَّس في المدارس والأعراف السائدة في المجتمع، مما يجعلهم أكثر عرضة للريبة والسخرية تجاه نفاق الجيل الأكبر سنًا.

ويَزعم أن إيمان الشباب الكوريين الراسخ بالجدارة — أو ما يسميه “الجدارة المفرطة” — يُبرر التمييز والازدراء تجاه الأقل كفاءة.

تَنعكس روح الجدارة المفرطة أو “كل فرد لنفسه” السائدة بين الكوريين، وخاصة الرجال، في استطلاع أجرته مؤسسة هانكوك للأبحاث، الذي أظهر تزايد التأييد للسياسات المناهضة لإعادة توزيع الدخل .

طُلب من المشاركين في الاستطلاع اختيار أي من العبارتين يتفقون معها أكثر: “يجب على الأفراد تحمل مسؤولية أكبر عن  رفاهيتهم” أو “يجب على الحكومة تحمل مسؤولية أكبر عن رفاهية المواطنين”. بين الرجال في العشرينات من العمر، أيد أكثر من النصف (54 في المائة) المسؤولية الفردية على الرفاهية التي توفرها الدولة، مما يجعلهم الفئة العمرية والجنسية الوحيدة التي تفعل ذلك. بالمقارنة، فضلت 73 في المائة من النساء في العشرينات من العمر الرفاهية الاجتماعية على المسؤولية الفردية.

فيما يتعلق بسياسة الحصص الحالية للأشخاص ذوي الإعاقة في الوظائف الحكومية والعامة، أيدها حوالي 47 في المائة فقط من الرجال في العشرينات والثلاثينات من العمر، مما يجعلهم أقل الفئات دعمًا لها بين جميع الفئات السكانية. كانت نسبة المعارضة بين الرجال مرتفعة بنفس القدر تقريبًا، حيث بلغت 33 في المائة لمن هم في العشرينات من العمر و47 في المائة لمن هم في الثلاثينات من العمر. في المقابل، أيدت 71 في المائة من النساء في العشرينات من العمر و68 في المائة من النساء في الثلاثينات من العمر نظام الحصص.

وأضاف بارك أن تحول الجدارة إلى عقيدة اجتماعية لا جدال فيها أدى إلى تغذية ثقافة الكراهية العرضية التي يتم التعبير عنها من خلال المزاح أو النكات أو الترفيه.

أصبح خطاب الكراهية الاجتماعي الاقتصادي أو القائم على الجدارة متجذراً بعمق بين الشباب في المنتديات الإلكترونية في السنوات الأخيرة. غالباً ما يُظِهر هؤلاء الأشخاص عداءً شديداً تجاه الإجراءات الإيجابية أو السياسات التي تهدف إلى دعم الفئات المهمشة، بحجة أن مساعدة “من لا يملكون القدرة” تعادل التمييز العكسي أو الاستغلال.

أوه أونتشان، طالب يبلغ من العمر 24 عامًا في جامعة كوريا، أخبر غلوبال فويسز أنه شهد ثقافة مفرطة في التمييز على أساس الجدارة بين زملائه في الحرم الجامعي.

[They] perceive blind recruitment policies as a form of discrimination [against them]… Even graduates from prestigious universities are struggling to find jobs these days. As it becomes harder to reproduce existing privilege than it was in the past, they feel strong resentment when their university’s prestige no longer gives them an advantage.

[هم] ينظرون إلى سياسات التوظيف العمياء على أنها شكل من أشكال التمييز [ضدهم]… حتى خريجو الجامعات المرموقة يواجهون صعوبة في العثور على وظائف في الوقت الحالي. ونظرًا لأنه أصبح من الصعب الحفاظ على الامتيازات الحالية أكثر مما كان عليه في الماضي، فإنهم يشعرون بامتعاض شديد عندما لا يعود شهرة جامعتهم تمنحهم ميزة.

غالبًا ما كان يشهد اونتشان زملاءه في جامعته يقللون من شأن زملائهم في حرم سيجونغ الجامعي، حيث درجات القبول أقل، ويحاولون الابتعاد عنهم.

وقد ردد جانغ، البالغ من العمر 22 عامًا والذي يدرس في جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية، هذه الملاحظة، مسلطًا الضوء على التمييز والعداء المتفشيين على أساس الجدارة. ويلاحظ أنه من الشائع جدًا في الحرم الجامعي سماع محادثات تسخر من المجموعات المهمشة أو تحط من شأنها — مثل المعاقين والنساء والمهاجرين — دون أي تفكير نقدي بين الطلاب أنفسهم:

It is not just one or two but among many groups of men on campus that you’d hear derogatory comments against the SADD [the organization Solidarity Against Disability Discrimination], women, and Chinese [migrants].

ليس فقط واحد أو اثنين، بل بين العديد من مجموعات الرجال في الحرم الجامعي، يمكنك سماع تعليقات مهينة ضد SADD [منظمة التضامن ضد التمييز ضد الإعاقة]، والنساء، والصينيين [المهاجرين].

منذ عام 2021، نظمت جماعة محلية ناشطة في مجال حقوق ذوي الإعاقة تدعى “التضامن ضد التمييز ضد ذوي الإعاقة” (SADD) سلسلة من الاحتجاجات من أجل حقوق التنقل لذوي الإعاقة. ومن أشهر أعمالهم، محاولة أعضاء SADD الذين يستخدمون الكراسي المتحركة ركوب قطار المترو في وقت الذروة الصباحية، مما تسبب في تأخير ومضايقة للمسافرين. لكن بدلاً من الدخول في مفاوضات مع النشطاء لمناقشة سبل تحسين نظام المترو الخالي من العوائق في المدينة، اعتمد عمدة سيول باستمرار على قوات الشرطة لإبعاد المتظاهرين، بل ورفع دعوى قضائية ضد النُشطاء بسبب أنشطتهم “غير القانونية”.

ما يلفت الانتباه هو رد الفعل السلبي، بل والازدراء، من قبل العديد من سكان سيول تجاه احتجاجات SADD. أجرت هانكوك ريسيرچ Hankook Research استطلاعًا منفصلاً في عام 2022 لتقييم آراء المواطنين حول احتجاج SADD. سأل الاستطلاع: “كيف تقيم الطريقة التي قامت بها SADD بالاحتجاج؟” وافق نصف المستجيبين، بشكل قوي أو معتدل، على العبارة التالية: “حتى لو كان مطلبهم مشروعًا تمامًا، لا أستطيع أن أفهمه على الإطلاق، لأنه تسبب في إزعاج الآخرين”.

قال لي هان من Feminism With Him أن هذه الكراهية تجاه الفئات الضعيفة مرتبطة بالذكورة المهيمنة، التي يستغلها السياسيون أو المؤثرون لكسب التأييد الشعبي:

Backlashes or anti-feminism voices are not that common in classrooms or educational settings. However, when politicians or influencers shamelessly talk about such things on screen or in public spaces, I felt the backlash become intense and blatantly visible in the field…In the context of hegemonic masculinity and capitalism, the traditional mentality of success such as ‘first and foremost, you need to succeed’ has never really been halted; instead it has only become more entrenched.

ردود الفعل السلبية أو الأصوات المناهضة للنسوية ليست شائعة في الفصول الدراسية أو الأوساط التعليمية. ومع ذلك، عندما يتحدث السياسيون أو المؤثرون دون خجل عن مثل هذه الأمور على الشاشة أو في الأماكن العامة، شعرت أن ردود الفعل السلبية أصبحت شديدة وواضحة للعيان في هذا المجال… في سياق الذكورية المهيمنة والرأسمالية، لم تتوقف أبدًا العقلية التقليدية للنجاح مثل “أولاً وقبل كل شيء، عليك أن تنجح”؛ بل أصبحت أكثر ترسخًا.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.