ما معنى عودة طارق الرحمن لبنغلاديش بعد نفيه لمدة 17 عامًا؟

Tarique Rahman and Prof. Muhammad Yunus meeting in London. Image via Wikipedia Commons by Press Information Department of Bangladesh. Public Domain.

لقاء بين طارق الرحمن والبرفيسور محمد يونس في لندن، المملكة المتحدة، مصدر الصورة من ويكميديا كومنز، قسم المعلومات الصحفية في بنغلاديش، المجال العام.

عاد رئيس الحزب الوطني في بنغلاديش، طارق الرحمن أوائل هذا الشهر إلى البلاد، بعد نُفيه إلى الخارج لمدة 17 سنة،. وصل رئيس الوزراء، 60 سنة، إلى العاصمة دكا يوم الثلاثاء، 8 يناير/كانون الثاني، بعد أن قضى حياته في المملكة المتحدة منذ هروبه من بنغلاديش عام 2008 بسبب اضطهاد ذو دوافع سياسية. رافق هذه الحظة المنتظرة لعودته للوطن مشاعر جارفة واستقبال شعبي كبير، كما رحبَ به آلاف المتابعين في مدينة بورباتشال في بنغلاديش.

من هو طارق الرحمن؟

يعتبر طارق الرحمن الابن لبكر لرئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء والرئيس السابق ضياء الرحمن. في عام 2007، خلال فترة حكم شيخة حسينة اُتهم طارق الرحمن بارتكاب 84 نشاط غير قانوني، تشمل الفساد وغسيل الأموال والتشويه وجرائم القتل، وحُكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات.

عملَ والده، ضياء الرحمن، ضابط عسكري ومن ثم قائد سياسي ومؤسس الحزب الوطني البنغلادشي، وشغل منصب رئيس البلاد منذ عام 1977 إلى 1981. احتجزت الحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش طارق الرحمن من عام 2007 إلى 2008 و أُطلقَ سراحه إلى المملكة المتحدة لتلقي العلاج الطبي، وبقيَ مُنفي هنالك في لندن.

حُكم على طارق الرحمن بارتكاب عدة جرائم في بلده منهم ارتباطه بحادثة اغتيال رئيسة الوزراء آنذاك شيخة حسينة ولكن في 5 مارس/آذار، 2025، قامت شعبة الاستئنافية للمحكمة العليا بتبرئة طارق الرحمن من معظم الجرائم.

ما معنى عودة طارق الرحمن بالنسبة للحزب الوطني البنغلادشي؟

في ديسمبر/كانون الأول 2024، وصفَ المتحدث الرسمي لحزب الوطني البنغلادشي، روهول كبير ريزفي، عودة طارق الرحمن “ لحظة سياسية حاسمة” للبلاد. كما تعتبر عودته فترة مهمة، يقود حزب الوطني البنغلادشي مجموعات معارضة في المشهد السياسي الجديد في بنغلاديش الذي ظهر بعد الإطاحة بحكومة رابطة عوامي التي قادتها رئيسة الوزراء شيخة حسينة خلال حركة يوليو. أطلق هذه الحركة طلاب في 5 أغسطس/آب، 2024، أدت إلى إسقاط الحكومة واستقلال الشيخة حسينة.

صرحَ الأمين العام للحزب الوطني البنغلادشي، ميرزا فخر الإسلام علمجير، بأن عودة الحزب الوطني البنغلادشي إلى السلطة سيؤدي إلى تعيين رئيسة الوزراء المنتخبة لثلاث مرات خالدة ضياء في حال تمتعها بصحة جيدة وإلا سيكون طارق الرحمن مرشحهم ليصبح رئيس الوزراء. وتوجهت أنظار الحزب لطارق الرحمن لتولي القيادة بعد وفاة خالدة ضياء في 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

أنهى وفاة خالدة ضياء واحدة من أكثر السياسات المؤثرة في جنوب آسيا الحديثة. صورت حياتها السياسية الصراع الدائم بين التطلعات الديمقراطية وضعف مؤسسات الدولة وبين ترسيخ الوطنية والتكامل الإقليمي وبين الاستقلالية والاعتماد على الهند. وبما أن بنغلاديش تمر بمرحلة سياسية انتقالية جديدة، قدمت حياة خالدة نظرة راسخة لتداخل الوطنية والديمقراطية والنظام الإقليمي.

تعزز عودة طارق الرحمن في وسط غياب خالدة ضياء أساس الحزب الوطني البنغلادشي وتحاول جاهدً لإقناع المنتخبين المترددين في المستقبل القريب، لكن استثمار الزخم لتحقيق النجاح في الانتخابات لا بد على طارق الرحمن إظهار القدرة لتواصل مع الشعب وتوحيد مجتمع منقسم بشدة وتقديم خارطة مثالية تفصيلية لإصلاح والتحول الديمقراطي.

علاقة الحزب الوطني البنغلادشي بالجماعة الإسلامية

يعتبر حزب الجماعة الإسلامية أكبر حزب سياسي إسلامي في بنغلاديش، وكان حليف الحزب الوطني البنغلادشي في أثناء توليه إدارة البلاد من عام 2004 ولغاية 2006، ولكن خيّمَ على هذه العلاقة، ما بين الحزبين، التوتر لفترة طويلة، ونظر الحزب الوطني البنغلادشي لإعادة تموضع موقعه كقوة مركزية.

بعد عدة سنوات، ظهرت احتمالية استئناف التحالف بين الحزبين بعد أن قام حزب الجماعة بإنهاء العلاقات مع الحزب الوطني البنغلادشي فورة قيام الانتخابات الوطنية في 12 فبراير/شباط. وفي 1 يناير/كانون الثاني. صرحَ رئيس حزب الجماعة الإسلامية، شفيق الرحمن، بأن الحزبين سيتعاونان في المستقبل كما كانَ في الماضي من أجل مصلحة البلاد، وأتى هذا التصريح بعد أن زارة مكتب الحزب الوطني البنغلادشي، الواقع في مدينة غولشان، لتعزية وفاة خالدة ضياء، تقرير صادرة عن صحيفة بروثوم ألو.

أضاف شفيق الرحمن قائلاً “عبّرَ قادة الحزب الوطني البنغلادشي منهم طارق الرحمن، القائم بأعمال رئيس الحزب الوطني البنغلادشي، عن رغبتهم بذلك، كما ناقشنا فكرة من أجل مصلحة استقرار البلاد لخمس سنوات واستعادة بيئة صحية وآمنة يجب علينا أن نأتي بشيء جيد سويةً، كما سنقوم بإذن الله بعد الانتخابات مباشرةً وقبل تشكيل حكومة جديدة بجلوس وتحدث بحرية، سنفكر من أجل مصلحة البلاد وصنع قرارات تخدم البلاد.” ويأخذ شفيق الرحمن بعين الاعتبار بتشكيل حكومة موحدة بعد الانتخابات الوطنية المقبلة، حسب ما أفادت وكالة رويترز.

حسب ما قال المحلل السياسي الأسترالي-البنغلادشي فايز حسين أن هؤلاء الأشخاص الذين ينتظرون الديمقراطية في الانتخابات بعد 12 فبراير/شباط سيواجهون صدمة حقيقية،”هنالك دعم لحزب الوطني البنغلادشي بعد زوال رئيسة الوزراء السابقة، خالدة ضياء، وفي ظل غياب رابطة عوامي فمن المؤكد فوز حزب الوطني البنغلادشي بالانتخابات، فما الفائدة من التحدث عن حكومة موحدة قبل حدوث الانتخابات؟”.

يبقى السؤال، هل ستكون بنغلاديش قادرة على تجاوز هذه المرحلة السياسية غير المستقرة والتوجه نحو مرحلة الديمقراطية في حال نجاح حزب الجماعة بتشكيل حكومة موحدة؟ من سيقود بنغلاديش في المستقبل القريب بما أنها على وشك الدخول في صراعات داخلية طويلة؟

فرصة نجاح وسط الفوضى

تعتبر هذه اللحظة السياسية مهمة جداً بالنسبة لحزب الوطني البنغلادشي، فإما أن تقرر نصرهم أو فشلهم، وأدى حكم شيخة حسينة الأوتوقراطي (الحكم الاستبدادي) إلى “حكم الدهماء” في الحكومة الانتقالية الحالية، وهذا كما تلاشت “الوعود ببناء ببنغلادش جديدة” بسبب فشل الحكومة الانتقالية الحالية بتطبيق القانون والنظام في أنحاء البلاد.

أوشك حزب المواطن الوطني، وليد حركة يوليو/تموز-أغسطس/آب، على خسارة شرعيته خصوصًا بعد الإعلان الرسمي عن تحالفه الانتخابي مع حزب الجماعة الإسلامية. دفع العديد لتساؤل حول مصداقية حزب المواطن الوطني خصوصًا بعد معرفة التاريخ السياسي المتناقض لحزب الجماعة الإسلامية. لم يؤيد حزب الجماعة حرب استقلال بنغلاديش عام 1971 وتُهمَ بالمشاركة في الإبادات وجرائم أخرى خلال حرب التحرير اللاحقة. ووصفت المعارضة لحزب الجماعة الإسلامية بأن هذا التحالف لا يتوافق بشكل أساسي مع روح الديمقراطية في بنغلاديش، وأدت تطورات هذا التحالف إلى استقلال منذ 1 يناير/كانون الثاني 13 قائد مهم في حزب المواطن الوطني الذي قاده الطلاب.

في الوقت نفسه يسعى اليمين المتطرف عمدًا إلى توجيه بنغلاديش لتبني الثيوقراطية الإسلامية في حكمها (نظام حكم يعتمد على الشريعة الإسلامية)، وسببَ ازدياد التطرف القلق لدى الحداثيين والفصائل الليبرالية داخل المجتمع مما دفع العديد منهم للبحث عن بديل سياسي والتطلع لطارق الرحمن كمنقذ محتمل.

أظهرَهذا الفراغ حزب الوطني البنغلادشي بفرصة نادرة ليبرهن نفسه لشعب البنغلاديش، ويُرى على نطاق واسع بأنه المتصدر في الانتخابات القادمة وعلى أن يكون طارق الرحمن المرشح الرائد للفوز برئاسة الوزراء، ويظهر حزب الوطني البنغلادشي متوق لسيطرة على مساحة سياسية التي تركها حزب رابطة عوامي المحظور حاليًا في بنغلاديش.

“لدي خطة”

أشار طارق الرحمن في كلمته عند عودته للوطن إلى خطاب مارتن لوثر كينغ ذا جونيور التاريخي ” لدي حلم” الذي حدث عام 1963، وقال طارق الرحمن واقفًا أمام الداعمين لهُ في دكا، بأنه يملك خطة تهدف إلى خدمة الشعب والنمو السريع لتنمية وتغيير حياة المدنيين.

أعلن قائلاً:”أقف اليوم على أرض بنغلاديش، كعضو في الحزب الوطني، أقول أمامكم جميعًا بأنني أملك خطةً لشعب بلدي ولبلدي.” رغم أن الرحمن لم يفصح عن تفاصيل الخطة، فهو بحاجة مساعدة القوات الديمقراطية في أنحاء البلاد، وأضافَ: “إذا وقفتم إلى جانبنا، بإذن الله سنكون قادرين على تنفيذ هذا الخطة.”

ودعا طارق الرحمن مرارًا في خطابه، الذي استمرَ لمدة 15 دقيقية، للوحدة بين القوات الديمقراطية  لترسيخ السلام والانضباط والأمن والأمان للمواطنين، “سنقوم بذلك مهما كلف الأمر”.

الطريق أمامنا

تحدث الرحمن عن بناء بنغلاديش جديدة تضم جميع الناس على أختلاف معتقداتهم وهوياتهم بدءً من المناطق الجبلية المرتفعة إلى السهول. وتمتلك منطقة شيتاغونغ هيل تراكس تاريخ طويل من الصراعات، نسبة لسياسات الاحتلال البريطاني التي عززت المستوطنات البنغالية في المنطقة، مؤديًا إلى تهجير وتهميش السكان الأصليين. تبنت لاحقًا حكومات البنغلاديشية المتعاقبة سياسة الاستيعاب القسري، التي أدت إلى سخط متزايد وعدم الثقة لدى هذه المنطقة منخفضة السكان.

حتى في فترة حكم الحكومة المؤقتة يستمر ظهور تقارير للمعاملة اللاإنسانية التي تقوم بها قوات الأمن، وتبقى قدرة حزب الوطني البنغلادشي تحت قيادة طارق الرحمن على معالجة العنف والتمييز في المنطقة سؤالً مفتوح.

على نطاق واسع يواجه طارق الرحمن مشكلة عسيرة في البلاد، الزيادة المفاجئة في أعمال العنف ضد الأقليات الدينية والنساء والفنانين والمنشقين.

رغم عدم الإعلان بشكل صريح عن الخطة التي تحدث عنها طارق الرحمن كثيرًا، فأنه يواجه العديد من التحديات؛  منها: الضغط على قيام انتخابات عامة حرة ونزيهة. تعتمد مشاركته في الساحة السياسية للبلاد، باعتباره رمزً للوطن، على قدرته لتجاوز الانتماء الحزبي، ويأكد المحللون بأن بنغلاديش ليست بحاجة إلى أشخاص مخلصين جدد بل تحتاج حزب سياسي ديمقراطي مع  قيادة ذات عقلية ديمقراطية يتحملون المسؤولية الجماعية.

تبقى قدرة طارق الرحمن على مواجهة هذا التحدي قضيةً أساسية للكشف عن المستقبل السياسي في بنغلاديش.

التعليقات مغلقة