تُعدّ قضية الدكتورة عافية صديقي، عالِمة الأعصاب الباكستانية التي تلقت تعليمها في الولايات المتحدة الأمريكية، جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الجمعية الباكستانية منذ أكثر من عقدين. وقد اكتسبت قضيتها اهتمامًا عالميًا واسعًا بعد إدانتها في الولايات المتحدة عام 2010، حيث تقضي حاليًا حكمًا بالسجن لمدة 86 عامًا في ولاية تكساس، على خلفية محاولة قتل وجنايات أخرى.
ولا يزال
الغموض يلفّ ظروف احتجازها ومعاملتها، إذ لم تخضع حقائق جوهرية للشفافية أو للرقابة الدولية المستقلة. بدلًا من ذلك، قدّمت كلٌّ من
الولايات المتحدة و
باكستان روايات متناقضة حول اختفائها عام 2003 وظهورها مجددًا في الحجز الأميركي عام 2008. وخلال الفجوة الزمنية بين الروايتين، تآكلت ثقة الرأي العام في الطرفين.
واقعة عام 2008 والرواية الأميركية الرسمية
تعتمد الرواية الأميركية الرسمية على أحداث وقعت في يونيو/حزيران 2008. ووفقًا
لسجلات المحكمة، اعتقلت الشرطة الأفغانية عافية صديقي في مدينة غزني، وزعمت السلطات أنها
عثرت بحوزتها على وثائق يُشتبه بارتباطها بصناعة متفجرات.
خلال استجوابها من قبل جنود أميركيين،
ادّعت السلطات أنها استولت على بندقية من طراز إم4 وأطلقت النار. ولم يُصَب أيٌّ من الجنود، في حين أُصيبت صديقي
برصاصة في جذعها أثناء المواجهة.
ونُقلت لاحقًا إلى نيويورك، حيث
أدانتها هيئة محلفين فيدرالية بتهم مرتبطة فقط بهذه الحادثة. اللافت أنها
لم تُدان بتهم الإرهاب أو الانتماء إلى تنظيم القاعدة، بل تحديدًا بمحاولة قتل عناصر من القوات الأميركية خلال تلك الواقعة. وصدر بحقها حكم بالسجن لمدة 68 عامًا، جرى تشديده لاحقًا ليصل فعليًا إلى 86 عامًا.
السنوات المفقودة: 2003 – 2008
تشير صديقي في
شهادتها إلى أنها اختُطفت في كراتشي عام 2003 على يد قوات أمن باكستانية، واحتُجزت في منشأة سرية تُعرف “بالموقع الأسود”. وقد
اختفى أطفالها الثلاثة معها، وعند ظهور أحدهم لاحقًا، ظل مصير الطفلين الآخرين موضع جدل واسع.
صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، من بينهم باحثون في صحيفة الغارديان،
رجّحوا أنها خضعت لاحتجاز غير مُعلَن، وربما في قاعدة باغرام الجوية بأفغانستان. كما
تحدث معتقلون سابقون عن ما عُرف “سيدة باغرام الرمادية”، التي كان يُسمع صوتها داخل المنشأة. ورغم هذه الشهادات، لم تُثبت تلك الادعاءات أمام المحكمة، ولم تخضع
لتحقيق مستقل شامل.
أثارت الأدلة المتعلقة بحادثة إطلاق النار عام 2008
شكوكًا طويلة الأمد لدى مراقبين مستقلين. فقد أشار تقرير الطب الشرعي إلى غياب بقايا البارود عن يدي صديقي، وعدم العثور على بصمات لها على السلاح، فضلًا عن عدم وجود أي آثار رصاص أو إصابات على الهدف المزعوم، رغم الادعاء بأن المواجهة جرت من مسافة قريبة.
كما أعربت منظمة العفو الدولية، التي راقبت مجريات المحاكمة، عن
مخاوف جدية بشأن نزاهتها، وانتقدت رفض المحكمة التحقيق في “السنوات المفقودة”. ورغم أن هذه الشكوك لا تُبطل الحكم من الناحية القانونية، فإنها
تسلط الضوء على التفاوت الصارخ بين ضعف الأدلة التي خضعت للفحص وثقل العقوبة التي تمتد عمليًا لقرابة قرن من الزمان.
صمت باكستان ودورها الملتبس
يقع الدور الباكستاني في قلب هذا التاريخ المعلّق. فقد
أفادت منظمات حقوقية، من بينها لجنة حقوق الإنسان الباكستانية، بوجود مؤشرات قوية تدعم فرضية اعتقال صديقي وأطفالها على يد أجهزة الاستخبارات الباكستانية عام 2003.
تتكرر الادعاءات بأنها سُلّمت لاحقًا إلى الولايات المتحدة مقابل “مكافأة مالية”، وهي ممارسة وثّقها محامون وناشطون، من بينهم
كلايف ستافورد سميث، الذي أشار إلى أن عناصر داخل الجهاز الأمني الباكستاني حققت مكاسب من عمليات “الترحيل الاستثنائي” خلال ذروة المساعدات المالية الأميركية للمنطقة. حتى اليوم، لم تُثبت باكستان هذه الادعاءات، كما لم تنفِها بأدلة واضحة، ما يعكس
تناقضًا مستمرًا في موقف الدولة. ففي الوقت الذي تُبدي فيه السلطات تعاطفًا علنيًا مع من تصفها بـ«ابنة الوطن»، تلتزم صمتًا تكتيكيًا إزاء الآليات الدقيقة لاختفائها عام 2003.
الوضع الراهن ومزاعم الانتهاكات
تتجلّى الكلفة الإنسانية لهذا التاريخ غير المحسوم اليوم بوضوح. عافية صديقي
لا تزال محتجزة في المركز الطبي الفيدرالي (FMC) كارزويل بولاية تكساس. و
يؤكد أنصارها أنها تُحرَم بشكل متكرر من الرعاية الطبية الكافية، ولا يُسمح لها بممارسة شعائرها الدينية بحرية، فضلًا عن تعرضها
لانتهاكات متعددة. وقد وجّه محاميها الحالي، كلايف ستافورد سميث،
اتهامات خطيرة في أواخر عام 2023، صرّح فيها بأنها
تعرّضت لإيذاء جسدي واعتداءات جنسية من قبل حراس ونزيلات داخل السجن.
القضاء الباكستاني ونفاد الصبر في مقابل إصرار الولايات المتحدة على أن القضية القانونية قد أُغلِقت، بدأ القضاء الباكستاني يُظهر نفاد صبره تجاه تقاعس حكومته. فبين يوليو/تموز 2025 وبداية عام 2026، وبّخت محكمة إسلام آباد العليا مسؤولين حكوميين
مرارًا لاستخدامهم القضية كأداة سياسية رمزية، بدل اتباع مسار قانوني جاد ومستدام.
تساءل القضاة صراحة عن سبب عدم لجوء الدولة إلى أي محفل قضائي دولي، إن كانت تؤمن فعلًا بأن مواطنتها تعرّضت لظلم جسيم. وأعادت هذه التساؤلات توجيه الأنظار إلى الداخل: فباكستان تطالب بالعدالة في الخارج، لكنها تتجنب المساءلة في الداخل.
القوة في مواجهة المساءلة
تستمر قضية عافية صديقي لأنها تكشف آليات حماية السلطة لنفسها. فالولايات المتحدة
تتعامل مع حكم عام 2010 بوصفه كلمة الفصل، ما يؤدي عمليًا إلى تحصين الأسئلة المقلقة حول الاحتجاز السري من أي مساءلة. أما باكستان، فتتعامل مع القضية
كأداة سياسية نافعة للخطاب الشعبوي، لكنها شديدة الحساسية حين يتعلق الأمر باستدعاءات قضائية حقيقية.
لم تسمح أي من الدولتين بكشف كامل عن السنوات الخمس المفقودة، كما لم تقبل أي منهما بمخاطرة أن تُحرج الحقيقة مؤسسات بعينها.
في المحصلة، يُترك الرأي العام مع
شذرات متناثرة: إدانة قائمة على لحظة محل نزاع،
وخمس سنوات غامضة، وامرأة تحولت إلى رمز عالمي لأن الحقيقة عُدّت محرِجة إلى الحد الذي فضّلت معه المؤسسات المعنية الصمت.
وكما لاحظ خبراء قانونيون، من بينهم الراحل رامزي كلارك، قضية عافية صديقي
تظل واحدة من أكثر الأمثلة إزعاجًا على كيفية استخدام القانون لطمس الحقيقة بدلًا من كشفها.
الصمت يحمي السلطة. والاستقصاء يخدم العدالة.
1 تعليق
My heartfelt thanks to Abdelrhman.Warrag for translating my article into Arabic for Global Voices.
Your effort, linguistic skill, and thoughtful rendering of a complex subject are deeply appreciated. May the Almighty bless you and your skills for translating my article with such care.
Ramadan Kareem Mubarak. May you remain happy, healthy, and successful in all that you do.