
صورة لأرزو جيبولاييفا، تم إنشاؤها باستخدام كانفا برو.
شهدت تركيا منذ الرابع من أغسطس/آب فضائح عن شبكة تزوير واسعة النطاق، متهمة بإصدار شهادات جامعية مزورة وتغيير السجلات الأكاديمية، حتى التلاعب بامتحانات رخصة القيادة. حسب المدعين العامين، اخترق المشتبه فيهم نظام الحكومة الإلكترونية لتركيا، إي-ديفلت (إي-ستيت)، من خلال حصولهم بطريقة احتيالية على توقيعات إلكترونية لكبار المسؤولين في الوزارات والجامعات والوكالات التنظيمية.
بواسطة الشهادات رقمية المسروقة التي في حوزتهم، قام المشتبه فيهم بتزوير شهادات جامعية في مجال القانون وعلم النفس والهندسة المدنية. كما قاموا بتغيير السجلات لتحسين معدلات الطلاب أو تيسير عمليات النقل. حتى أنهم عبثوا باختبارات رخصة القيادة من خلال تسجيل المترشحين الفاشلين في الاختبار – بما في ذلك بعض الأميين- على أنهم نجحوا.
وفقًا لصحيفة فاينانشال تايمز، “من ضمن الأشياء الأكثر إثارة للجدل هو ما يعتقد أنها شهادة مزورة منحت لمهندس مدني، الذي حازت شركته بأهم مناقصات البنية التحتية، وكذلك الهويات المسروقة لمحامين قد توفوا في زلزال 2023 المدمر.”
تاريخ طويل من تسريبات البيانات في تركيا
لطالما كان المواطنون الأتراك عرضة لانتهاكات المعلومات الشخصية، كما حصل في 2016، حين تسربت بيانات شخصية لحوالي 50 مليون شخص، تشمل أسماء وعناوين وأسماء الوالدين وأماكن الولادة وتواريخ الميلاد وأرقام الهويات الوطنية. في العام التالي، تمت سرقة بيانات شخصية خاصة بحوالي 60 مليون مشترك في تركسل، المشغل الرئيسي لنظام الاتصالات المتنقلة العالمي في تركيا.
في 2021، أدى الهجوم الإلكتروني على أكبر تطبيق لتوصيل الطعام في البلد، ييميكسيبيتي، إلى تسريب بيانات 19 مليون مستخدم، التي تتضمن تسجيلات الدخول وأرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني ومعلومات العناوين. في 2023، عقب اختراق البوابة الإلكترونية الرئيسية للإدارة العامة في البلد، تم تسريب بيانات لحوالي 85 مليون مواطن تركي، والملايين من المقيمين.
كما واجهت سنة 2024 هجوم إلكتروني على نظام إدارة المعلومات التابع لمستشفى محلي بإسطنبول، نتج عنه تسريب لسجلات طبية الخاصة بملايين المرضى. في نفس العام، كشفت السلطات التركية أن عملية خرق البيانات الحاصلة خلال فترة الوباء، ترتب عنها سرقة بيانات أكثر من 100 مليون مواطن، بمن فيهم المقيمين بالخارج واللاجئين وغيرهم من الأفراد المسجلة أسماؤهم لدى المؤسسات الرسمية.
كما شهد شهر يناير/كانون الثاني 2025 انتهاك لبيانات الأقمار الصناعية. بحلول مارس/آذار، اعتمدت تركيا قانون جديد للأمن السيبراني، الذي قدم تدابير صارمة، مثل تجريم الإبلاغ عن انتهاكات البيانات ومنح رئيس إدارة الأمن السيبراني، المنشأة حديثًا، صلاحيات استثنائية. في ذلك الوقت، جادل النقاد بأن غموض القانون وصياغته الواسعة النطاق يركزان بشكل غير متناسب على التحكم في السرديات على الإنترنت، بدلًا من تأمين البنية التحتية الرقمية. أعلن لاحقًا مجلس التعليم العالي (يوك)، المتمثل في مؤسسة حكومية مسؤولة عن الإشراف على الجامعات، أنه قدم شكاوى جنائية ضد الأفراد والمؤسسات الذين نشروا مثل هذه الادعاءات.
في هذه الأثناء، أكدت الوزارة الدخيلة أنها كانت على علم بآخر خرق. مع أن التفاصيل لم يتم الإعلان عنها إلا في أغسطس/آب، إلا أن الوزارة قد فتحت تحقيق منذ عام وألقت القبض على ما يقرب 200 مشتبه فيه على صلة بالانتهاك. قال وزير الداخلية في تغريدة على X أن التحقيقات الجارية أدت إلى اكتشاف 57 شهادة مزورة على الأقل و108 رخص قيادة مزيفة وأربعة شهادات الثانوية العامة الزائفة.
في اليوم السادس من أغسطس/آب، قدمت تولاي هاتيموغلو وتونسر باكيرهان، الرئيسان المشاركان لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب، شكوى للنيابة العامة في أنقرة، مطالبين بتحقيق جنائي شامل ضد الأفراد والمؤسسات المتورطة في الانتهاك.
Support Global Voices as we publish more articles like this one
ردة الفعل المؤسسية والإنكار
بعد انتشار أخبار الفضيحة، نفى مجلس التعليم العالي هذه البلاغات بشدة، قائلًا أنه لم يعمل أي من المشتبه فيهم قيد التحقيق كأكاديميين في الجامعات التركية.
مطالبةً بمحاسبة المسؤولين ومعاقبتهم بأشد العقوبات، وصفت نقابة المحامين في إسطنبول الفضيحة بأنها ضربة للنظام العام و”إهانة كبيرة” لزملائهم الذين خسروا حياتهم في الزلازل وتم تغيير سجلاتهم الأكاديمية بشكل غير قانوني.
قال اتحاد غرف المهندسين والمهندسين المعماريين الأتراك أنها احدى قضايا التزوير الأكثر خطورة في تاريخ الجمهورية، وربطها بسنوات من تدهور نظام الجدارة وضعف الرقابة. “ليست هذه القضية مجرد حادثة معزولة،” قال إمين كوراماز، رئيس اتحاد غرف المهندسين والمهندسين المعماريين الأتراك، “بل أنها مظهر من مظاهر الانحلال المنظومي، حيث يتم تقويض الثقة العامة وتجاهل المعايير المهنية.”
مطالبين بالمساءلة، بما في ذلك تقديم الاستقالات وإجراء مراجعة تقنية مستقلة، سلطت غرفة مهندسي الكمبيوتر الضوء على العيوب الخطيرة للبنية التحتية الرقمية التي كشفت عنها التوقيعات الإلكترونية المنسوخة. أما الرابطة التركية لعلماء النفس، فقد أشارت إلى حالات تثير الذعر من علماء النفس المحتالين الذين يعالجون المرضى مقابل أجور. وحذروا على أن هذه الممارسات تعرض الصحة العامة للخطر ووجهوا النداءات مجددا من أجل إصدار القانون المهني الذي طال انتظاره.
أكد نوردان كيليتش من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب على أن الفضيحة ليست مجرد قضية من قضايا المخالفات المعزولة، بل أنها هيكل إجرامي متعدد الأبعاد، قام باختراق مستويات متنوعة من الدولة وتقويض النظام العام والثقة والجدرة. ظهرت فضيحة الشهادات المزورة جنبا إلى جنب مع تحقيقات أخرى حول التزوير، بما فيها مزاعم بأن موظفي السجل المدني قد اصدروا جوازات سفر مزورة وبطاقات تعريف للرعايا الأجانب مقابل رشاوي.
أكدت القاضية لعديد المراقبين مشكلة هيكلية أكبر: تراجع الرقابة وتجاهل الأنظمة القائمة على الجدارة واضمحلال مبدأ المساءلة.
أثناء مؤتمر صحفي، وجه سوات أوزجاغداش، نائب إسطنبول ونائب رئيس لحزب الشعب الجمهوري، انتقادات حادة لهيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ورئيسها عبد الله كاراغوزوغلو، المسؤول عن الأمن السيبراني: “حتى أنه لم ينتبه أن توقيعه الإلكتروني قد تم استنساخه. لو كان عندهم ذرة حياء، لكان قد استقال كل من وزير المواصلات ورئيس هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. لم يتفوهوا بكلمة واحدة. وكأن المسؤول عن الأمن السيبراني هي وزارة الفلاحة.”
في السابع من أغسطس/آب، نشرت هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إعلان عام، جاء فيه أن، “هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قد قامت باكتشاف وإلغاء 35 توقيع إلكتروني احتيالي. وفي جهود لاحقة، تم كذلك إلغاء تسع توقيعات إلكترونية أخرى.” أضاف البيان، “عملنا على تقوية آليات الأمن ضد الاحتيال وتنفيذ تدابير أقوى. لزيادة الوعي العام، تم إرسال رسالة قصيرة مصحوبة بعنوان “مزود خدمات المصادقة الإلكترونية” إلى جميع أرقام الهواتف المسجلة على أرقام الهوية [الوطنية] لحاملي الشهادات الإلكترونية المؤهلة [التوقيع الإلكتروني الآمن].”
لكن البيان كان فارغ من المضمون واستمر حزب الشعب الجمهوري بانتقاد هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بدعواته المستمرة للمساءلة. “عندما تحصل فضيحة من هذا النوع، يجب على الوزير المعني بالأمر -وكل شخص مسؤول- أن يستقيل،” قال نائب رئيس لحزب الشعب الجمهوري ونائب اسطنبول أولاش كاراسو في الثامن من أغسطس/آب.
وأضاف، “لا يمكن لهيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، المسؤولة عن أمن البيانات، أن تتهرب من المسؤولية بنشر بيان مؤلف من سطرين. أي سلسلة من الإهمال المؤسسي عبر أي هيئات حكومية تسببت في هذه الاختراقات للبيانات؟ يجب الإجابة على هذا السؤال، أولًا من قبل وزارة المواصلات ووزيرها وكل المؤسسات ذات الصلة.”
تعتبر هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثيرة للجدل إلى حد كبير. في 2022، نشرت منصة الأخبار الإلكترونية ميديا سكوب تي في تحقيقا يظهر أن المؤسسة الحكومية كانت تجمع بيانات خاصة بالمستخدمين بداية من عام 2021، الذي يشكل انتهاكًا صارخًا للخصوصية.
نشرت صحيفة جمهوريت في الثامن من شهر أغسطس/آب مقابلة مع عضو من أعضاء عصابة تزوير الشهادات، حيث اعترف بأن عمليات الشبكة لا تقتصر على مجرد تزوير الشهادات. أعلن الضيف، الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، أن العصابة زيفت هويات القضاة والنائبين العامين والجنود وضباط الشرطة. زيفت كذلك بطاقات صحفية وتقارير الحمل والتصوير بالموجات فوق الصوتية وتقارير الصحة المتعلقة بالإعاقة. تتراوح الفئة العمرية “لعملائهم” من 23 إلى 48 عاما – أي المواطنين النشطاء في القوى العاملة، الذين يبحثون عن شهادات جامعية من أجل الحصول على ترقية أو مكانة أو لأسباب نرجسية.
حل المشكلة
تعتبر فضيحة تزوير الشهادات أكبر من مجرد سلسلة من الجرائم الفردية، فهي عرض من أعراض مواطن الضعف المنظومي في البنية التحتية الرقمية بتركيا وآليات الرقابة وهياكل المساءلة.
من توقيعات إلكترونية مسروقة إلى شهادات مزورة وبيانات شخصية مخترقة، كشف الجدل كيف يمكن للثقة العامة أن تقوض بسهولة عندما تفشل المؤسسات في ضمان الجدارة والخصوصية. بالإضافة إلى حلول تقنية وتدابير أقوى للأمن السيبراني، ستتطلب كذلك مواجهة نقاط الضعف المساءلة الواضحة والإصلاح القانوني والالتزام بالشفافية.
دون هذه التدابير، تخاطر تركيا بمزيد من الانتهاكات، التي يمكن أن تدهور الثقة في مؤسساتها وأن تضر بأمان وحقوق مواطنيها.







