من نهريّ دجلة والفرات إلى النيل: خلافات غرب آسيا وشمال إفريقيا على المياه لم تُحسم بعد

لقطة لنهر الفرات في تركيا عام ١٩٩٤ مع سد أتاتورك والبحيرة الناتجة عنه. الصورة من موقع فليكر بواسطة ناسا جونسون. CC BY-NC 2.0

كتب المقال محمد يُسري ونُشر بالعربية بالأصل على موقع رصيف22 في الخامس عشر من شباط/ فبراير 2025. تُرجمت هذه النسخة المحررة إلى اللغة الإنكليزية ونُشرت على جلوبال فويسز كجزءٍ من اتفاقية مشاركة محتوى.

تواجه منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا أزمة ندرة المياه. يعيش 60% تقريبًا من سكان المنطقة في مناطق ذات إجهادٍ مائيٍ شديد. وفقًا لتقارير حديثة، حذّر المعهد الدولي لإدارة المياه أن تغير المناخ سيسبب إجهادًا مائيًا أكبر في السنوات القادمة.

في محاولة لحل مشكلة ندرة المياه، اتجهت العديد من الدول العربية، في العقود الأخيرة، لإبرام اتفاقيات تقاسم المياه العذبة مع جيرانها. ما هي هذه الاتفاقيات؟ ما الأحكام المهمة التي تضمنتها؟ وكيف ترتبط هذه الاتفاقيات بالظروف السياسية والاقتصادية؟

اتفاقيات المياه بين العراق وتركيا

حدثت الكثير من الخلافات بين أنقرة وبغداد حول تقسيم مياه نهريّ دجلة والفرات. كما هو معروف، ينبع النهران من تركيا ويجريان لمسافة طويلة في كلا البلدين قبل أن يصبّا في الأراضي العراقية.

في عام 1946، وقعت العراق معاهدة صداقة وحسن جوار مع تركيا رافقتها ست بروتوكولات؛ تضمن الأول عدة قواعد لتنظيم استخدام مياه نهري دجلة والفرات وروافدهما.

اتفق البلدان فيما بعد على عددٍ من البروتوكولات المشابهة في 1970، 1980، و2021، على التوالي، لكن ظلّت مشكلة المياه قائمة ولم تُحل.

في نيسان/ أبريل عام 2024، أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان توقيع اتفاقية  تمتد لعشر سنوات حول إدارة الموارد المائية بين البلدين.

تضمنت الاتفاقية أيضًا دعوة الشركات التركية للتعاون في البنية التحتية لمشاريع الري، تنفيذ مشاريع لتبادل الخبرات واستخدام أنظمة وتقنيات الري الحديثة.

بالرغم من الترحيب الرسمي بالاتفاقية، رفض خبراء الحدود والمياه الدولية العراقيون معظم أحكامها لعدم وضوحها و”غموضها البالغ” و”صياغتها التي تسمح للجانب التركي بالتهرب منها.” علاوةً على ذلك، لم تحدّد الاتفاقية النسبة المئوية أو كمية المياه التي ستطلق للعراق.

اتفاقية عنتيبي لدول حوض النيل

نُظمت حصص المياه لدول حوض النيل وفقًا لعدة اتفاقيات أُبرمت في أوقاتٍ مختلفة في القرن العشرين. أبرزها اتفاقيات الأعوام 1902، 1929 و 1959، وبموجبها، مُنحت مصر 55.5 مليار متر مكعب بينما خُصص للسودان 18.5 مليار متر مكعب.

في آيار/ مايو 2010، اندلع جدل حول هذه الاتفاقيات بين دول المنبع والمصبّ، بعد أن قررت خمس دولٍ من دول المنبع — وهي إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تنزانيا ورواندا — توقيع اتفاقية الإطار القانوني لحوض النيل في مدينة عنتيبي الأوغندية المعروفة باتفاقية عنتيبي في وسائل الإعلام. نصت الاتفاقية على التوزيع المتساوي للمياه بين دول حوض النيل، دون أخذ عدد السكان، التركيبة السكانية وظروف التنمية لكل بلد بعين الاعتبار.  أكدت الاتفاقية أنها ستدخل حيز التنفيذ بعد 60 يومٍ من مصادقة ستٍ من الدول الأعضاء عليها.

سد النهضة الإثيوبي الكبير، جوبا، إثيوبيا عام 2019. صورة كوبرنيكوس سنتينل بواسطة بيير ماركوز. ويكيميديا ​​​​كومنز. CC BY 2.0

صرح وزير الري المصري السابق محمد نصر علام في عام 2010 بأن مصر ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لتؤكد لجميع المنظمات الدولية أن هذا الاتفاق “مخالف للقانون الدولي، وغير ملزم لمصر، ويمثل انتهاكًا لحقوقها المائية”. كما أشار إلى أن مصر ستلجأ إلى القانون الدولي للحفاظ على حقوقها التاريخية في نهر النيل.

في الآونة الأخيرة، عادت المناقشات حول اتفاقية عنتيبي إلى الواجهة مرة أخرى، بعد أن أعلنت جمهورية جنوب السودان تصديقها على بنود الاتفاقية.

لا يمكن فصل هذا الأمر عن المخاوف المصرية السودانية المتزايدة في السنوات الأخيرة، والتي تلت بناء إثيوبيا لسد النهضة على نهر النيل. تتضافر كل هذه الإجراءات لتخلق حالة من التوتر العسكري بين مصر وإثيوبيا، وهو ما أصبح واضحًا في الآونة الأخيرة.

الإمارات والأردن وإسرائيل: اتفاقية المياه مقابل الكهرباء

في عام 1994، وُقّعت اتفاقية بين عمّان وتل أبيب، ما جعل الأردن ثاني دولة عربية تقيم علاقات رسمية مع دولة إسرائيل بعد مصر.

في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2021، في إكسبو 2020 دبي، وقع كل من وزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين حرار ووزير المياه والري الأردني محمد النجار بيان نية للتعاون في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وتحلية المياه بين الأردن وإسرائيل.

نصّ التصريح أن الأردن، الذي يعاني من نقص في المياه العذبة بينما يمتلك إمكانات كبيرة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، سيولد الكهرباء لإسرائيل من الطاقة الشمسية، بينما تعمل تل أبيب، التي تعتمد على تحلية معظم إمداداتها من المياه، على تحلية 200 مليون متر مكعب من المياه للأردن سنويًا.

وبعد مرور عام، أحرز الطرفان تقدمًا في المفاوضات، بعد أن وقعت الدول الثلاث؛ الإمارات العربية المتحدة والأردن وإسرائيل، اتفاقية جديدة بشأن مشروع المياه والطاقة، على هامش مؤتمر المناخ الذي عقد في مدينة شرم الشيخ المصرية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.

بحسب الاتفاقية، “ستبني الإمارات العربية المتحدة محطة تحلية مياه في إسرائيل لتزويد الأردن بالمياه، وستبني في الوقت نفسه مزرعة طاقة شمسية ضخمة في الصحراء الأردنية ستوفر نسبة مئوية من استهلاك إسرائيل للكهرباء”.

في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2023، قررت الأردن تجميد إمدادات الكهرباء إلى تل أبيب كردٍ على الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة. في ذات الوقت، طلبت منها تمديد اتفاقية تزويدها بالمياه لخمس سنوات. قوبل الطلب بموافقةٍ مترددة على تمديدها لمدة ست أشهر بسبب ضغطٍ أمريكي.

المياه من إيران إلى الكويت

الكويت دولة أخرى تعتمد على تحلية مياه البحر للحصول على المياه العذبة. في مطلع الألفية الجديدة، عرضت إيران تزويد الكويت بأكبر قدر من احتياجاتها المائية من خلال تنفيذ مشاريع ضخمة في الخليج.

في كانون الأول/ ديسمبر 2003، وقع البلدان اتفاقية لنقل المياه العذبة من إيران إلى الكويت في طهران، حيث اُتفق على نقل إيران لـ 900 ألف متر مكعب من المياه الصالحة للشرب إلى الكويت يوميًا.

يتألف المشروع من شبكة واسعة من خطوط الأنابيب تمتد من شمال غرب إيران في منطقة الأهواز، وتحديداً من نهر كارون عند سد كرخه، إلى المدن الإيرانية، مثل المحمرة وعبادان، حتى يعبر مياه الخليج العربي عن طريق مد خط أنابيب بحري يتجنب المرور عبر الأراضي العراقية، ليصل في النهاية إلى الكويت.

نصّ الاتفاق المبدئي على أن يستغرق المشروع 30 عامًا، وتجاوز ميزانيته المتوقعة 1.5 مليار دولار أمريكي. إلا أنه، وكما كان متوقعاً، وبالتزامن مع تبادل التصريحات العدائية بين إيران ودول الخليج، أثار المشروع جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الكويتية، وتباينت المواقف وردود الفعل بين مؤيدين ومعارضين.

في تموز/يوليو 2006، أعلنت الكويت رسميًا تعليق مفاوضات تنفيذ المشروع نهائيًا وذلك بسبب الظروف السياسية في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بالوضع في العراق والملف النووي الإيراني.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.