الصحافة أكسجين الديمقراطية: كيف تعكس أزمة المعلومات في السودان واقعًا عالميًا

لقطة شاشة من فيديو بعنوان “حرب السودان تتعمق مع تكثيف قوات الدعم السريع لهجومها، ومقتل العديد من النساء والأطفال في غارات بطائرات مسيرة”، نُشره على يوتيوب المستخدم WION. برخصة الاستخدام العادل.

بقلم ميرا سيلفا

نحتاج الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن نتحدث عن أهمية الصحافة. لا يتعلق الأمر بالصحافة كمثالية مجردة، أو كصناعة تكافح من أجل البقاء، بل كقوة حية نابضة تربط الناس بالمعلومات التي يحتاجون إليها.

لا تقتصر حماية الصحافة على إنقاذ غرف الأخبار فحسب، بل تتعلق بحماية حق الناس في الحصول على معلومات موثوقة وقابلة للاستخدام، وهو الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات السليمة في كل مكان.

الأمر يتعلق، حرفيًا، بإنقاذ الأرواح، لأنه عندما تُحجب المعلومات بشكل متعمد ومستمر عن أولئك الذين هم في أمس الحاجة إليها، سرعان ما تتبعها انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان.

يشهد السودان حربًا مدمرة متعددة الأوجه، ويتفكك المشهد الصحفي الناشئ والواعد ويستخدم كسلاح. أنشأ الصحفيون الذين غطوا بحيوية كبيرة الحركات السياسية التي أسقطت النظام القديم أنشأوا قطاعًا إعلاميًا جديدًا وتعدديًا وحيويًا. ولكن مع اندلاع الصراع في عام 2023، برز الفضاء الإعلامي كساحة معركة موازية، حيث تنشر الأطراف المتحاربة المعلومات المضللة بسهولة وتقمع الصحافة المستقلة بشكل روتيني.

علاوة على ذلك، فالوصول إلى الأخبار غير متكافئ بشدة: فغالبًا ما تُستبعد النساء والنازحون وذوو الإعاقة والمجتمعات الريفية من الحصول على المعلومات الحيوية بسبب ضعف الاتصالات وتدمير البنية التحتية. كما أن السيطرة العسكرية على الفضاءات الإلكترونية تزيد من تقييد وصول الناس إليها.

يعكس النظام البيئي الهش للمعلومات في السودان كلًا من المخاطر التي يواجهها الصحفيون، وصمود الجهود الرامية إلى الحفاظ على التغطية الصحفية المستقلة.

وقد رسم تقرير نُشرته مؤخرًا منظمة “إنترنيوز” خريطة للنظام البيئي الإعلامي السوداني، كاشفًا عن التحديات القاسية التي يواجهها هذا القطاع، بالإضافة إلى العمل المذهل والحيوي الذي يقوم به الصحفيون السودانيون على الأرض من أجلنا جميعًا.

هجمات ممنهجة على وسائل الإعلام

دمرت كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية البنية التحتية للإعلام، تاركين الصحفيين بلا سبل للعيش. ويمارس الكثيرون الرقابة الذاتية، لا سيما فيما يتعلق بالفساد والأجهزة الأمنية، في حين أُجبر آخرون على التحالف مع الجماعات المسلحة من أجل البقاء.

أصبح الحجب والمضايقات الإلكترونية والاعتقالات التعسفية بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية أمرًا شائعًا. وكانت النتيجة حدوث فراغ في المهارات، مع فرار الصحفيين ذوي الخبرة، وترك أفراد أقل خبرة مدفوعين لتولي أدوار التغطية الصحفية.

تحتفظ الأطراف المتحاربة أيضًا بعمليات إعلامية متطورة تُمول من عائدات تعدين الذهب الخاصة بها. لقد بدأت الحرب نفسها ولا تزال مستمرة بدعم من التلاعب بالمعلومات، مع وعود كاذبة بنصر سريع وروايات حشد مستمرة تمنع تحقيق السلام.

ولذلك فالحياد ليس خيارًا. عندما تكون الدعاية محرك الحرب، فالفشل في تحديها يعني التواطؤ في انتشارها. إن فهم كيفية استخدام المعلومات كسلاح في السودان أمر بالغ الأهمية لأن نفس التكتيكات تُنشر بشكل متزايد في الصراعات العالمية للتلاعب بالرأي العام وعرقلة السلام.

وتفريغ وسائل الإعلام السودانية من مضمونها ليس مجرد مأساة محلية: بل إنه يسمح لأمراء الحرب بالعمل في الظلام، دون رادع أو رقابة. وبدون شهادات دقيقة، لا يمكن للمجتمع الدولي تقديم الدعم الدقيق الذي يحتاجه المواطنون السودانيون بشدة للبقاء على قيد الحياة في هذا الصراع.

تطور استهلاك وسائل الإعلام

مع تفكيك وسائل الإعلام التقليدية، يتجه الجمهور السوداني إلى مصادر بديلة، لكنها تحمل مخاطرها الخاصة.

تكشف المواقف العامة عن انعدام ثقة عميق في المنافذ الإعلامية التقليدية. يعتمد العديد من السودانيين الآن على الشبكات الشخصية، والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، والمواطنين الصحفيين؛ وهي مصادر يعتبرونها أحيانًا أكثر مصداقية من القنوات الرسمية. كما تدهورت الثقة في وسائل الإعلام السودانية المحلية بشكل كبير، مع إظهار الجماهير تفضيلًا واضحًا للمنافذ الدولية، وخاصة القنوات الإخبارية الخليجية.

على الرغم من ولاءاتها العلنية لفصائل داخل الصراع، فإن هذه القنوات تحظى بمتابعة واسعة من قبل الجماهير السودانية، مما يسلط الضوء على ندرة البدائل المستقلة والطلب الملح على المعلومات الموثوقة.

يُهيمن البودكاست، والبث المباشر، وتقارير المواطنين على الفضاء المعلوماتي. وتتداول الحسابات المتحالفة مع كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بسهولة مقاطع الفيديو المزيفة (التزييف العميق)، واللقطات المعاد تدويرها، وتقارير الإصابات الكاذبة، والصور المروعة عبر الإنترنت، مع منشورات غالبًا ما تشجع على العنف الطائفي، وتستهدف بشكل خاص مجتمعات دارفور وجبال النوبة.

بالنسبة للجماهير السودانية، فإن هذا التشويه للفضاء المعلوماتي يغذي العنف الحقيقي، ويرسخ انعدام الثقة بين المجتمعات، ويجعل من شبه المستحيل على الناس الاتفاق على واقع مشترك. وبدون بدائل ذات مصداقية، يُترك المواطنون عرضة للتلاعب الذي يؤدي إلى تفاقم كل من الصراع والنسيج الاجتماعي.

صحافة المنفى والمبادرات الشعبية

لم تكتفِ الحرب في السودان بتشريد الملايين فحسب، بل دمرت النظام البيئي للمعلومات في البلاد. فقد أكثر من 1000 صحفي وظائفهم، وفرّ المئات إلى أوغندا وكينيا ومصر، وأولئك الذين بقوا يخاطرون بحياتهم للتغطية من بيئات معادية وخطيرة، بما في ذلك بؤر القتال الساخنة مثل دارفور وجبال النوبة في منطقة جنوب كردفان. من خلال العمل التعاوني مع الصحفيين داخل البلاد، تحافظ وسائل إعلام المنفى على بقاء قصة السودان حية، ولكن مع قلة التمويل والضغوط المتزايدة، يظل بقاؤها محفوفًا بالمخاطر.

يمتد تأثير هذا إلى ما هو أبعد من السودان. ففراغ المعلومات يسمح بمرور الفظائع دون توثيق، وتنتشر المعلومات المضللة في جميع أنحاء العالم عبر قنوات التواصل الاجتماعي. عندما يُسكت الصحفيون السودانيون، يتدخل آخرون، غالبًا بأجندات سياسية، لإعادة كتابة الرواية. تخترق حملات مثل #KeepEyesOnSudan (أبقوا أعينكم على السودان) هذا الصمت، لضمان عدم نسيان الحرب.

فالفشل في دعم هذه الجهود ينذر بالسماح بوقوع المزيد من الضرر. يجب على الحكومات والمنظمات غير الحكومية والجماهير في العالم التعرف على وسائل الإعلام السودانية على حقيقتها: مقاومة وبقاء والملاذ الأخير ضد انعدام الرؤية التام للحرب.

ما وراء المؤسسات: تعزيز النظم البيئية

تعكس أزمة المعلومات في السودان واقعًا عالميًا: حيثما تتعرض المجتمعات للضغط، تزداد الحاجة إلى معلومات موثوقة. ومع ذلك، غالبًا ما تركز المناقشات حول وسائل الإعلام على المؤسسات وليس على الأشخاص.

لهذا السبب، يجب أن يتجاوز دعم وسائل الإعلام مجرد مساعدة الصحفيين. إن تعزيز النظم البيئية بأكملها، بما في ذلك المنافذ المحلية والمنصات الرقمية وقادة المجتمع، يضمن بقاء المعلومات جديرة بالثقة وقادرة على الصمود. قد لا تكون النماذج التنظيمية التقليدية كافية؛ بل هناك حاجة إلى مناهج متنوعة وتعاونية. بالنسبة للمواطنين السودانيين، يعني هذا الوصول إلى معلومات يمكنهم الاعتماد عليها في اللحظات التي قد تكلف فيها المعلومات المضللة أرواحًا.

لذلك، يجب على الجهات الفاعلة الدولية في مجال تطوير الإعلام والمنظمات غير الحكومية أن تعمل كوسطاء بين الصحفيين على الأرض والمانحين المؤسسيين، لضمان الدعم المستمر بما يتجاوز الاستجابة الفورية للأزمات. الإستراتيجية طويلة المدى ضرورية: استراتيجية تبني القدرات المهنية، وتدعم صحافة المصلحة العامة، وتساعد المنافذ على التكيف مع الظروف سريعة التغير.

الاستثمار في نظم بيئية إعلامية مرنة ليس ترفًا؛ بل هو ضرورة. إنه شرط مسبق للسلام والعدالة.

لماذا هذا مهم

لا يمكن فصل حرية الصحافة عن حق الجمهور في الحصول على المعلومات. عندما يُسكت الصحفيون، تعاني المجتمعات. وعندما تختفي المنافذ المحلية، يترك الأشخاص العاديين دون المعرفة التي يحتاجونها لتسيير حياتهم. ولذا فالدفاع عن الصحافة ليس عملاً خيريًا للصحفيين، بل هو التزام بصحة وأمن وكرامة كل شخص يعتمد على المعلومات الموثوقة.

التحديات هائلة. ومع ذلك، فالوضع في السودان، وفي سياقات أخرى لا حصر لها في جميع أنحاء العالم، يذكرنا أيضًا بالتعطش الدائم للحصول على معلومات موثوقة. لا يزال الناس يلجأون إلى الصحافة، حتى في أقسى الظروف. ومهمتنا هي التأكد من توفرها لهم.

لهذا السبب، يجب أن يظل صناع القرار والقادة في مجال الإعلام والمعلومات ملتزمين بكونهم عالميين وحاضرين ومشاركين، حتى في الأماكن التي غالبًا ما تتعرض للتجاهل. في السودان وخارجه، الصحافة ليست مجرد مهنة؛ هي شريان حياة يجب علينا حمايته. لأنه إذا كانت المعلومات أكسجين الديمقراطية، فضمان الوصول إلى أخبار موثوقة وقابلة للاستخدام هو أحد أكثر المهام إلحاحًا في عصرنا.

ميرا سيلفا هي المديرة التنفيذية لإنترنيوز أوروبا.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.