
الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، والسيدة الأولى مهربان علييفا، وأفراد من العائلة في زيارة لمدينة شوشا. الصورة من ويكيميديا كومنز، رخصة المشاع الإبداعي 4.0.
بقلم: فافا ناغي
منذ العام 2020، شهدت أجندة الإعلام الموالي للحكومة في أذربيجان تحولًا لافتًا؛ فبينما كان التركيز منصبًا في السابق على الاجتماعات الرسمية للرئيس إلهام علييف، وقراراته السياسية، وفعاليات الدولة، بدأت الأنشطة اليومية “للعائلة الأولى” ذات الطابع الديني والخيري والرمزي تكتسب مؤخرًا قيمة إخبارية بارزة.
لم يعد الإعلام يتناول موائد إفطار عائلة علييف، أو زياراتهم للمساجد، أو رحلاتهم الإنسانية كأحداث اجتماعية عادية، بل باتت تُدرج مباشرة تحت بند السياسة الداخلية. هذا التحول ليس وليد الصدفة، إذ يمكن تفسير هذا التوجه بوصفه تجليًا بصريًا وتواصلًا لانتقال الحكومة من نموذج التمثيل السياسي القائم على “مركزيّة القائد” إلى نموذج تمثيل قائم على “مركزيّة العائلة” أو السلالة الحاكمة.
يشير بروز هذا النموذج بشكل أوضح في السنوات الأخيرة إلى بدء السلطة ببناء شرعيتها، ليس فقط من خلال رمز الزعيم الواحد، بل عبر تماسك ووحدة “الكيان العائلي”. في هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري: هل انتقال التركيز السياسي للإعلام من أروقة المكاتب الرسمية إلى المراسم الدينية والمساحات العائلية هو تعبير عن عفوية، أم هي عملية لترسيخ فكرة “الدولة كعائلة“ تدريجيًا في الطبقات العميقة للوعي الجمعي؟
صعود “دولة العائلة”
تسمح الأبحاث التي أُجريت حول الأنظمة الاستبدادية الحديثة بالإجابة على هذا التساؤل ضمن إطار نظري. فعند تحليل آليات “التوريث” في الأنظمة السلطوية المعاصرة، يستشهد جيسون براونلي، الأستاذ في جامعة تكساس، بنماذج انتقال السلطة في سنغافورة، وكذلك انتقال الرئاسة في أذربيجان عام 2003 من الأب حيدر علييف إلى ابنه إلهام. مع ذلك، وبينما يركز تحليل براونلي بشكل أساسي على “التوريث البيولوجي” (من الأب للابن)، نجد نموذجًا أكثر تعقيدًا داخل أذربيجان اليوم.
لا يكتفي إلهام علييف بالخلافة التقليدية من الأب إلى الابن؛ بل يعمل على تحويل الحكومة – في حياته – إلى نموذج “ملكية قائمة على العائلة”، حيث لا تنتقل السلطة إلى فرد واحد، بل إلى “الصورة العائلية الجماعية”.
أصبحت السيدة الأولى ونائبة الرئيس، مهربان علييفا، مع بنات علييف وزوجة ابنه، فاعلين دائمين في الفضاء الاجتماعي والسياسي، وهو ما يتجلى بوضوح خلال الزيارات الدولية التي يقوم بها الرئيس.

شعار شركة سوكار (SOCAR). الصورة من ويكيميديا كومنز. رخصة المشاع الإبداعي 4.0 (نسب المصنف – الترخيص بالمثل).
في المحافل السياسية الخارجية، لا يُقدَّم إلهام علييف للجمهور بصفته رئيسًا للدولة فحسب، بل يُقدَّم بشكل جماعي مع عائلته. في يناير/كانون الثاني 2026، خلال الفعاليات التي عُقدت في إطار منتدى “دافوس”، ظهر نجل الرئيس، حيدر ، وهو يضع شارة تحمل شعار شركة “سوكار” (SOCAR) شركة النفط والغاز المملوكة للدولة، والمصدر الرئيسي لإيرادات النظام السلطوي. إن هذا التفصيل لا يبدو مجرد صدفة بروتوكولية، بل هو محاولة لربط أفراد العائلة رمزياً بأهم مؤسسات الدولة الاستراتيجية.
كما تبرز الصور ومقاطع الفيديو المتداولة من المنتدى المدى الذي يحرص فيه الرئيس غالبًا على التحرك برفقة زوجته مهربان، وابنته ليلى، وزوجة ابنه أليونا، حيث يحضرون الاجتماعات والفعاليات الرئيسية معًا.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في اجتماع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفقة ابنته ليلى علييف، والسيدة الأولى ونائبة رئيس أذربيجان مهربان علييفا. لقطة شاشة من يوتيوب. الاستخدام العادل.
تُلاحظ هذه الأنواع من الاستراتيجيات البصرية في فعاليات دولية أخرى أيضًا، وهي تحمل رسالة سياسية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي التقليدي.
تداعيات حكم سلالة علييف
إن استراتيجية الشرعية القائمة على “مركزية العائلة” ليست مجرد مسألة رمزية، بل تحمل تداعيات اقتصادية عميقة؛ فالموارد الاساسيه للدولة —بدءًا من عائدات النفط وصولاً إلى القطاعات الصناعية الاستراتيجية— لم تعد تُدار عبر المؤسسات البيروقراطية الكلاسيكية، بل جرى توحيدها مباشرة تحت “اسم العائلة”.
تسير هذه العملية بالتوازي مع تجريد “الأوليغارشية القديمة” داخل النخبة الحاكمة من نفوذها، مما يخدم حصر الثروة في دائرة أضيق وأكثر انغلاقًا. بناءً عليه، فإن صورة العائلة “الخيرة والإنسانية” التي يقدمها الإعلام الحكومي تعمل “حجاب تجميلي” يحجب انعدام المساواة الطبقية العميق والتوزيع المختل للموارد في البلاد. إن المرحلة القصوى للاستبداد النيوليبرالي غالبًا ما تتمثل في تحويل كامل وظائف الدولة إلى “شركة قابضة” مملوكة لعائلة واحدة.
على سبيل المقارنة، خلال رئاسة حيدر علييف، كانت حفيدته ليلى فقط هي من تظهر أحيانًا في وسائل الإعلام؛ بل في الواقع، نادرً ما كان يُشاهد إلهام في المشهد العام مع والده. أما الآن، فقد أصبحت التغطية الإعلامية المستمرة لأفراد العائلة أمرًا طبيعيًا ومعتادًا. على سبيل المثال، في يوم واحد فقط، 25 فبراير/شباط 2026، نشرت إحدى الوسائل الإعلامية الممولة من الحكومة ثمانية تقارير منفصلة عن ابنة الرئيس وزوجة ابنه، رغم أن المحتوى كان يقتصر بشكل أساسي على أنشطة رمزية ودينية واجتماعية.
في ظل هذا الظهور الإعلامي المكثف للعائلة الرئاسية، يتم تقديم آليات “التطهير” السياسي القاسية المتبعة حاليًا في أذربيجان بطريقة أكثر نعومة وفعالية من الناحية النفسية. فحين ترى زيارات بنات الرئيس وزوجة ابنه “لدور الأيتام” أو “المؤسسات الاجتماعية” التي توظف الشباب ذوي الإعاقة، ومشاركتهم في “موائد الإفطار”، بجوارها الاعتقالات الإدارية أو الأحكام الصادرة بحق المواطنين الذين ينتقدون الحكومة؛ فإن ذلك يخلق رواية بديلة على المستوى الرمزي.
يبدو أن هذا المشهد المتوازي يمثل آلية من آليات “القوة الناعمة” المصممة لموازنة الأثر السلبي الناشئ عن الممارسات القمعية العنيفة؛ فبينما تظل أدوات القمع الحكومية تتم من جهة، يتم التأكيد على قيم التعاطف والرعاية والقيم العائلية من جهة أخرى. نتيجة لذلك، يتم تلطيف الانطباع العام عن النظام السياسي وتعويضه على المستوى العاطفي، دون نفي طبيعته القمعية بشكل مباشر.
في ظل أجندة اقتصادية ضعيفة واستياء اجتماعي متزايد، قد تهدف هذه الأنشطة الرمزية إلى صرف انتباه المواطنين العاديين عن المشاكل الهيكلية، وتحييد السخط السياسي من خلال التقارب العاطفي واللفتات الأخلاقية. وبهذا المعنى، يمكن تقييم الوجود المستمر لأفراد العائلة في الفضاءات الخيرية والدينية ليس كمبادرة فردية، بل كجزء من استراتيجية شرعية أوسع يُدار فيها “القمع” و”اللمسات الانسانيه” داخل نفس الحيز السياسي.
نماذج بناء السلالات الحاكمة
عند مقارنة نموذج التقديم الاعلامي المتمركز حول العائلة في أذربيجان بنظيره في كازاخستان، نجد أن نور سلطان نزارباييف وضع أيضًا بناته – خاصة داريغا- وأفرادًا آخرين من عائلته في قلب الإدارة الاقتصادية والسياسية للدولة.

الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف وابنته داريغا نزارباييفا، التي شغلت منصب نائبة رئيس الوزراء، في لقاء مع الملكة إليزابيث والأمير فيليب في عام 2015. لقطة شاشة من يوتيوب. الاستخدام العادل.
أثبت نموذج نزارباييف أن تقديم أفراد العائلة “كعلامة تجارية وطنية” في الإعلام وتعيينهم في مناصب استراتيجية لم يساهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي للنظام، بل جعله أكثر شخصنة وهشاشة. كما كشف المثال الكازاخستاني عن المخاطرة الأكبر لهذه الاستراتيجية: وهي أن الشرعية السلالية تظل مقترنة حصرًا بالوجود المادي للقائد وقوته. فصورة “العائلة التي لا تُقهر” ورمزية “الأب/الأم” التي بناها آل نزارباييف على مدار عقود، انهارت في غضون أيام قليلة خلال أحداث يناير 2022؛ حيث برزت العائلة كخاسر واضح في صراع داخلي على السلطة اندلع على خلفية اضطرابات اجتماعية واسعة. فالشعوب غالبًا لا تقبل “بوحدة الدولة والعائلة” المصطنعة إعلاميًا كشرعية حقيقية، لا سيما في لحظات الأزمات السياسية.
في السياق الأذربيجاني، يبدو أن القوة الناعمة لأفراد العائلة —القائمة على الأنشطة الخيرية والإنسانية— مصممة لملء الفراغ الناجم عن شلل مؤسسات الدولة الرسمية؛ مثل البرلمان، والقضاء غير المتوازن، وغياب الانتخابات الحرة والنزيهة.
رغم أن “الظهور العائلي” هو الخيط المشترك الذي يربط نظام نزارباييف بنموذج الحكم القائم على العائلة لدى إلهام علييف، إلا أن هذا النهج يعمل أيضاً كأداة لتحييد المجموعات الأخرى داخل النخبة السياسية، مثل الأوليغارشية القديمة أو العشائر البيروقراطية. إن المساحات العائلية الرمزية التي تُعرض مراراً في الإعلام تعمل جوهرياً كنوع من “التأمين الجماعي” للحكومة؛ فالحكومة التي تظل معتمدة بشكل كبير على الجهاز البيروقراطي الكلاسيكي قد تواجه تحديات أكبر لاستقرارها الداخلي، أما عندما تتركز السلطة داخل العائلة، فإن سلسلة الولاء تبدو أكثر انغلاقًا وصمودًا.
مع ذلك، تُظهر تجربة كازاخستان أن هذه الأنظمة، مهما بدت متماسكة، تفشل أمام الاختبارات التاريخية لافتقارها إلى الجذور المؤسسية. وكما أكد صامويل هنتنغتون، فإن السلطة الوراثية والمؤسسات القائمة على الاستفتاءات الشعبية لا يمكنهما التعايش على المدى الطويل.
في نهاية المطاف، وبينما تؤكد النظرية السياسية أن النظام الجمهوري والتوريث في حالة تضاد، يحاول الإعلام الأذربيجاني التوفيق بين هذا التناقض وشرعنته من خلال صورة “دولة العائلة”، حيث تُقدَّم العائلة الحاكمة بوصفها القوة الوحيدة القادرة على الحفاظ على استقرار البلاد وأمنها.






