
لقطة شاشة من عرض الشوط الأول لسوبر بول على Apple Music للمغني باد باني، مأخوذة من فيديو على يوتيوب تابع NFL. الاستخدام العادل.
تعد عروض نهاية الشوط الأول في سوبر بول دائمًا مشهدًا رائعًا، لكن في نسخة XL، خرج الفنان البورتوريكي باد باني عن المألوف: فقد صاغ عرضا لافتا يسلط الضوء على توصيل قاضيا الطاقة، حيث حول البنية التحتية للكهرباء إلى مشهد استعراضي متقن التوقيت.
أثناء أدائه لأغنيته “El Apagón” (انقطاع الكهرباء)، تسلق راقصون يرتدون زي عمال صيانة الشبكات أعمدة الكهرباء، فيما تومض شرارات على خطوط الطاقة. بالنسبة لملايين المشاهدين حول العالم، كان مشهدًا مذهلًا. لكنه يعكس واقعًا يوميًا بالنسبة للبورتوريكيين، من شبكة كهرباء هشة وانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، التي شكلت الحياة اليومية في الجزيرة لسنوات.
كما أشارت ديانا هيرنانديز، أستاذة ومديرة مشاركة لمختبر فرص الطاقة في جامعة كولومبيا، في حديثها مع Straight Arrow News: “بالنسبة للجمهور الذي قد يكون نسي، فإن صعود باد باني على الأعمدة منح صوتًا ووضوحًا لتجربة لا تُنسى من انعدام القدرة الكهربائية في بورتوريكو، بمعناها الحرفي تمامًا”.
دون الإشارة إلى مصطلحات مثل “تغير المناخ“، جسّد العرض لحظة تواصل حول قضايا الطاقة استطاع الملايين فهمها فورًا، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل عالميًا أيضًا:
The production on the Bad Bunny halftime show was off the charts. From the cane fields to the broken power lines, it was rich in symbolism and Puerto Rican pride. And pounded to a relentless beat. #SuperBowl
إنتاج عرض باد باني في استراحة السوبر بول كان غير مسبوق. من حقول قصب السكر إلى خطوط الكهرباء المتضررة، كان العرض غنيًا بالرمزية ومفعمًا بالفخر البورتوريكي، وكل ذلك على إيقاعٍ متواصل لا يهدأ.
بسبب خطورة الوضع واتساع تأثيره، غالبًا ما ترتبط علوم المناخ وما يُنشر عنها بزيادة القلق الوجودي لدى الناس. ومع ذلك، تحاول مبادرات مثل برنامج جامعة ييل للتواصل حول تغيّر المناخ، إضافة إلى كتب الأطفال التي يكتبها مؤلفون مثل الكاتب إيان هانت، معالجة هذه المشكلة من جذورها وعلى مستوى أوسع.
شبكة مُرهَقة
منذ أن ضرب إعصار ماريا جزيرة بورتوريكو عام 2017، يعاني نظام الكهرباء فيها من أزمات متكررة. فقد دمّر الإعصار جزءًا كبيرًا من الشبكة، وأدى إلى أطول انقطاع كهربائي في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، حيث بقيت بعض المناطق دون كهرباء لما يقارب عامًا كاملًا. بعد مرور ما يقارب تسع سنوات، لا تزال انقطاعات الكهرباء أمرًا يوميًا.
تشير البيانات الفيدرالية إلى أن السكان عانوا بين عامي 2021 و2024 من نحو 27 ساعة انقطاع سنويًا (دون احتساب العواصف)، وهو رقم يفوق بكثير المعدلات في الولايات المتحدة. في عام 2024 وحده، تجاوز متوسط الانقطاع 70 ساعة.
كما تبقى أسعار الكهرباء من الأعلى في البلاد، حيث تتراوح بين 0.24 و0.49 دولار لكل كيلوواط/ساعة. وتعكس هذه الأرقام سنوات طويلة من ضعف الاستثمار، وبنية تحتية متهالكة، وشبكة معرضة لمخاطر مناخية متزايدة. لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة؛ فالانقطاع يعني طعامًا فاسدًا، وأجهزة طبية متوقفة، وأعمالًا مغلقة، وأطفالًا يدرسون على ضوء مصباح يدوي.
أنظمة طاقة تحتضر
تعتمد بورتوريكو بشكل كبير على محطات مركزية تعمل بالوقود الأحفوري في جنوب الجزيرة. بينما يتم نقل الكهرباء لمسافات طويلة عبر تضاريس جبلية نحو الشمال. وهذا يجعل الشبكة عرضة للأعاصير والانهيارات الأرضية والظروف الجوية القاسية.
في عام 2019، منحت الجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين نظام الطاقة في بورتوريكو درجة متدنية جدًا، مشيرة إلى تدهور المعدات وضعف القدرة على التحمل. ووصف أحد خبراء الطاقة الوضع قائلًا: “الشبكة كانت منهكة أساسا قبل إعصار ماريا.”
منذ ذلك الحين، زادت التغيرات المناخية من خطورة الوضع، إذ تؤدي حرارة المحيطات المرتفعة إلى أعاصير أقوى، كما حدث مع إعصار فيونا عام 2022 الذي تسبب بانقطاعات واسعة. في نظام أضعفته بالفعل عقود من نقص الاستثمار، فإن الاضطرابات الأصغر حجمًا قد تؤدي إلى أعطال متتالية للسكان المحليين.
تحديات الاستثمار
في عام 2021، تم تسليم إدارة شبكة النقل والتوزيع إلى شركة لوما للطاقة، شركة أمريكية كندية في محاولة لتحديث النظام، لكن هذه الخطوة أثارت جدلًا واسعًا.
حيث اشتكى السكان من استمرار الانقطاعات وارتفاع الفواتير، بينما يرى النقاد أن التحسينات في الموثوقية كانت بطيئة. ويرد المؤيدون بأن إعادة بناء الشبكة القديمة تتطلب الوقت والاستثمار المستدام.
تؤدي القيود المالية لتعقيد الوضع أكثر. تحمل شركة الكهرباء العامة في بورتوريكو، PREPA، ديونًا بمليارات الدولارات، مما يجعل تمويل ترقيات الكبيرة للبنية التحتية أمرًا صعبًا. كما تتذبذب المساعدات الفيدرالية أيضًا. وفي عام 2023، أطلقت وزارة الطاقة الأمريكية صندوقًا بقيمة مليار دولار لتعزيز الطاقة الشمسية، لكن تقارير لاحقة أشارت إلى تأخير أو تحويل جزء من التمويل.
رغم ذلك، تشهد الجزيرة تحولًا ملحوظًا، حيث انتشرت أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية بسرعة، ووصلت القدرة المركبة إلى أكثر من 1 غيغاواط بحلول عام 2025.
المجتمعات تتحرك
ظهرت مبادرات مجتمعية لمواجهة الأزمة، في إحدى البلدات الجبلية، قادت مؤسسة محلية إنشاء شبكات كهرباء صغيرة تعتمد على الطاقة الشمسية، تتيح للسكان الاستمرار في حياتهم حتى عند انقطاع الشبكة الرئيسية. ويقول أحد أصحاب الأعمال: “الأمر الآن مستقر، لم يعد ينقطع التيار الكهربائي، ويمكنني الاستمرار في العمل.”
يؤكد المهندسون على أهمية ما يُعرف “الشبكة اللامركزية”، حيث يتم بناء المرونة من خلال أنظمة الطاقة الموزعة التي تربط المنازل، والأحياء، وفي النهاية الشبكات الأكبر. بالنسبة للمناطق الجزرية المعرضة للأعاصير والظروف الجوية القاسية، توفر الأنظمة الموزعة كلا من تقليل الانبعاثات الكربونية والأمان الطاقي.
ثقافة البوب كوسيلة للتوعية
هذا هو بالضبط ما جعل عرض نهاية الشوط الأول لـباد باني بالغ الأهمية. عوضًا عن الأرقام والسياسات، قدّم صورة حية لمعاناة الناس، بإبراز عمّال صيانة خطوط الكهرباء وجعل أعمدة الكهرباء جزءًا من العرض الفني. وبهذا، تحولت البنية التحتية التي غالبًا ما تكون غير مرئية إلى قضية عالمية يشاهدها الملايين.
كما لاحظ هيرنانديز، كانت اللحظة تمثل “صعودًا إلى القوة رغم كل التحديات، وفي العديد من الطرق ضد كل الاحتمالات”. فجأة، شاهد ملايين المشاهدين في مباراة السوبر بول ما كان مخفيًا عادةً: الأنظمة المادية التي تحافظ على سير المجتمعات، والعواقب التي تحدث عندما تفشل هذه الأنظمة.
في الوقت نفسه، يبقى مستقبل الطاقة في بورتوريكو غير مؤكد. ما زالت النقاشات مستمرة حول الخصخصة، الاعتماد على الوقود الأحفوري، نشر الطاقة المتجددة، ومدى سرعة تمكن الجزيرة من التحول إلى نظام طاقة أكثر مرونة، ولكن عرض الاستراحة في السوبر بول كشف شيئًا غير متوقع: البنية التحتية يمكن أن تجذب الانتباه. فقد أصبحت شبكة الكهرباء، التي تكون عادة غير مرئية للجمهور، فجأة محور محادثة عالمية.
أزمة شبكة الكهرباء في بورتوريكو ليست فريدة، فأنظمة الطاقة حول العالم تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب التغير المناخي، البنية التحتية القديمة، والطلب المتزايد. الفرق هنا هو أن معظم الشبكات لا تحصل على لحظة مثل لحظة السوبر بول لم يُلقِ باد باني محاضرة للجمهور عن تغيّر المناخ أو سياسة الطاقة. بل، أظهر ما تبدو عليه الهشاشة وأحيانًا، يكون هذا هو أقوى شكل من أشكال التواصل.






