
الصورة بواسطة Canva Pro.
يصبح حضور الدولة واضحًا بشكل لافت خلال فترات تشديد الإجراءات الأمنية في العديد من مجتمعات ترينيداد وتوباغو، الدولة الجزريّة الواقعة في أقصى جنوب أرخبيل الكاريبي، لا سيما مع تكثيف الدوريات. ففي ظل لوائح حالة الطوارئ — التي تعتمدتها العديد من دول المنطقة من وقت لآخر لأسباب تتراوح بين الجريمة وجائحة كوفيد — تتسع صلاحيات التفتيش، ويصبح الاحتجاز دون توجيه تهم أمرًا مسموحًا.
عادةً ما يُبرّر قادة منطقة الكاريبي إعلان حالات الطوارئ باعتبارها استجابة لتهديدات خطيرة تمس السلامة العامة. غالبًا ما يُقاس نجاح هذه الإجراءات بمدى قدرتها على خفض معدلات الجريمة وتعزيز كفاءة إنفاذ القانون، بينما يُمنح اهتمام أقل لكيفية تداخل هذه التدابير مع الديناميكيات الاجتماعية، التي بدورها تُشكّل مفاهيم الرجولة، والشعور بانعدام الأمن، والتجربة المعيشية للشباب الذكور. وبالطبع، فإن هذه التدخلات لا تحدث في فراغ، بل تتجلى داخل مجتمعات تؤثر فيها مسبقًا توقعات تتعلق بالإعالة، والسلطة، والاحترام على الحياة اليومية، وتُشكّل الطريقة التي يختبر بها الشباب كلًا من القوة والضعف.
لماذا يتأثر الشباب الذكور؟
يتأثر الشباب الذكور في مختلف أنحاء الكاريبي، أكثر من غيرهم، بجرائم العنف؛ فهم أكثر عرضة لأن يكونوا الضحايا والجناة على حد سواء، وهو نمط تؤكده باستمرار الأبحاث التنموية الإقليمية. ونتيجة لذلك، يُعدّ الشباب الذكور الفئة الأكثر تعرضًا لتأثير التدخلات الأمنية، بما في ذلك تلك التي تُنفَّذ في إطار حالات الطوارئ.
كشفت دراسات وطنية في ترينيداد وتوباغو أن الشباب الذكور في المجتمعات الهشة يواجهون بشكل خاص مخاطر الإقصاء الاجتماعي والعنف. ويؤكد تقرير «لا وقت للاستسلام: إشراك الشباب المعرضين للخطر»، المدعوم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على التحديات البنيوية التي تواجه الشباب الذكور وعلى ارتفاع مستوى تعرضهم للجريمة والتهميش.
تلعب أوجه عدم المساواة الهيكلية دورًا محوريًا في هذا السياق؛ إذ يظل محدودية الوصول إلى فرص العمل المستقرة، والتعليم، والحراك الاجتماعي عوامل تُشكّل مسارات حياة العديد من الشباب في المنطقة. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع معدلات بطالة الشباب وضعف النمو الاقتصادي يسهمان في تكريس دورات من الجريمة والإقصاء في الكاريبي. وفي مثل هذه السياقات، لا يمكن فصل الشعور بانعدام الأمن عن تحديات التنمية؛ إذ غالبًا ما تقترن الهشاشة الاقتصادية والتهميش الاجتماعي بوجود مظاهر العنف وتكرار التدخلات الأمنية.
كما تُعدّ التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالرجولة عنصرًا أساسيًا لفهم هذا التداخل. فقد أظهرت أبحاث مدعومة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كيف تؤثر المعايير الجندرية المرتبطة بالهوية الذكورية في سلوكيات ومسارات حياة الشباب الذكور الذين يواجهون عدم المساواة ومحدودية الفرص. ففي العديد من مجتمعات الكاريبي، يُتوقع من الرجال إعالة أسرهم، وفرض سلطتهم، ونيل الاحترام. وعندما تُقيَّد الفرص المشروعة لتحقيق هذه الأدوار، قد تظهر مسارات بديلة تنطوي أحيانًا على المخاطرة أو حتى مخالفة القانون. ومن ثم، تُشكّل هذه الضغوط الطريقة التي يفسر بها الشباب مفاهيم الفرص، والقوة، والانتماء، كما تتقاطع معها فرض حالات الطوارئ بطرق معقدة.
عادةً ما تتركز إجراءات مثل تكثيف التواجد الأمني، وتوسيع صلاحيات التفتيش، وعمليات الاحتجاز في مجتمعات تعاني أصلًا من هشاشة اجتماعية واقتصادية. ونتيجة لذلك، يكون الشباب الذكور في هذه المناطق أكثر عرضة للتعامل مع الدولة من خلال أدوات إنفاذ القانون، أكثر من تلقي الدعم أو الخدمات. ومع مرور الوقت، تؤثر هذه التفاعلات في تصوراتهم حول الشرعية، والسلطة، والانتماء. فبعضهم يرى الدولة كأداة للتحكم والسيطرة، بينما يراها آخرون مصدرًا للحماية والاستقرار. وغالبًا ما يتوقف هذا الاختلاف على التجربة المعيشية، بل ويذهب كثيرون إلى القول إنه يتوقف أيضًا على المكان الذي يعيشون فيه.
تظهر أنماط مماثلة في مناطق أخرى من الإقليم. في جامايكا، على سبيل المثال، أسهمت حالات الطوارئ في خفض معدلات العنف، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف بشأن تأثيرها غير المتناسب على الشباب الذكور في المجتمعات المستهدفة. كما تُبرز دراسات من البرازيل كيف يمكن لممارسات الشرطة في المناطق الحضرية المهمشة أن تعزز دوائر من انعدام الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة.
التأثير على التنمية
تُبرز هذه الديناميكيات حقيقة جوهرية: إذ لا تعمل السياسات الأمنية في فراغ، بل تتقاطع على نحو وثيق مع قضايا عدم المساواة والهوية وإمكانية الوصول إلى الفرص، وهو ما يُشكّل طبيعة تفاعل الشباب من الذكور ومجتمعاتهم مع الدولة. ومن ثمّ، فإن استيعاب هذه العلاقة يُعد شرطًا ضروريًا لصياغة استراتيجيات فعّالة لأمن المواطنين. ويشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحدّ المستدام من العنف لا يتحقق عبر إجراءات إنفاذ القانون وحدها، بل يتطلب أيضًا معالجة العوامل البنيوية المحرّكة له، مثل الفقر، والتهميش، وضيق الآفاق الاقتصادية.
سعت مبادرات تنموية مختلفة إلى مواجهة هذه التحديات في أنحاء الكاريبي. فقد ركزت برامج في دول مثل غيانا وبربادوس على الإرشاد، وتنمية المهارات، وإشراك الشباب، انطلاقًا من إدراك أن الوقاية طويلة الأمد من العنف تعتمد على توسيع الفرص وتعزيز الإدماج الاجتماعي، وليس على الاعتماد على العمل الشرطي وحده.
لا تتعلق القضية بوجود حالات الطوارئ من عدمه. ففي سياقات العنف الحاد، قد تكون الاستجابات الفورية ضرورية. لكن السؤال الحقيقي هو: كيف تُدمج هذه الإجراءات ضمن أطر أوسع تعالج الأسباب الجذرية لانعدام الأمن؟ فعندما تعمل إجراءات الطوارئ جنبًا إلى جنب مع سياسات اجتماعية واقتصادية شاملة، يمكنها أن تُسهم في تحقيق الاستقرار؛ أما عندما تُطبق بمعزل عن غيرها، قد يقتصر تأثيرها على حلول قصيرة الأمد. وتُظهر تجارب مدينة ميديلين في كولومبيا كيف يمكن للجمع بين التدخلات الأمنية الموجهة والاستثمار في التعليم، والبنية التحتية، والبرامج الاجتماعية أن يُسهم في خلق فرص ويحقق تحسنًا أكثر استدامة في مستوى الأمان.
النقاش مستمر
لا تزال هذه الأسئلة دون حسم في ترينيداد وتوباغو، كما في أجزاء أخرى من الكاريبي. فقد تُغيِر حالات الطوارئ أنماط العنف على المدى القصير، لكن آثارها الأوسع تعتمد على كيفية تفاعلها مع الواقع الاجتماعي الذي يُشكّل انعدام الأمن، بما في ذلك الطريقة التي يفهم بها الشباب الذكور مفاهيم الفرص، والانتماء، والقوة.
في هذا الإطار، لا يقتصر الأمن على السيطرة على الجريمة فقط، بل يعكس أسلوب ممارسة السلطة، وكيف تؤثر تجارب الناس مع مؤسسات الدولة في تشكيل بيئة تُمكّن من تحقيق تنمية عادلة ومستدامة مع مرور الوقت.







