
نزولا عبر مسار غيلبين تريس في محمية غابة ماين ريدج في توباغو، برفقة مختص مراقبة الطيور نيوتن جورج. صورة من جوليا C2006 على موقع فليكر (CC BY 2.0)
في ظل مواجهة التداعيات السلبية المتنوعة لأزمة المناخ، بما فيها تهديدات طحالب السارجسوم لجذور أشجار القرم (المانغروف)، وابيضاض الشعاب المرجانية وارتفاع درجات الحرارة حاولت توباغو إيجاد طرق لتغيير مسارها. أشار الناشطون البيئيون لوجود احتمالية استخدام السارجسوم كوقود حيوي، تعاون معهد ترينيداد و توباغو للشؤون البحرية (IMA) مؤخرًا مع الحكومة، و القطاع الخاص و منظمة مجتمعية لترميم الشعاب المرجانية و مروج الأعشاب البحرية وإعادتها لحالتها الطبيعية.
اضطرت توباغو بعد هذا التراجع البيئي، بعد سنة واحدة من بدء مبادرة معهد الشؤون البحرية، لتنظيف تسرب نفطي ضخم في مياهها. أطلق عليه البيئيون الإقليميون تحذير وتنبيه قوي عن صناعة الوقود الأحفوري، والذي سبّب أزمة المناخ في المقام الأول. مع ذلك، كان الجانب المشرق هو سلسلة توباغو الجبلية ماين ريدج، مؤخرًا اُحتفل بالذكرى السنوية 250 لبدء حمايتها القانونية، أقر مجلس نواب توباغو (THA)، الجهاز الإداري الرئيسي في الجزيرة الاقتراح بالإجماع في المجلس، أعلنت الهيئة التشريعية يوم 30 أبريل/ نيسان ليكون يوم ماين ريدج.
بداية الحركة البيئية
تضم السلسة الجبلية الرئيسية في الجزيرة محمية غابة ماين ريدج، أُسست قانونيًا في عام 1776 وتعد وفق السجلات أقدم محمية غابية تتمتع بحماية قانونية وبشكل خاص نحو أغراض الحماية. استشهدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (UNESCO) من مجلة scientific American قولها أن “حماية غابات توباغو كانت أول خطوة في الحركة البيئية الحديثة.”
في تبرير اليونيسكو الخاص لقيمة ماين ريدج، والذي انتهى في النهاية إلى شمال شرق توباغو حيث تقع، في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 سُميت بمحميات الإنسان والمحيط الحيوي، عللت اليونيسكو سبب تسميتها: “على الرغم من أن توباغو جزيرة، الحياة الحيوانية تعود في اصلها إلى القارات، بما أن توباغو كانت متصلة سابقًا بالقارة الأمريكية الجنوبية نتج عنها توطين كبير للكائنات الحية. دعم هذا التنوع البيولوجي الفريد والنظام البيئي المتنوع بشكل استثنائي له قيمة عظيمة للإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، يحميها ضد تآكل التربة، ويشجع هطول الأمطار ويوفر مصارف كربون مهمة.”
ماين ريدج هي وجهة سياحية بيئية مشهورة، تصل إلى أقصى ارتفاع يبلغ 572 متر (حوالي 1،800 قدم) باتجاه مركزها، ويوفر موطن طبيعي مهم للنباتات المحلية والحيوانات، وتشمل عدة فصائل متوطنة.
إن المحافظة على ماين ريدج قبل قرون وضع سابقة لا تزال تؤثر على السياسات البيئية الدولية حتى اليوم.
لما حمايتها؟
أعلن المرسوم الذي أنشئ محمية غابة ماين ريدج أنها أُسست “ لغرض جذب زخات المطر المتكررة والتي تعتمد عليها خصوبة الأراضي في هذة المناخات اعتمادًا كليًا.”
أُقر هذا القانون في مجلس النواب البريطاني بعد تأخير استمر 11 سنة من تقديمة، ويُنسب الفضل في ذلك إلى سويم جينينز (Soame Jenyns) الذي كان مسؤولاً عن شؤون التجارة، بما فيها تجارة المستعمرات البريطانية، حيث كانت صناعة السكر مزدهرة كان ملاك المزارع يقومون بإزالة مساحات واسعة من الغابات لزيادة الانتاج.
تابع جينينز اعمال العالم ستيفن هيلز عن كثب، والذي أثبت وجود علاقة بين الأشجار وهطول الأمطار، سرعان ما أدرك أن صحة الغابة المطيرة لها تأثير مباشر على منطقة تجمع المياه، أثر بدوره على كل شي بدءًا من جودة المياه إلى الزراعة والموائل الطبيعية.
بعد 250 عامًا، أعاد طلاب مدرسة ثانوية في توباغو تمثيل النقاش البرلماني الذي حدث عام 1776 في مبنى الهيئة التشريعية التابعة لمجلس نواب توباغو. وكما قال الطالب الذي أدى دور جينينز” أزل الغابة، تفقد المطر.”
خلال حديثه في حفل افتتاح الأسبوع التذكاري المُقام بمناسبة ذكرى ماين ريدج، شدّد وزير البيئة والتكيف المناخي والطاقة دارين هنري على أن قرار حماية هذه الغابة المطيرة كان مسألة بقاء لتوباغو، لكنه ترك أيضًا أثرًا لا يُمحى في التاريخ البيئي العالمي، حيث تم تخصيص الغابة للحفاظ عليها “مع إدراك أن صحة الأرض والأمطار والسكان كانت جميعها تعتمد عليها.”
كما أصدر كلمات تحذيرية بشأن تدهور البيئة، مشيرًا بشكل خاص إلى التخلص غير القانوني من النفايات في منطقة ماين ريدج، والذي قال إنه سيتم التصدي له من خلال زيادة حملات التوعية العامة وجهود إنفاذ القوانين.
أوضح المدوّن فيراز عبدول في منشور عن الذكرى السنوية 250، أن حماية ماين ريدج “لم تكن من أجل التنوع الحيوي المذهل الموجود فيها، بل بسبب دور المرتفع كمستجمع للمياه. وبينما كانت قيمتها تُقدر بالمياه التي توفرها للممتلكات المحيطة، فإننا نفهم الآن أن مساهمة ماين ريدج تفوق بكثير ما كان يُعتقد قبل ربع ألفية.”
وأردف: “تتحكم الغابة المطيرة في مناخ توباغو. ولو اختفت، لأصبحت الجزيرة أكثر جفافًا وحرارةً. ولا تسهم التلال المجردة من الغطاء النباتي إلا قليلًا في جذب الأمطار، وهذه الأمطار مسؤولة أيضًا عن نقل العناصر الغذائية من المناطق الداخلية الوعرة في الجزيرة إلى سواحلها الوعرة كذلك، مما يغذي أنظمة الشعاب المرجانية الغنية المحيطة بالجزيرة. وعلى الرغم من أننا قد نلاحظ وجود تحديد واضح لحدود ماين ريدج على الخريطة وإشارات تدل عليها على امتداد الطرق، فإن الأذرع المغذية لهذه الغابة المطيرة الساحرة تمتد في أنحاء الجزيرة وما وراءها.”
رسائل دعم
انتشرت على الإنترنت العديد من الرسائل التهنئية بمناسبة الذكرى السنوية البارزة، إلى جانب العديد من الفعاليات والمبادرات التي أُقيمت حولها. وشكر أحد المرشدين السياحيين “جميع الأفراد والجهات التي تحافظ على هذا المكان الفريد شديد القيمة لحماية أجيالنا القادمة.” كما شددت شركة توباغو للفنون الأدائية، التي شاركت في الاحتفالات، على أن “الغابة موجودة لأننا نختار حمايتها.”
ركزت بعض المنشورات على أهمية العمل الجماعي في الحفاظ على نقاء ماين ريدج، بينما كان بعضها الآخر شخصيًا للغاية. وقال ديفيد راجبولسينغ، وهو أحد مستخدمي فيسبوك، في منشور مؤثر،”كانت غابة ماين ريدج بالنسبة لي أكثر من مجرد مكان لقد كانت وطنًا. وفي صمتها، كنت أجد نفسي؛ وفي نسيمها، كنت أتذكر شيئًا أعمق من الكلمات. ومع احتفالها بالذكرى السنوية الـ250 أدركت أنني لم أكن أمشي خلالها فحسب، بل كانت تحتويني طوال الوقت. ذكرى سنوية سعيدة لمكاني المفضل في العالم.”
كنوز جديدة ستُكتشف
عادةً، عندما تُحترم الطبيعة ويُسمح لها بالازدهار، تواصل عجائب ماين ريدج الظهور والتكشف. وفي منشور آخر على فيسبوك، أضاف راجبولسينغ طابعًا شاعريًا، فقال: “250 عامًا من السحر الهادئ في محمية غابة ماين ريدج وما زالت تحتفظ بأسرارها. وخلف المسارات التي تعرفها، تتدفق أكثر من 100 شلالٍ خفي عبرها كقصص هامسة، غير مرئية، وغير مسموعة، لكنها موجودة دائمًا. ليس كل شيء مُقدرًا له أن يُكتشف، فبعض الأشياء مُقدرٌ لها أن تُشعر فقط.”
وأبدى منشور عبدول في مدونته الإعجاب نفسه، إذ قال: “إن الذين اختبروا الصعود إلى ماين ريدج، سواءً من روكسبورو أو خليج بلودي، سيشهدون على التغير في الأجواء الذي يرافق كل منعطف في الطريق. وتتبع التغيرات التدريجية في الغطاء النباتي وتغريد الطيور ارتفاع الزائر نحو التلال المغمورة بالضباب. وعندما يستوي الطريق عند القمة، يبدو المكان وكأنه عالمم مختلف تمامًا عن بقية الجزيرة. التربةُ ناعمة، ورطبة باستمرار، وداكنة. وتتقاطع شبكات فوق شبكات من أنظمة الجذور عبر كل مسار في هذه الغابة المطيرة؛ أما أكبر أشجارها فتختبئ في وديان منعزلة نجت من بطش إعصار فلورا عام 1963، الذي اقتلع قمم معظمها. وفي أعلى نقاط الريدج، تكون الأشجار قصيرة ومتقزمة، ذات أغصان ملتوية مغطاة بالطحالب.”
برز اكتشاف مثير في داخل الغابة، وهو وجود شجرة نادرة تُعرف باسم “بلو كوبر”، لا يُعرف عنها في الوقت الحاضر إلا من خلال السجلات التاريخية، مما أثار اهتمامًا كبيرًا بين علماء الأشجار ومسؤولي الغابات، الذين استلهموا اسمها وأطلقوه على مسار داخل الغابة.
وفقًا لنائب مُحافظ الغابات ويليام تريم، فإن توباغو معروفة بشجيرة يطلق عليها السكان المحليون اسم “بلو كوبر”، غير أن هذه الشجرة مختلفة عنها. فهي طويلة نسبيًا، ولها جذور دعامية تمتد وتعلو فوق مظلة الغابة. وكانت ثمارها تُستخدم تقليديًا كعلاج لبعض الأمراض، بينما استُخدم خشبها في صناعة القوارب، أما اليوم فإن رحيقها يدعم أكثر من 200 نوع من الطيور التي تتخذ من ماين ريدج موطنًا لها. وقد اعتُبر هذا الاكتشاف دليلًا على نجاح الجهود الممتدة عبر قرون لحماية الغابة المطيرة.






