
صورة من سبين يمين لصالح جمعية الاتصالات التقدمية (APC)، استُخدمت بإذن.
بقلم هيجا كمران
هذا المقال جزء من سلسلة “لا تسأل الذكاء الاصطناعي، اسأل زميلًا”، وهو تعاون مشترك بين جلوبال فويسز وجمعية الاتصالات التقدمية وموقع GenderIT. تهدف هذه السلسلة إلى إعادة التأكيد على أهمية تبادل المعرفة بين البشر، وهو النهج المتبع منذ عقود. بإمكانكم متابعة السلسلة عبر المواقع الإلكترونية: APC.org وGenderIT.org و GlobalVoices.org. كما يُعد هذا المقال جزءًا من ملف جلوبال فويسز الخاص لشهر أبريل/نيسان 2026 بعنوان “رؤى بشرية حول الذكاء الاصطناعي“. يمكنكم دعم هذه التغطية من خلال التبرع عبر الرابط المرفق هنا.
يدفعني عملي باستمرار لاستنطاق التقنيات الجديدة؛ فأتساءل عن كيفية تصميمها، ولمن صُنعت، وكيف تُحكم، ومن المستفيد منها، ومن الذي يُترك وحيدًا لمواجهة عواقبها. هذا التشكك جعلني أتريث كثيرًا قبل تبني أي تقنية جديدة، لدرجة أنني كنت من أواخر المنضمين إليها في مرات أكثر مما أستطيع إحصاءه.
في العام الماضي، بدأتُ أتساءل بجدية عما إذا كان وجود ذكاء اصطناعي أخلاقي ونسوي أمرًا ممكنًا من الأساس. هل يمكن وجود نسخة من هذه التقنية تتيح لنا —نحن النسويات والمدافعين عن حقوق الإنسان— التعامل معها دون التنازل عن مبادئنا السياسية أو التزامنا بالدفاع عن حقوق الإنسان بمفهومها التقاطعي الشامل؟
إن هذا التردد والافتقار إلى الرغبة الملحة في ملاحقة كل صيحة تقنية جديدة نابع من سنوات من مراقبة كيفية عمل شركات التكنولوجيا. لقد أثبتت هذه الشركات، المرة تلو الأخرى، أن التزامها الأول والأساسي هو تجاه نماذج أعمالها، وليس تجاه الأشخاص الذين يستخدمون منصاتها. وكما قال مارك زوكربيرج ذات مرة: “أيها السناتور، نحن ندير إعلانات. ولكن بعيدًا عن التصريحات التي تنتشر كالنار في الهشيم، هناك أيضًا ما يُقال في الغرف المغلقة. على سبيل المثال، سألت مؤخرًا ممثلًا لإحدى شركات التقنية في مؤتمر حقوقي حول كيفية تمييز منصتهم للتواصل الاجتماعي بين التفاعل الضار وغير الضار عند عرض الإعلانات، فكان رده: ‘أنا أشجع الناس على قراءة شروط الخدمة الخاصة بنا.’ إن الافتراض بأن الحضور لم يقرؤوا هذه الوثائق —خاصة في قاعة قضى كل من فيها سنوات في تشريح نماذج أعمال شركات التقنية— كشف لي عن مدى ضآلة الرغبة في فتح باب للحوار الجاد والشفافية، ناهيك عن المساءلة.
لذا، عندما أتساءل عما إذا كان من الممكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أخلاقيًا أو نسويًا يومًا ما، حتى في جدول زمني بديل، فإن ذلك لا ينبع من مجرد رغبة في التشكيك، بل من سنوات من مراقبة أنماط متكررة. فالوعود بتقديم الأفضل واللغة المصاغة بعناية حول المسؤولية وتكلف مظهر الإنصات. كل هذا لم يغير بشكل جوهري طريقة بناء هذه الأنظمة أو الجهات التي تخدمها. بل إن ما حدث، إن كان قد أحدث شيئًا، هو أنه جعل الأمر أكثر وضوحًا: عندما يتعلق الأمر بحماية حقوقنا، فنحن في مواجهة الأمر بمفردنا إلى حد كبير؛ فلا توجد حكومة أو شركة تقنية ستأتي للدفاع عنها نيابة عنا أو معنا.
حين نتحدث عن نهج حقوقي تجاه الذكاء الاصطناعي، فإننا نعني بذلك مواجهة وتفكيك تلك الأنظمة التي صُممت عمدًا لخدمة موازين القوى لا لخدمة البشر، ورفض القبول بفكرة أن هذا هو المسار الوحيد الممكن لوجود هذه التقنيات.
تحدي الوضع الراهن في قطاع التكنولوجيا
ينطلق هذا المقترح من نقطة جوهرية لا يمكننا تجاهلها: التكنولوجيا ليست محايدة؛ فهي تعزز بفاعلية ذات الهياكل السلطوية الأبوية والاستعمارية التي عاش في ظلها الكثير منا لأجيال. وفي هذا السياق، تفرض كيانات قوية (شركات التقنية في هذه الحالة) شكل التفاعلات الاجتماعية للناس، ويُتوقع من الجمهور الامتثال دون أدنى تساؤل. إن هذه الأنظمة تُصمم من قبل فاعلين محددين، في مواقع بعينها، وبمنظور فكري خاص جدًا للعالم. لذا، فإن هوية من يبني هذه الأنظمة، ومن يسيطر عليها، ومكان بنائها، ومن يملك سلطة تحديد ما يعتبر “معيارًا ذهبيًا”، ومن يُنتظر منه الانصياع لضمان استمرارية عمل هذه الأنظمة دون انقطاع. كلها تساؤلات بالغة الأهمية؛ لأنها في النهاية هي ما يشكل كيفية ممارسة السلطة على السرديات وحياة البشر على حد سواء.
إنَّ أول ما يجب علينا أن نتحلى بالصراحة تجاهه هو أن التكنولوجيا لم تكن يومًا محايدة؛ فكرة الحياد هذه لم تكن سوى استراتيجية تسويقية انطلت على الكثيرين منا، لأن كل نظام تقني يحمل في طياته قيم وأولويات وتحيزات الأفراد والمؤسسات التي صممته. ولا يختلف الذكاء الاصطناعي عن ذلك؛ فهو مبني على بنية تحتية ومُدرب على بيانات تعكس العالم بواقعه الراهن، أي عالمًا غير عادل، ومنحازًا، وعنيفًا في كثير من الأحيان، ومن ثم يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج هذه الأنماط على نطاق أوسع، مغلفًا إياها بهالة من السلطة تجعل التشكيك فيها أمرًا بالغ الصعوبة.
لنأخذ بيانات التدريب كمثال؛ فهذه الأنظمة تقتات على كميات هائلة من المعلومات المجمعة من الإنترنت، بدءًا من السجلات العامة وصولًا إلى تفاعلاتنا اليومية التي لا ندرك حتى أننا جزء منها. وهذه البيانات بحد ذاتها مشكلة وفقًا لتاريخ طويل من الإقصاء، والعنصرية، والتمييز الجندري، والتفاوت الاقتصادي. وعندما يتعلم الذكاء الاصطناعي من هذه البيانات، فإنه يبرمجها في صلب نظامه، بل ويضخمها أحيانًا، ثم يعيد تقديمها إلينا وكأنها مخرجات محايدة. لذا، فإن المحتوى الذي يوصف بأنه “ذكي” ليس في كثير من الأحيان سوى وسيلة أكثر كفاءة لتكرار ما هو موجود بالفعل.
ثم تأتي تحيزات الشركات، وهي أقل خفاءً بكثير؛ فالشركات التي تبني هذه الأنظمة ليست مؤسسات عامة بتحيزاتها الخاصة، بل هي كيانات يسيرها الربح وتتحكم بها أهداف النمو وتطلعات المساهمين. وهذا يلقي بظلاله على كل شيء، بدءًا من تحديد المشكلات التي تستحق الحل، وصولًا إلى السرعة في نشر هذه الأنظمة، وغالبًا ما يتم ذلك دون إدراك كامل لتبعاتها. فمن هي الشعوب التي ستُصادر أراضيها لبناء مراكز بيانات عملاقة تترك أثرًا بيئيًا لا يُمحى مقابل زيادة قيمة أسهم الشركات؟ ومن هي الفئات التي ستُسرق معارفها وتُجير لصالح سباق الشركات نحو تطوير نموذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا؟ ومن هم الأشخاص الذين ستُصنف حيواتهم “كأضرار جانبية” في حرب الوصول إلى الدقة؟ ومن هم الذين سيُدفع بهم نحو الصمت والتهميش وسط الصخب المتعالي حول الابتكارات التي تعد بها هذه الأنظمة؟
يؤدي كل ذلك إلى جعل تتبع عدم المساواة أمرًا أكثر صعوبة، لكونه يتوارى خلف طبقات من الخوارزميات، والأكواد البرمجية، والأتمتة، والتعقيد التقني، فضلًا عن استراتيجيات التسويق المصاغة بعناية. إن العالم الرقمي ما هو إلا امتداد لمشكلات العالم المادي، ولكن غالبًا بطرق يصعب رصدها ومواجهتها.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الطريقة التي يساهم بها الذكاء الاصطناعي في تنامي الشعور بتجريد البشر من إنسانيتهم. ففي السياقات العسكرية، على وجه الخصوص، يُختزل البشر إلى مجرد نقاط بيانات، وأهداف يتعين تحديدها وتتبعها وتصفيتها في غضون ثوانٍ. وباتت القرارات التي تترتب عليها عواقب مصيرية بين الحياة والموت تُتخذ بشكل متزايد عبر أنظمة تفتقر إلى فهم السياق أو التاريخ أو الإنسانية. إن اختزال البشر إلى مدخلات ومخرجات، أو إشارات تجب معالجتها، أو أهداف يجب تحقيقها، يجعل من السهل تبرير الأضرار في التقارير والإيجازات الرسمية؛ حيث تتحول الوفيات والدمار إلى معدلات نجاح، ويُحجم البشر إلى مجرد أرقام في ملفات، وهو خيار سياسي متعمد حول الكيفية التي نقيم بها قيمة الحياة البشرية.
لا يمكن أن نكون نحن
إن محاكاة الأنماط لتصوير صلة شبيهة بالبشر لا تعني وجود صلة إنسانية حقيقية؛ فهي لا تنبع من الفهم أو التعاطف، بل تأتي من تنبؤات ليست سوى تخمينات إحصائية قائمة على البيانات التي غُذِّي بها النظام. وعندما نبدأ في التعامل مع ذلك كمعادل للتفاعل البشري، فإننا ننتهي بتجريد مفهوم العلاقات المتبادلة من قيمتها الحقيقية. إن أعمال الرعاية، وبناء المجتمعات، والمقاومة، والتعاطف، والبهجة، والمؤازرة الصادقة لبعضنا البعض؛ ليست وظائف يمكن أتمتتها.
حتى فكرة الذكاء الاصطناعي “الواعي”، التي تطفو على سطح النقاشات التقنية بين الحين والآخر، لا تعدو كونها في الغالب إعادة تسمية لأنظمة تنبؤ أكثر تعقيدًا. ففي نهاية المطاف، لا تزال هذه النماذج تولد مخرجات بناءً على احتمالات شكلتها البيانات؛ فهي لا تعي ما تقوله، ولا تدرك العواقب، لأنها ببساطة لا تحمل أي مسؤولية تجاه كائن آخر. وهذا التمييز جوهري، لا سيما عندما يتم تقديم هذه الأنظمة كصناع قرار في مجالات تمس حياة الناس بشكل مباشر ومصيري.
ربما، هنا يكمن الارتباط بالقضية الأكبر؛ فعندما نبدأ في الاعتقاد بإمكانية استبدال البشر، يصبح من السهل قبول الأنظمة التي تعامل الناس بالفعل كمجرد نقاط بيانات، سواء كان ذلك في مجالات البحث، أو التوظيف، أو العمل الشرطي، أو الرعاية الصحية، أو الرعاية الاجتماعية، أو حتى الحروب. إن المنطق ذاته الذي يختزل البشر في مجرد مدخلات هو ما يجعلهم أيضًا قابلين للاستغناء والتهميش. لذا، فإن مقاومة هذه السردية تعني التمسك بفكرة أن حياة البشر، وتعاطفهم، وتجاربهم، وواقعهم، وعلاقاتهم؛ هي أشياء لا يمكن اختزالها في مجرد مادة يمكن للآلة محاكاتها أو تحسينها.
إذا كنا جادين حتى في مجرد تخيل نهج قائم على حقوق الإنسان تجاه الذكاء الاصطناعي، فعلينا أولًا التخلي عن فكرة أن التكنولوجيا يمكن أن تحل محلنا، أو أن تُمنح الأولوية علينا، أو أن تملك سلطة تعريف ما يعنيه أن تكون بشرًا. فهي لا تملك ذلك، ولا ينبغي لها. لأن كل ما تقتات عليه هذه التكنولوجيا — من أراضٍ، وبيئة، وموارد، ووقت، وطاقة، وأنظمة بيئية بأكملها — مستمد من عالم وُجد من أجل الكائنات الحية، من بشر ونباتات وحيوانات، استوطنت هذا الكوكب قبل وقت طويل من مجرد تصور وجود هذه الأنظمة. إن إعادة صياغة تلك العلاقة تعني الإقرار بأن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أبدا أن يكون على حساب الحياة أو الكرامة، أو الظروف التي تجعل الحياة ممكنة في المقام الأول.
الحاجة إلى المساءلة
مع ذلك، فإن مسؤولية حماية العالم الذي نعيش فيه لا يمكن إلقاؤها على عاتق الفئات الأقل قدرة على تشكيل هذه التقنيات. في الوقت الراهن، تُتخذ القرارات في غرف مغلقة لن يتسنى لمعظمنا الوصول إليها أبدًا، ومع ذلك، نحن المطالبون بالتعايش مع عواقبها. إن النهج القائم على حقوق الإنسان يعني تحدي هذا الاختلال في التوازن، والإصرار على أن تكون المساءلة ملازمة لمراكز القوة والنفوذ.
وربما يعني ذلك أيضًا ضرورة تبني نهج تشكيكي منذ اللحظة الأولى؛ ليس بعد وقوع الضرر، بل عند طرح هذه التقنيات وتسويقها تجاريًا. إن من مصلحتنا طرح أسئلة شائكة ومبكرة، من قبيل: من أين استُمدت هذه التقنية؟ ومن بناها؟ وكيف تعمل؟ ومن المستفيد الحقيقي منها؟ لأننا دون ذلك، سننتهي بقبول هذه الأنظمة كقدر محتوم، بدلًا من رؤيتها على حقيقتها بوصفها “خيارات” اتُخذت. وبقيامنا بذلك، نفقد البوصلة نحو الفكرة الجوهرية المتمثلة في أن المستقبل يجب أن يُبنى حول الكائنات الحية، لا أن يُسخّر لخدمة الآلات وتحسين كفاءتها.







