فيليب أوندروشيك، طاهٍ عالمي معروف، وعالم بيئي وناشط، ينتمي لأصول نمساوية وسلافية، يجمع بين اهتمامه بالثقافة وهوية الطعام وخبراته الشاسعة في فنون الطهو الراقية والممارسات المستدامة. مع عمره الذي لا يتجاوز 29 عامًا، يقيم حاليًا في مدينة ساو باولو بالبرازيل، عاش في أماكن متعددة وزار أكثر من 30 دولة في أوروبا وخارجها، بالتعاون مع نخبة من الطهاة والمطاعم العالمية.

فيليب أوندروشيك، أرشيف شخصي. مستُخدمة بإذن
عمل أوندروشيك طاهيًا مبدعًا في مطاعم حاصلة على نجمتين وثلاث نجوم ميشلان، حيث صمّم مفاهيم طهو مبتكرة تقوم بدمج التقليد والحداثة. ومن بين هذه المطاعم المرموقة Central (البيرو) وKoks (جزر فارو) وAmador (النمسا) وBrae (استراليا) وSmyth (الولايات المتحدة الأمريكية) وAlto (فنزويلا). بالرغم من هذه الخبرات العالمية، لم ينسى جذوره الثقافية قط، وبقي شديد الاهتمام بالثقافة والطعام التقليدي في وسط وجنوب شرق أوروبا.
في خريف عام 2025، كان أوندروشيك ضيف شرف في مهرجان الجبن التقليدي في بلغاريا. ويُعرف بمزجه الفريد للنكهات ونهجه المميز الذي يدمج التقنيات الكلاسيكية والتقليدية مع الإبداع الحديث. واتباعًا لمبادئ «سلو فود» و«ديميتر» مع الاعتماد على الزراعة البيوديناميكية والمكونات الموسمية، يبتكر أطباق تحترم نزاهة المنتجات.
نيفينا بوريسوفا (ن.ب): كيف يمكنك التمييز بين الثقافتين النمساوية والسلافية وتقاليدهما في الطهو؟
Filip Ondrušek (FO): Austrian and Slavic cultures differ in their culinary expressions, yet they complement each other beautifully. Austrian cuisine is structured, precise, and deeply influenced by courtly traditions, craftsmanship, and a focus on technique. There is a clear hierarchy of flavors, and every detail — from preparation to presentation — is intentional. Precision and methodical execution are highly valued.
Slavic tradition, on the other hand, is more intuitive, emotive, and deeply connected to family, local ingredients, and everyday life. Recipes were often born from what was available rather than rigid instructions, carrying strong cultural and emotional significance. The flavor is as much about memory and identity as it is about technique.
For me, the most fascinating aspect is bridging these worlds — merging Austrian precision with Slavic emotional authenticity. Modern reinterpretation of traditional dishes can maintain technical excellence while preserving the emotion, identity, and memories embedded in the food.
فيليب أوندروشيك (ف.أ): تختلف الثقافتان النمساوية والسلافية في تعبيراتهما الطهوية، لكنهما تُكملان بعضهما بعضًا بشكل جميل. فالمطبخ النمساوي منظّم ودقيق، ومتأثر بشدة بالتقاليد البلاطية والحِرفية، مع تركيز على التقنية. هناك تسلسل واضح في النكهات، وفي كل تفصيل — من مرحلة التحضير إلى التقديم — مقصود بعناية. وتُعدّ الدقة والتنفيذ المنهجي قيمتين أساسيتين.
من ناحية أخرى، فالتقاليد السلافية فهي أكثر حدسية وعاطفية، ومرتبطة بشدة بالعائلة والمكونات المحلية والحياة اليومية. وغالبًا ما وُلدت الوصفات اعتمادًا على ما كان متاحًا لا على تعليمات صارمة، حاملةً قيمة ثقافية وعاطفية كبيرة. فالنكهة هنا تتعلّق بالذاكرة والهوية بقدر ما تتعلّق بالتقنية.
بالنسبة لي، يكمن الجانب الأكثر إلهامًا في وصل هذين العالمين — أي دمج الدقة النمساوية والأصالة العاطفية السلافية. فإعادة التفسير الحديثة للأطباق التقليدية يمكنها الحفاظ على التميّز التقني مع صون العاطفة والهوية والذكريات التي تعتبر جزء لا يتجزء من الطعام.
ن.ب: ماهي الخصائص الثقافية والتقاليد الغذائية المشتركة التي لاحظتها بين الدول والقارات؟
FO: Through my travels, I have observed that despite geographic and ethnic differences, there are universal values in gastronomy. One of the strongest is respect for ingredients and seasonality. Traditional cuisines, whether in Central and Eastern Europe, Asia, or Latin America, developed from the availability of local produce, with careful attention to nature and minimizing waste.
Another universal value is the social and familial dimension of food. Recipes are passed down not merely as technical instructions but as carriers of culture, emotion and identity. Food holds the memory of generations and creates a sense of belonging. This ties closely to history, as food becomes a living document of a society's past.
المصدر: كونسيبتيستا. يُستخدم بإذن
From a culinary perspective, any techniques are universal: fermentation, curing, smoking, pickling, and slow cooking emerged independently worldwide as practical responses to preserving food and maximizing ingredient usage. These principles remain highly relevant today and form the foundation of authentic, sustainable cuisine.
In Central and Eastern Europe, I see particular emphasis on hospitality, the heartiness of meals, and family-centered dining. These principles resonate with many other global cuisines, showing that while forms differ, the underlying values are strikingly similar. Understanding these common layers allows me to work with both local and global perspectives, balancing tradition and modern culinary expression
ف.أ: خلال رحلاتي، لاحظت بأنه بالرغم من الاختلافات الجغرافية والعرقية، هناك قيم عالمية في فن الطهو. ومن أقوى هذه القيم هي احترام المكونات والموسمية. فقد تطورت المطابخ التقليدية، إما كانت في أوروبا الوسطى أوالشرقية أو أسيا أوأمريكا اللاتينية، اعتمادًا على توافر المنتج المحلي، مع اهتمام دقيق بالطبيعة وتقليل الخسائر.
قيمة عالمية أخرى تتمثّل في البعد الاجتماعي والعائلي للطعام. فالوصفات لا يتم تناقلها كتعليمات تقنية فحسب، بل كحاملات للثقافة والعاطفة والهوية. يحمل الطعام ذاكرة الأجيال ويخلق شعورًا بالانتماء. يرتبط هذا ارتباطا وثيقا بالتاريخ، ليصبح الطعام وثيقة حيّة لماضي المجتمعات. ومن منظور طهوي، تُعدّ العديد من التقنيات عالمية: مثل التخمير والتجفيف و التدخين والتخليل والطبخ البطيء، إذ ظهرت بشكل مستقل في مختلف أنحاء العالم كحلول عملية لحفظ الطعام وزيادة استخدام المكونات. لا تزال هذه المبادئ ذات أهمية كبيرة حتى اليوم وتشكّل أساس المطبخ الأصيل والمستدام.
في أوروبا الوسطى والشرقية، أرى إن التركيز بشكل خاص يبرز على الضيافة و غنى الوجبات وتناول الطعام الذي يتمحور حول العائلة. وتتقاطع هذه المبادئ مع العديد من المطابخ العالمية الأخرى، مما يدل على أنه من الرغم من اختلاف الأشكال، إلا أن القيم الأساسية متشابهة بشكل لافت للنظر. إن فهم هذه الطبقات المشتركة يتيح لي العمل من منظورين محلي وعالمي، والموازنة بين التقاليد والتعبير الطهوي الحديث.
ن.ب: إذا كان التاريخ الوطني يُعكس في تقاليد الطعام، فكيف أثّر ذلك في مطبخ اوروبا الوسطى والشرقية؟
FO: I firmly believe that national history is one of the most powerful forces shaping food traditions. Cuisine acts as a living document, responding to wars, migrations, political shifts, economic crises, and periods of abundance. In Central and Eastern Europe, this historical imprint is particularly tangible.
المصدر: كونسيبتيستا. مستخدمة بإذن
Many traditional recipes were born out of necessity, shaped by available resources and survival needs. Root vegetables, fermented foods, potatoes and cabbage became staples, carrying the memory and identity of entire regions. The Austro-Hungarian Empire left a shared culinary heritage, evident in dumplings, pastries, sauces, and meat preparation techniques. Later political regimes simplified dishes and suppressed regional diversity, further shaping culinary identity.
History imprints itself systematically, not randomly. As a chef, I strive to understand these layers, working with them so that the dishes I create not only taste remarkable but also tell the story of place, people, and generational knowledge. Modern interpretation can preserve authenticity and emotion while giving food a contemporary language
ف.أ: أؤمن بشدة بأن التاريخ الوطني يُعدّ أحد أقوى العوامل التي تشكّل تقاليد الطعام. يُعدّ المطبخ بمثابة وثيقة حية تستجيب للحروب والهجرة والتحولات السياسية والأزمات الإقتصادية وفترات الرخاء. ويُعتبرّ هذا الأثر التاريخي في اوروبا الوسطى والشرقية ملموسًا بشكل خاص.
ولدت العديد من الوصفات التقليدية بدافع الضرورة وتشكّلت وفقًا لتوافر الموارد واحتياجات البقاء. وأصبحت الخضروات الجذرية، والأطعمة المخمّرة والبطاطا والملفوف عناصر أساسية، تحمل في طيّاتها ذاكرة وهوية مناطق بأكملها. تركت الإمبراطورية النمساوية-المجرية إرثًا طهويًا مشتركًا، يتجلّى في الزلابية والمعجّنات والصلصات وتقنيات تحضير اللحوم. ولاحقًا، بسّطت الأنظمة السياسية الأطباق وقمعت التنوع الإقليمي. ما ساهم في تشكيل الهوية الطهوية.
يترك التاريخ بصمته بشكل منهجي غير عشوائي، وكوني طاهيًا، أجتهد لفهم هذه الطبقات، وأعمل معها، بحيث لا تقتصر الأطباق التي أُعدّها على الطعم المميّز فحسب، بل تروي أيضًا قصة المكان والناس والمعرفة المتوارثة عبر الأجيال. ويمكن للتفسير الحديث أن يحافظ على الأصالة والعاطفة، مع منح الطعام لغة معاصرة.
ن.ب: كيف أثّرت الاشتراكية على تقاليد الطعام المحلي والوصفات؟ وماهي الإيجابيات والسلبيات؟

المصدر: كونسيبتيستا. مستخدمة بإذن
FO: Socialism had a significant and dual impact on gastronomy. On the positive side, it fostered resourcefulness, teaching people to cook efficiently, use every part of an ingredient, and create satisfying meals with limited resources. These practices — seasonal cooking, minimal waste, and home-based culinary creativity — remain relevant today, especially in the context of sustainability and zero-waste approaches.
On the negative side, socialism led to homogenized flavors, centralized production, and a suppression of regional diversity. Many local recipes were simplified or lost their original character. Culinary creativity was often limited, and the richness of regional gastronomy was diminished.
Overall, the positives and negatives were relatively balanced. The system left a strong culture of practical, resource-conscious cooking, but weakened regional uniqueness and culinary diversity. Today, chefs face the challenge of preserving the valuable lessons while reviving local identity, creativity, and depth.
ف.أ: كان للاشتراكية أهمية وتأثير مزدوج على فن الطهو. على الجانب الإيجابي، عزّزت روح الاعتماد على الموارد المتاحة، وعلّمت الناس الطهي بكفاءة، واستخدام كل جزء من المكونات، وإعداد وجبات مُشبعة بموارد محدودة. ولا تزال هذه الممارسات — مثل الطهي الموسمي وتقليل الهدر والإبداع في المطبخ المنزلي — ذات أهمية كبيرة حتى اليوم، خصوصًا في سياق الاستدامة ونهج صفر نفايات.
أما الجانب السلبي، فقد أدّت الاشتراكية إلى تجانس النكهات وتركيز الإنتاج وقمع التنوع الإقليمي. وقد بُسّطت العديد من الوصفات المحلية أو فقدت طابعه الأصلي. كما كان الإبداع الطهوي كثير من الأحيان محدودًا، مما أضعف غنى فن الطهو الإقليمي.
بوجه عام، كان هناك توازن نسبي بين الإيجابيات والسلبيات. فقد خلق النظام ثقافة قوية من الطهي العملي الواعي بالموارد، ولكنه في المقابل أضعف الخصوصية الإقليمية والتنوع الطهوي. واليوم، يواجه الطهاة تحدّي الحفاظ على الدروس القيّمة، مع إحياء الهوية المحلية والإبداع والعمق.

المصدر: كونسيبتيستا. مستخدمة بإذن
ن.ب: كيف يستطيع الطهاة المعاصرون موازنة الوصفات التقليدية مع الاتجاهات الحديثة في فن الطهو؟
FO: From my perspective, the balance between tradition and modernity is at the core of contemporary cuisine. The flavors of childhood — the tastes and memories associated with meals from parents or grandparents — form the mental and emotional foundation for understanding food. These flavors carry cultural identity, history, and emotion, which must never be lost in reinterpretation.
Modern techniques, innovative presentations, and new culinary approaches can enhance traditional dishes, but they should never overshadow the original intent or essence. A dish should evoke emotion and familiarity while speaking in a contemporary language. Achieving this balance requires understanding of ingredients, techniques, and the cultural context of each recipe.
In practice, this means carefully analyzing traditional recipes, identifying their core identity — be it a texture, flavor profile, or emotional resonance — and then thoughtfully integrating modern elements. Whether through sous-vide precision, new plating aesthetics, or molecular techniques, the goal is to honor tradition while creating a meaningful, sensory experience for today’s diners.
ف.أ: من وجهة نظري، تُعدّ الموازنة بين التقليد والحداثة جوهر المطبخ المعاصر. فنكهات الطفولة — المذاق والذكريات المرتبطة بالوجبات من الأهل أو الأجداد — تشكّل الأساس الذهني والعاطفي لفهم الطعام. وتحمل هذه النكهات الهوية الثقافية والتاريخ والعاطفة، وهي عناصر لا ينبغي أن تضيع أبدًا في عملية إعادة التفسير.
التقنيات الحديثة وأساليب التقديم الإبداعية ونهج فن الطهو الجديد من الممكن أن تحسن الأطباق التقليدية، ولكنها ينبغي ألا تطغى أبدًا على النية الأصلية أو الجوهر. ينبغي للطبق أن يستحضر العاطفة والألفة مع التعبير بلغة معاصرة. ويتطلب إنجاز هذا التوازن فهمًا للمكوّنات والتقنيات والسياق الثقافي لكل وصفة.
في الممارسة العملية، يعني هذا تحليل الوصفات التقليدية وتحديد هويتها الأساسية — سواء كان ملمسًا أو نكهة مميزة، أو رنينًا عاطفيًا — ثم دمج العناصر الحديثة بشكل مدروس. سواء من خلال دقة الطهي بتقنية السو-فيد أو جماليات التقديم الحديثة أو التقنيات الجزيئية، فإن الهدف هو تكريم التقليديّات مع خلق تجربة حسية ذات مغزى لرواد مطاعم اليوم.
ن.ب: هل فقد الطعام المحلي أصالته بسبب التحديث والوجبات السريعة؟
FO: I believe that modernization and the global spread of fast food have contributed to a measurable loss of authenticity in local cuisine. Fast food promotes convenience over connection to ingredients, process, and memory. While it meets certain societal needs, it often diminishes the value of traditions and the emotional depth associated with home-prepared meals.
ف.أ: أعتقد بأن التحديث والانتشار العالمي للوجبات السريعة ساهما في فقدانٍ ملموس لأصالة المطبخ المحلي. فالوجبات السريعة تعزّز الراحة على حساب الصلة بالمكوّنات وعمليات الطهي والذاكرة. ومع أنها تلبّي بعض الاحتياجات المجمتمعية، فإنها غالبًا ما تُضعف قيمة التقاليد والعمق العاطفي المرتبط بالوجبات المحضرة في المنزل.
ن.ب: هل يمكننا بطريقة ما استخدام التحديث بشكل ايجابي؟
FO: Modernization itself is not inherently negative. When approached responsibly, it can reinterpret traditions without erasing them. Authenticity is not defined by rigidity but by respect — for ingredients, regional methods, and culinary stories. Our responsibility is to safeguard these values, translating them into contemporary contexts in ways that engage today’s audience while preserving emotional resonance and cultural identity.
In practical terms, this means balancing innovation with respect, integrating sustainable practices, elevating local and seasonal ingredients, and presenting traditional flavors in ways that remain recognizable, emotive, and culturally meaningful. Authenticity thrives not by resisting modernity, but by allowing it to enhance, not erase, the culinary narrative.
ف.أ: التحديث في حد ذاته ليس سلبيًا بطبيعته. وعند التعامل معه بمسؤولية، من الممكن أن يتم إعادة تفسير التقاليد دون محوها. الأصالة لا تُعرَّف بالجمود ولكن بالإحترام — للمكوّنات والأساليب الإقليمية والقصص الطهوية.
وتقع على عاتقنا مسؤولية حماية هذه القيم وترجمتها للسياق المعاصر، بطرق تُشرك جمهور اليوم مع الحفاظ على الصدى العاطفي والهوية الثقافية.
بالمصطلحات العملية، يعني ذلك الموازنة بين الابتكار والاحترام، ودمج الممارسات المستدامة وإبراز المكونات المحلية والموسمية وتقديم النكهات التقليدية بطرق تجلعها تظل مألوفة وعاطفية وذات مغزى ثقافي. فالأصالة تزدهر لا بمقاومة بمقاومة الحداثة ولكن بالسماح لها بأن تُحسّن، لا أن تمحو التاريخ.








