تحدي الثقة المجتمعية مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي في الإدارة الحكومية

smart government

لقطة شاشة من (مختبر ابتكار الحكومة الذكية) في هونغ كونغ. الاستخدام العادل.

يندرج هذا المنشور ضمن سلسلة :في دائرة الضوء” من جلوبال فويسز لشهر أبريل/نيسان 2026 ، تحت عنوان “منظور إنساني حول الذكاء الاصطناعي”. تسلط هذه السلسلة الضوء على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في دول الأغلبية العالمية، ومدى تأثير توظيفه وتطبيقه على المجتمعات المحلية، وما قد تؤول إليه هذه التجربة في مستقبل الأجيال القادمة، وغيرها من المحاور. يمكنك دعم هذه التغطية عبر التبرع من هنا.

أعمل بالتدريس وأعيش داخل الحرم الجامعي لإحدى الجامعات الحكومية في هونغ كونغ. ومع إشراقة كل عام أكاديمي جديد، تتدفق سيل من التحذيرات المتواصلة من عمليات الاحتيال؛ ملصقات تملأ أركان الحرم الجامعي، ورسائل بريد إلكتروني، وتنويهات موجهة للطلاب، وتذكيرات دورية من إدارة الجامعة، فضلًا عن الملصقات التي تكسو محطات مترو الأنفاق، وعناوين الصحف اليومية. وكلها توصي بضرورة توخي الحذر من الروابط المشبوهة، والمكالمات الاحتيالية، وطلبات الدفع الزائفة، والهويات المنتحلة والمصطنعة، والرسائل التي تبدو عاجلة ومقنعة بما يكفي لتدفعك للتحقق منها مرتين. ولعل هذه التحذيرات قد اتخذت منسوبًا تصاعديًا ومكثفًا، لاسيما بعد الحادثة الشهيرة التي تصدرت العناوين، حين وقع أحد الموظفين ضحية لخدعة التزييف العميق عبر مكالمة فيديو مفبركة مع المدير المالي لشركته، أسفرت عن تحويل ملايين الدولارات؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة وتكرار الرسائل التحذيرية التي تؤكد أن الذكاء الاصطناعي قد فرض وجوده ليبقى، وأننا  لسنا مستعدين بعد لمواجهته.

أجد في الأمر مفارقة ساخرة أن تكون إحدى الفئات الديموغرافية الأكثر استهدافًا لرسائل التحذير المتتالية من الاحتيال القائم على الذكاء الاصطناعي هي فئة الطلاب الشباب؛ أولئك الذين غالبًا ما يُوصفون بأنهم أبناء العصر الرقمي، والملمّون بغريزتهم بلغات المنصات، والأجهزة، وتفاصيل الحياة الافتراضية. إن ثمة تحولًا قد طرأ على ممارساتنا الرقمية جعل من الحذر الكلمة الأكثر تداولًا وهوسًا اليوم؛ إذ لم نعد قادرين على الوثوق بأن ما نراه هو الحقيقة بعينها. ولا أعتقد أن المسألة تتعلق مجردةً بتنامي الأخبار الزائفة والتضليل الإعلامي واستمرارهما، بل إن الأمر يضرب في عمق شروط الثقة ذاتها: لا يقتصر الأمر على قدرتنا على الوثوق بالمعلومات الرقمية التي تصادفنا فحسب، بل يمتد ليمس قدرتنا على الوثوق بتقديرنا الخاص وحكمنا الذاتي في تفاعلاتنا اليومية مع الذكاء الاصطناعي.

anti-scam-hk

ملصق للتوعية ضد الاحتيال يستهدف الطلاب في هونغ كونغ. لقطة شاشة من (مركز التنسيق لمكافحة الخداع). استخدام عادل.

كانت المناقشات  السابقة حول التضليل الرقمي غالبًا ما تركز على مسألة الانتشار: شائعة تتسع رقعتها بسرعة فائقة، أو صورة مفبركة تجتاح المنصات، أو ادعاء زائف يترسخ قبل إمكانية تصحيحه. كانت تلك مشكلات جسيمة، لكنها ظلت تفترض أن الزيف هو مجرد عنصر دخيل أُقحم في بيئة رقمية يمكن قراءتها وتمييزها في الأحوال العادية. أما اليوم، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد ولجنا فضاءً لم يعد الزيف فيه هو المتاح، بل أصبحت المصداقية  هي السلعة البخسة، والقابلة للتمدد، والمحيطة بنا من كل جانب، بل والطبيعية؛ إذ يغرق هذا الذكاء الفضاء الرقمي بأشياء لا تبدو زيفًا واضحًا، ولكنها في الوقت ذاته ليست حقيقة موثوقة، مما يولد نوعًا من الإنهاك المعرفي والاستسلام الذهني.

يمكن للمجموعات البشرية أن تتعايش مع الخلاف، لكننا لم نهتدِ بعد إلى طريقة للعيش في ظل التشويه المستمر. إن ما يتآكل اليوم ليس مجرد ثقتنا بالمعلومات التي تصادفنا، بل ثقتنا في قدرتنا الذاتية على التعامل مع هذه المصداقية   التي ينتجها الذكاء الاصطناعي التوليدي ومحاكمتها عقليًا. ويُظهر تركيز هونغ كونغ الأخير على تدابير مكافحة الاحتيال أن خديعة التزييف العميق وأشكال التضليل الرقمي الأخرى قد بلغت من الخطورة ما استدعى استجابة تتضمن أنظمة تقنية—مثل منصة Scameterالمصممة لرصد هذه العمليات أو اعتراضها. وقد وصفت السلطات المالية هذا الوضع علانية بأنه أرض معركة جديدة بات لزامًا فيها استخدام الذكاء الاصطناعي لمحاربة الذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن استعادة الثقة لم تعد رهنًا بالإدراك والتمييز البشري، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التحقق التقني بوصفه طبقة حماية تُوضع فوق الإنتاج التقني ذاته.

هذه هي المفارقة المدنية التي تكمن في صميم اللحظة الراهنة. فكلما طغت المعقولية المصطنعة والمزيفة على الحكم اليومي، كلما أصبح التحقق خدمة متخصصة. فالمؤسسات الموثوقة، أو الأشخاص الموثوق بهم الذين نعرفهم من خلال قربنا منهم وعلاقاتنا بهم، يتم استبدالهم بمجموعة من الأنظمة التي تدعي أنها تخبرنا بما هو حقيقي. وعندما يغدو الصوت يحتاج إلى فحص جنائى، وتحتاج الرسالة إلى إشارة من منصة، ولا يمر التفاعل الإنساني إلا عبر بوابة روبوتات الدردشة والمرشحات، وطبقات الكشف، ليعود إلينا أخيرًا كشيء يُفترض بنا تصديقه، عندها تبدأ الثقة المدنية في الانتقال بعيدًا؛ لتغادر فضاء العلاقات الاجتماعية المشتركة، وتستوطن البنى التحتية التقنية المدارة.

في حين يُتعامَل مع معظم هذه التحديات على مستوى رصد الاحتيال ومكافحته، فإن التبعات المترتبة عليها أوسع نطاقًا. فلننظر فيما يحدث عندما يتغلغل الذكاء الاصطناعي في الواجهات الاعتيادية للحياة العامة: أنظمة الاستعلام، ومنصات الخدمة الذاتية، وإجراءات المعاملات الحكومية، وأدوات الترجمة، وبوابات الدفع، وخدمات المساعدة الآلية، وصولًا إلى التوسع الأكبر في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن سير العمل بالإدارة اليومية للمدينة. ويُبرَّر وجود الذكاء الاصطناعي هنا بإعادة تنظيم العمل حول السرعة، والوضوح، والكفاءة؛ وهي سمات تدمجها هونغ كونغ بشكل رئيسي في صورتها كمدينة مكدسة، فائقة السرعة، وشديدة الترابط، ومصممة بأعلى مستويات الكفاءة تحت الأضواء الكاشفة.

ومع ذلك، فإننا أمام مشهد جديد تملك فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي سلطة التحقق من تفاعلاتنا وإدارتها، سواء مع بعضنا البعض أو مع المدينة؛ مما يحيل اللقاءات المدنية إلى مجرد إجراءات ومعاملات نمطية. هنا، يتحول المواطن إلى مستخدم، وتتحول القضية العامة إلى مجرد استفسار. وضمن التوجه السياسي الحالي لبناء المدينة الذكية، يتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد ليصبح الركيزة الأساسية لمنظومة تقديم الخدمات العامة المتسارعة والموسعة. غير أن الكفاءة، بمفردها، لا تخلق ثقة مدنية؛ فالمؤسسة العامة لا تكتسب طابعًا مدنيًا إضافيًا بمجرد تحولها إلى مؤسسة أكثر أتمتة.

كما يتضح في جلسات العامة للتحقيق في كارثة حريق مجمع “تاي بو” السكني، أن الثقة المدنية تتطلب فهم كيفية اتخاذ القرارات، وجهات المساءلة، وآلية توزيع المسؤوليات عند الخطأ. والتحدي الذي تواجهه الثقة المدنية مع الذكاء الاصطناعي يرتبط بالوقت مثلما يرتبط بالتقنية. حيث لن تنجح الدعوات للوعي بالذكاء الاصطناعي والحذر منه إلا بتغيير مفرداتنا في وصفه؛ فإذا نعتنا أنظمته بأنها أنظمة اتخاذ قرار، لا أنظمة تلقائية، واعتبرنا إدخال البيانات استحواذًا، ستتغير علاقتنا بهذه التقنية. فعندما يصبح الضرر جليًا، تكون المنظومة قد تجاوزت النقطة وتحركت. وكما يحدث في العنف الجنسي والمبني على النوع الاجتماعي والميسر تقنيًا؛ فبينما تُكشف حقيقة الصورة المزيفة، يكون أثرها الاجتماعي قد انتشر، وقبل صياغة الضمانات، تكون الواجهة قد أصبحت أمرًا مألوفًا. إننا نركض دائمًا للحاق بالركب، وهذا يولد شكًا جماعيًا في قدرتنا على إدراك ما يجري أثناء حدوثه.

غالبًا ما يُطرح التحقق بوصفه الحل الحتمي لهذه المعضلات، لكنه يظل غير كافٍ. فإذا اختُزلت الحياة المدنية في حلقة مفرغة لا تنتهي من الرصد والتصحيح والاستجابة، ستتحول الثقة العامة إلى وضع دفاعي دائم. عندها، سنتوقف عن التساؤل حول طبيعة العلاقات التي ينبغي للتقنية أن تتيحها، ونرتضي بدلًا من ذلك بمجرد السيطرة على الأضرار وتحجيمها.

ماذا يعني أن نفكر بطريقة مختلفة ؟ في استوديو الروايات الرقمية الذي أديره، نبدأ بنقلة بسيطة لكنها جوهرية: نتحول من السؤال عن كيفية تحسين الذكاء الاصطناعي للخدمات المدنية، إلى السؤال عن طبيعة العلاقات المدنية التي يجب على هذه الخدمات تعزيزها واستدامتها. إن الكفاءة والأمان أمران ضروريان، لكن التمهل والتفسير وإمكانية بقائنا مسؤولين ومحاسبين أمام بعضنا البعض لا تقل أهمية، حتى وإن أصبحت لقاءاتنا وتفاعلاتنا تتشكل بطريقة  متزايدة عبر الأنظمة الاصطناعية.

نسمي هذا بناء البنية التحتية القائمة على العلاقات. فإذا كانت الثقة تُزاح من العمليات الاجتماعية المشتركة إلى الأنظمة التقنية القائمة على المصداقية  الزائفة والتحقق، فلن يكون الحل مجرد آليات رصد أفضل أو تحذيرات أعلى صوتًا.ولا يحركني هنا الحنين  للعودة إلى زمن ما قبل الوساطة التقنية، وكأن ذلك الزمن كان حقيقيًا أصلًا. بل يتعين علينا التعايش مع التقنيات التي تنظم الحياة المدنية اليوم، مع رفض الروايات التي تقدمها حول اتخاذ القرار والثقة. ويعني هذا بالنسبة لنا خلق عمليات ملموسة ومشتركة، تمكّن الناس من تسمية ما يواجهونه، ومقارنة تجاربهم، وتبادل التفسيرات، واختبار الأحكام معًا، وبناء مفردات جماعية للواقع الجديد الذي فرضه الذكاء الاصطناعي كأمر واقع.

في عملنا، يتجسد هذا في شكل تجارب صغيرة في اللغة، والعلاقات، والامكانية . فمن خلال لقاءات غير رسمية وشبه منظمة – تكون دائمًا مصحوبة بالطعام – نخلق مساحات يستطيع الناس فيها وصف كيفية دخول الأنظمة الموجهة بالذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتهم اليومية، وحيث يمكن لمفردات مدنية جديدة أن تنبثق من التجربة المعاشة بدلًا من الوصفات التقنية الجاهزة وحدها.أنا لا أريد فرض لغة معينة وكأن هناك لغة واحدة مستقرة، ولكن حاول أن تفكر كيف ستفهم مستقبليات الذكاء الاصطناعي، والتاريخ الذي يدمجه، والتجارب التي يربكها، إذا كان عليك إدراج مصطلحات مثل: غير المستقر، والاشتباك، والمرآة المتسخة، والحميمية السامة، والأسى، والرفقة كجزء من وصفك للذكاء الاصطناعي في حياتك اليومية.ونحن نوسع هذا إلى ممارسات نمذجة اللغة القائمة على العلاقات؛ ممارسة لا تحاكي الارتباطات الآلية بل تبني العلاقات الإنسانية كوسيلة لتشكيل وتفسير مجموعة البيانات، حيث يمكن تسمية القصد الإنساني، والسياق الاجتماعي، والمساءلة المتبادلة، والقلق المشترك، لتصبح هذه المفاهيم ركيزة أساسية في كيفية تخيلنا للمشاركة المدنية مع الذكاء الاصطناعي. ونقرن ذلك بالالتزام بالممكن والمتاح: عبر الإصرار على أن الذكاء الاصطناعي لا يزال أرضاً غير مستقرة، ولا يزال قابلاً للتشكيل بطرق أخرى، وأن اللغة والمفردات التي يأتي بها ليست أمراً نسلم به ببساطة.

إن هذا النهج القائم على البناء من القاعدة إلى القمة لا يقبل التوسع السريع وليس بالأمر السهل، لكنه يرتكز على فكرة أننا نعيش مع التقنيات ومن خلالها، ولا نقف ببساطة خارجها لنكتفي بنقدها.نحن نفكر من خلال إعادة بناء الظروف العلاقية التي نواجِه عبرها التقنيات، ونفسرها، ونخضعها للمساءلة؛ حتى لا يقتصر دورنا على محاولة التحقق مما هو حقيقي فحسب، بل يتعداه إلى خلق مجتمعات قادرة على صناعة المعنى معًا.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.