
. منتزه نونغسا الرقمي في باتام، إندونيسيا. لقطة شاشة من مقطع فيديو على يوتيوب لقناة نيوز آسيا، ضمن الاستخدام العادل.
تندرج هذه المقالة ضمن سلسلة “في دائرة الضوء” وجهات النظر البشرية حول الذكاء الاصطناعي” التي تقدمها جلوبال فويسز لشهر أبريل/نيسان 2026. تقدم هذه السلسلة رؤية حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في دول الأغلبية العالمية، وكيف يؤثر استخدامه وتطبيقه على المجتمعات المحلية، وما قد تعنيه تجربة الذكاء الاصطناعي هذه للأجيال القادمة، وغير ذلك. يمكنك دعم هذة التغطية بالتبرع هنا.
أدى صعود الذكاء الاصطناعي إلى موجة من إنشاء مراكز البيانات في مختلف أنحاء إندونيسيا، إلا أن جهات معنية أعربت عن مخاوفها بشأن تأثير ذلك على إمدادات المياه المحلية.
من المتوقع أن يُسهم النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج قيمة اقتصادية تُقدّر بنحو 243.5 مليار دولار أمريكي، ما يعادل نحو 18 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لإندونيسيا لعام 2022.
لتحقيق هذه الإمكانات، يتطلب الأمر توفير الموارد اللازمة لبناء مراكز بيانات مُهيّأة للذكاء الاصطناعي.
يقول دارما سيمورانغكير، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت إندونيسيا: “إن مراكز البيانات ليست مجرد بنية تحتية تكنولوجية، بل تمثل مفتاحاً لخلق اقتصاد جديد قائم على الذكاء الاصطناعي وتمكين التحول الرقمي الشامل”.
بحلول أبريل/نيسان 2026، بلغ عدد مراكز البيانات في البلاد 170 مركزًا، ومن المرجح أن يرتفع هذا العدد في ظل تشديد سنغافورة (وهي مركز رقمي رئيسي في جنوب شرق آسيا) لمتطلبات الاستثمار في هذا القطاع.
وقد استقطبت مدن قريبة من سنغافورة، مثل جوهور في ماليزيا وباتام في إندونيسيا، استثمارات في مراكز البيانات لتلبية الطلب المرتفع على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في المنطقة.
غير أن هذه الآفاق الاقتصادية الواعدة ترافقها مخاوف من أن تلحق مراكز البيانات ضررًا بالمجتمعات المحلية، نظرًا لاستهلاكها كميات هائلة من المياه.
وتتطلب هذه المراكز وحدات تكييف هواء ضخمة وأنظمة تبريد سائلة متطورة لضمان تشغيلها.
وأشار تقرير صادر عن منصة “داتا سنتر بوم!”، التي ترصد التأثيرات الاجتماعية لمراكز البيانات، إلى أن مركز بيانات متوسط الحجم يستهلك نحو 300 ألف غالون من المياه يوميًا (110 ملايين غالون سنويًا)، وهو ما يُعادل الاستهلاك المائي السنوي لنحو ألف أسرة.
وفي إندونيسيا، يقع ما يقارب نصف مراكز البيانات البالغ عددها 170 مركزًا في مناطق حارة، مما يعني أن استهلاكها المفرط للمياه قد يقوض وصول السكان إلى هذا المورد الحيوي.
وفي عام 2025، سجل “مستودع رصد الإعلام للحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في إندونيسيا” ست حالات مرتبطة بمراكز البيانات، شملت تسريبات قواعد بيانات، وإخفاقات في الأداء، واستهلاكًا مفرطًا للطاقة.
وقد تعكس الحالة في باتام كيف أسهم انتشار مراكز البيانات في تفاقم أزمة المياه في المدينة. إذ يضم المجمع الصناعي في باتام 18 مركزاً للبيانات، كما جرت الموافقة على منشآت مماثلة لتحويل مركز بناء السفن والتصنيع إلى قوة رقمية إقليمية.
وكتب الباحث ريزا أجي براتاما عن متطلبات الموارد اللازمة لاستثمارات مراكز البيانات في باتام، مشيرًا إلى أن مراكز البيانات الجديدة في متنزه كابيل الصناعي ستحتاج إلى قدرة كهربائية تبلغ 56 ميغاواط، وما يصل إلى 3 ملايين لتر من المياه يومياً لأغراض التبريد، وهو ما يكفي لتلبية الاحتياجات اليومية لنحو 30 ألف شخص. أما مراكز البيانات التسعة المقترحة في متنزه نونغسا الرقمي، فستحتاج إلى قدرة تحميل تبلغ 285 ميغاواط ونحو 29 مليون لتر من المياه يوميًا. ومن شأن مراكز البيانات القائمة والمخطط لها أن تستهلك نحو ثمانية في المئة من إمدادات المياه في باتام.
وقد نشرت إحدى شركات التكنولوجيا التي تروّج لمراكز البيانات في باتام على موقعها الإلكتروني: «مع إمكانية الوصول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وتوافر إمدادات مياه وفيرة، ووجود لوائح بيئية صارمة، تتبنى باتام مسار التنمية المستدامة».
غير أن باتام تواجه باستمرار أزمات متعلقة بالمياه. في سبتمبر/أيلول 2024، شهدت المدينة احتجاجًا محليًا طالب السلطات بمعالجة كيفية تأثير مراكز البيانات في تقليص إمدادات المياه للمجتمعات المحلية. وقد لخّص أوبا إنغان سيغالينغينغ، من حركة “جيركان بيرساما راكيات”، مشكلة المياه في باتام خلال مقابلة إعلامية.
The situation of water congestion in Batam is currently like a lottery, it’s just a matter of waiting for which housing won’t receive water today. I think the people of Batam have been too patient in facing this problem, the demonstration earlier was the peak and the condition will only get hotter in the future.
أصبح وضع أزمة المياه في باتام حاليًا أشبه باليانصيب؛ فالأمر ليس سوى انتظار أيّ منطقة سكنية لن تصلها المياه اليوم. وأعتقد أن سكان باتام أبدوا قدرًا كبيرًا من الصبر في مواجهة هذه المشكلة، وكانت المظاهرة الأخيرة نقطة الذروة، ولن يزداد الوضع مستقبلاً إلا احتدامًا.
في ديسمبر/كانون الأول 2024، تجمّع العشرات من سكان قرية الصيد تيلوك ماتا إيكان أمام منشآت مراكز البيانات في متنزه نونغسا الرقمي، واحتجّوا على التدفق المستمر للمياه داخل المجمع التكنولوجي بينما تعاني مجتمعاتهم المحلية من نقص دائم في المياه. وسارعت السلطات إلى معالجة المشكلة، ونسبت المشكلة إلى «خلل تقني» تسبب في اضطراب توزيع المياه.
ويُعد وضع المياه تذكيرًا بضرورة تحقيق التوازن في مساعي باتام المتواصلة للتحول إلى مركز رقمي، من خلال تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المحليين.
وقال الناشط البيئي غاري دافيت سيميت في مقابلة مع قناة نيوز آسيا: «لا نعارض التنمية، لكن يتعين على الحكومة المحلية أن توازن بعناية بين التوسع الصناعي والاستدامة البيئية».
وفي مقابلة مع صحيفة جاكرتا بوست، حذّرت هوتماولي سيدابالوك، الباحثة في مؤسسة أميرتا إير إندونيسيا، من أن عدم معالجة المخاوف المتعلقة بندرة المياه قد يؤدي إلى ظلم بيئي.
The situation may lead to environmental injustice. Human needs, with water being a basic necessity, compete with the demands of data centers. Not to mention the broader implications for ecosystem inequality. This becomes even more concerning in the context of climate change, which is already contributing to increasing water scarcity.
قد يؤدي هذا الوضع لحالة من انعدام العدالة البيئية، إذ تتنافس احتياجات البشر إلى المياه، باعتبارها ضرورة أساسية، مع متطلبات مراكز البيانات، فضلاً عن التداعيات الأوسع المتعلقة باختلال التوازن البيئي. ويزداد هذا الأمر إثارة للقلق في ظل التغير المناخي، الذي يسهم بالفعل في تفاقم ندرة المياه.
مع ازدياد انتشار الذكاء الاصطناعي، يمكن لإندونيسيا الاستفادة من الاستثمارات التقنية، إلا أن المخاوف المتعلقة بالاستهلاك المفرط للموارد من قبل مراكز البيانات تُعد تذكيراً بأن مبادئ الاستدامة والعدالة يجب أن توجه سياسات وممارسات السلطات وجميع الجهات المعنية.






