
الصورة من تصوير إبراهيم كيزا لصالح جمعية الاتصالات التقدمية تُستخدم بموجب تصريح.
هذا المقال جزء من سلسلة “لا تسأل الذكاء الاصطناعي، اسأل نظيرًا لك”، وهي ثمرة تعاون بين جلوبال فويسز، وجمعية الاتصالات التقدمية، ومنصة GenderIT. تهدف هذه السلسلة لإعادة التأكيد على أهمية تبادل المعرفة بين البشر، كما جرت العادة لعقود طويلة. يمكنكم متابعة السلسلة عبر المواقع التالية: APC.org، وGenderIT.org، وglobalvoices.org. كما يُعد هذا المقال جزءًا من سلسلة “في دائرة الضوء” من جلوبال فويسز لشهر أبريل/نيسان 2026 تحت عنوان: “منظورات إنسانية حول الذكاء الاصطناعي“. بإمكانكم دعم هذه التغطية الصحفية بالتبرع هنا.
باعتبارها واحدة من الدول الأكثر سوءًا في السمعة فيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض المراقبة وتقييد حريات مواطنيها، لا يمكن للصين أن تقدم إجابة مباشرة حول كيفية تطوير نهج قائم على حقوق الإنسان تجاه الذكاء الاصطناعي. مع ذلك، يمكن لتبنيها العلني لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وطموحاتها للهيمنة على سوق الذكاء الاصطناعي العالمي أن يكون بمثابة حالة دراسية للعلاقة المتنامية بين القطاع الخاص والدولة، وبين الآلة والمجتمع.
في فبراير/شباط 2026، اكتشف مهندس إسباني يُدعى سامي أزدوفال أنه بإمكانه السيطرة على 7000 مكنسة كهربائية ذكية، ومشاهدة لقطات حية ومباشرة من داخل منازل الأشخاص، والاستماع إلى الأصوات المحيطة عبر الكاميرات المدمجة في تلك الأجهزة. كما تمكّن من تحديد الموقع الجغرافي الدقيق لتلك المنازل عبر عناوين بروتوكول الإنترنت الخاصة بها، وذلك ببساطة من خلال إجراء هندسة عكسية لعملية الاتصال بين مكنسته الذكية المشتراة حديثًا من طراز “DJI Romo” وذراع تحكم جهاز “PlayStation” الخاص به.
وفي حين قامت الشركة الصينية في البر الرئيسي بإصلاح الثغرة الأمنية في وقت قياسي، فإن هذا الحادث يسلط الضوء على السهولة البالغة التي يمكن بها لتكنولوجيا المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تخترق حياتنا اليومية، وحجم المخاطر التي تشكلها.
تهديدات عالمية ترافق تقنيات المراقبة والحروب المدعومة بالذكاء الاصطناعي
المكنسة الذكية المذكورة أعلاه غير متوفرة في السوق الأمريكية، وذلك لأن الشركة المصنعة لها “DJI” جرى تصنيفها كـ “شركة عسكرية صينية” في عام 2022، وتم إدراجها في القائمة السوداء للبنتاجون بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي.
وفي ظل هذه الخلفية، ظلت النقاشات المتعلقة بتكنولوجيا المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتهديدات المصاحبة لها مقتصرة إلى حد كبير على الصين، إلا أن هذه التكنولوجيا ذات طابع عالمي وتؤثر على الناس في جميع أنحاء العالم.
إن الصين تُعد بالفعل رائدة في توظيف تقنيات المراقبة المتطورة لتعزيز حوكمتها القمعية، بل إنها قامت بتصدير هذه المجموعة من الأدوات إلى دول استبدادية أخرى، وهو ما وثقته وسائل الإعلام الدولية على نطاق واسع. وتُظهر التجربة الصينية، سواء في ما يُسمى بالإدارة الاجتماعية للأويغور في إقليم شينجيانغ، أو في نظام مكافحة جائحة كوفيد-19 على مستوى البلاد، للعالم أن المراقبة البشرية باسم إدارة الشبكة الإدارية وتطبيق تكنولوجيا المراقبة — مثل التعرف على الوجوه، ونظام الائتمان الاجتماعي، وتحديد المواقع الجغرافية، وتتبع البيانات عبر الإنترنت — يعملان جنبًا إلى جنب للحفاظ على بيئة رقابة مجتمعية تنجح في استباق أي أعمال قد تزعزع الاستقرار. ويُثبت هذا الواقع الأورويلّي أنه عندما تصبح الدولة مجهزة بمحرك ذكاء اصطناعي قوي، يمكنها ترسيخ سلطتها على حساب حريات الأفراد في التجمع، والتعبير، والتنقل.
السوق العالمية لتكنولوجيا القمع
إن مثل هذه التكنولوجيا القمعية المتقدمة تمتلك انتشارًا في السوق يفوق الخيال. في الصين، تُستخدم أنظمة التعرف على الوجوه المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإصدار مخالفات العبور العشوائي للمشاة ومخالفات الوقوف غير القانوني للسيارات، ومعالجة المدفوعات عبر الإنترنت وخارجها، ومراقبة أداء الطلاب داخل الفصول الدراسية، من بين استخدامات أخرى.
في حين تبدي الدول الديمقراطية تشككًا تجاه التطبيقات الصينية للمراقبة عبر الذكاء الاصطناعي، فإن هذه الرؤى تدفعها فحسب إلى شراء أدوات ذكاء اصطناعي مماثلة من مصادر غير صينية. وعلى سبيل المثال، قامت الشرطة البريطانية مؤخرًا بشراء تكنولوجيا التعرف على الوجوه المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تستخدمها الاستخبارات الإسرائيلية لتحديد هوية وتتبع المدنيين الفلسطينيين الذين يمرون عبر غزة. وسيتم نشر 50 جهازًا للتعرف على الوجوه بالذكاء الاصطناعي على مستوى البلاد لتحديد وتتبع الأفراد المدرجين في قائمة المراقبة الخاصة بالشرطة البريطانية. وفي الولايات المتحدة، تم استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أيضًا في عمليات المراقبة والاعتقال الواسعة للمهاجرين غير الشرعيين، وفي الحرب الأخيرة ضد إيران.
على الجبهة الرقمية، كان تأثير الذكاء الاصطناعي على المنظومة الإعلامية والمعلوماتية كارثيًا؛ حيث تحدثت تقارير إعلامية واسعة النطاق عن الرقابة المدمجة والتحيز السياسي لنظام الذكاء الاصطناعي التوليدي الصيني “ديب سيك” في نشر الروايات الداعمة والمؤيدة للصين.
في الوقت نفسه، تُعد أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية الغربية مفيدة أيضًا في نشر الدعاية عبر الإنترنت. وكما كشفت تقارير الشفافية الصادرة عن «أوبن آي»، استخدمت الجهات الروسية والصينية العاملة في مجال المعلومات برنامج «تشات جي بي» لتحليل الرأي العام وتخصيص المحتوى وفقًا لجمهورها المستهدف. ومؤخرًا، وفي خضم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، غمرت الدعاية الحربية — في شكل مقاطع فيديو مزيفة منتجة باستخدام الذكاء الاصطناعي — منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية.
بات بمقدور أقليّة من القائمين على عمليات التضليل الإعلامي الآن التلاعب بإدراك الأغلبية للواقع، وذلك بفضل مساعديهم من أدوات الذكاء الاصطناعي.
الحاجة إلى إعادة توازن القوى
تقدم الصين درسًا مهمًا للعالم في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي. منذ عام 2022، أصدرت سلسلة من القوانين واللوائح، بما في ذلك أحكام التوصيات الخوارزمية (2022)، وأحكام إدارة التوليف العميق (2023)، والتدابير المؤقتة للذكاء الاصطناعي التوليدي (2023)، وتدابير وضع العلامات على الذكاء الاصطناعي (2025)، لمنع الاستخدام غير القانوني والضار للذكاء الاصطناعي وضمان توافق المحتوى الذي تولده الآلات مع القيم الاشتراكية الأساسية للصين. عولجت حقوق المستخدمين، فيما يتعلق بحماية البيانات الشخصية والموافقة والوصول إليها بشكل عادل، مع فرض متطلبات إضافية على مسؤولية الشركات لتعزيز شفافية الخوارزميات واتخاذ تدابير غير تمييزية وغير مسببة للإدمان.
مع ذلك، وبما أن الهدف من هذه القوانين هو حماية الأمن القومي، والنظام العام، والأيديولوجيا السياسية، فلا توجد أي قيود على سلطة الدولة. ليس غريبًا على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية رؤية مستخدمين يشتكون من طرق الشرطة لأبوابهم لمجرد أنهم اشتروا شيئًا يثير الشبهات، مثل طائرة مسيرة لالتقاط الصور. ويقوم نظام الائتمان الاجتماعي — مع الرقابة عبر الإنترنت، ونظام إدارة الشبكة الإدارية، وغيرها من أنظمة الرقابة الاجتماعية — بتتبع سجلات الأنشطة الرقمية للمستخدمين، بما في ذلك المعاملات المالية، والعلاقات الاجتماعية، والتعبير عن الرأي، كما يفرض قيودًا على وصولهم إلى الخدمات الرقمية والعامة، مثل أنظمة الدفع عبر الإنترنت وحجوزات السفر، عندما تنخفض درجات ائتمانهم ويتم إدراجهم لاحقًا في قائمة المحاكم الصينية كونهم “أشخاص غير نزهاء، صادر بحقهم أحكام قضائية”.
إن الواجبات التي تفرضها القوانين على قطاع الشركات تبدو صائبة وعادلة. مع ذلك، هناك عدد قليل جدًا من منظمات المجتمع المدني المستقلة لمراقبة القطاع الخاص وضمان قيام شركات التكنولوجيا بالفعل بتنفيذ التدابير الوقائية التي يتطلبها القانون. نتيجة لذلك، استمرت الاختراقات الأمنية وتسريبات البيانات الشخصية الناجمة عن منتجات الذكاء الاصطناعي سيئة التصميم، مثل مكنسة “DJI Romo”، في السنوات الأخيرة. في عام 2025، أدى خرق كبير للبيانات إلى كشف سجلات مليارات المستخدمين الصينيين، بما في ذلك الأسماء، وأرقام الهوية، وكلمات المرور، والتفاصيل المالية والمصرفية المرتبطة بحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، سجلات يمكن للمحتالين استغلالها للتآمر ضد الأفراد المعنيين.
بالرغم من جميع المخاطر الأمنية، سارع مواطنو بر الصين الرئيسي إلى تبني التكنولوجيا الناشئة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي. المثال الأحدث على ذلك، الذي شهدته المدن الصينية الكبرى في أوائل شهر مارس/آذار، هو التهافت على تثبيت “OpenClaw”؛ برنامج ذكاء اصطناعي طوره المبرمج النمساوي بيتر شتاينبرغر، يتكامل مع نماذج لغوية كبيرة أخرى مثل DeepSeek” و”Claude، ويعمل على الحاسوب الشخصي ويقوم بتخزين البيانات محليًا. تماشيًا مع هذا الاتجاه الرائج، طرحت شركات صينية أخرى، بما في ذلك “تنسنت” و”بايت دانس” و”شاومي”، منتجات مماثلة. إن هذا الهوس التكنولوجي — المدفوع بسياسة الحكومة الصينية لدمج التكنولوجيا المتقدمة في الاقتصاد من جهة، وقلق الناس من التخلف عن الركب في ظل الابتكار التكنولوجي المتسارع من جهة أخرى — يحول الأفراد إلى مشجعين وأتباع لكيان طاغوت هائل، يغذونه بوقتهم وطاقتهم ورغباتهم وأفكارهم وبياناتهم، دون أي معرفة بمن يتحكم فيه وإلى أين قد يقودهم.
بالرغم من إدراج الشفافية وحماية حقوق المستهلك في قوانين الذكاء الاصطناعي الصينية، إلا أن حماية حقوق الإنسان تظل تراوح مكانها؛ لأن الناس ليسوا على دراية بحقوقهم والأضرار المحتملة الناجمة عن الاستخدام المسيء والخبيث لهذه التكنولوجيا. عوضًا عن ذلك، تقبّل معظم مواطني بر الصين الرئيسي — في ظل غياب البدائل — تكنولوجيا المراقبة، مثل الانتشار الواسع لكاميرات الأمن المعتمدة على التعرف على الوجوه، باعتبارها ميزة طبيعية ومريحة في الحياة العامة. بذلك، فإن آليات التغيير تظل معطلة ومسدودة.
نرى في ديستوبيا الذكاء الاصطناعي الصينية أن الناس لا يتحكمون في التكنولوجيا، بل هم خاضعون لنظام يرى في التكنولوجيا وسيلة لتوسيع وترسيخ سلطة الدولة السياسية والاقتصادية. ما يبين لنا أن جوهر المقاربة الحقوقية للذكاء الاصطناعي يجب أن يهدف إلى إعادة توازن القوى بين تحالف الدولة والشركات، والآلة، والناس؛ من خلال إطار لصنع القرار يعيد وضع الإنسان في الصدارة، وتفكيك الهوس التكنولوجي عبر البحوث الموجهة نحو الإنسان والمداولات العامة، والممارسات الثقافية التأملية، والتعليم الإنساني.
أويوان لام هي محررة إقليمية في شبكة جلوبال فويسز تتولى تغطية الأخبار والتقارير المتعلقة بمنطقة شرق آسيا.
إبراهيم كيزا، فنان بصري، ومصمم، ورسام توضيحي، يستكشف في أعماله الروابط الإنسانية، والهوية، والثقافة. وتتميز رسوماته التوضيحية بتكوينات جريئة، وألوان معبّرة، وتركيز سردي قوي، وغالبًا ما تتمركز حول حياة أصحاب البشرة السمراء وتجاربهم المعيشية. ومن خلال عمله في المجالات التحريرية والرقمية، يبتكر لوحات ورسوماً توضيحية توازن بين البساطة والعمق العاطفي، مستخدمًا التباين والرمزية لإيصال الأفكار المعقدة بوضوح.وفي هذا المشروع، يقدم إبراهيم استجابة بصرية للتأرجح والتوتر القائم بين الاتصال الاصطناعي والاتصال الإنساني، معززًا قيمة التجربة المعيشية والإبداع الجماعي في عالم يتجه نحو الأتمتة بشكل متزايد. وإلى جانب الرسم التوضيحي، تمتد اهتماماته لتشمل التصميم، والرياضة، والسينما، وهي مجالات تستمر في إثراء لغته البصرية وأسلوبه في سرد القصص.






