
احتفالات شعبية عارمة في المجر ابتهاجًا بالانتصار التاريخي الذي حققه حزب المعارضة. (لقطة شاشة من مقطع فيديو على قناة “444.hu” عبر منصة يوتيوب – الاستخدام العادل).
شهدت المجر، في 12 إبريل / نيسان 2026، واحدة من أهم انتخاباتها السياسية منذ قرابة أربعة عقود، وحظيت بتغطية إعلامية عالمية واسعة النطاق نظرًا لأهميتها البالغة على الصعيدين المحلي والدولي. كان رئيس الوزراء فيكتور أوربان قد حظي، قبيل انطلاق السباق الانتخابي، بدعم وتأييد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما عُرف بعلاقاته الودية مع الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، مما جعل مواقف الدولتين محورًا للنقاش في المجر طوال الحملة الانتخابية. في هذا السياق، زار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس العاصمة بودابست قبل أيام قليلة من بدء الاقتراع، بالتزامن مع تواتر شائعات حول تورط مزعوم للاستخبارات الروسية في العملية الانتخابية.
كان على المجريين الاختيار بين حزب “فيديس” الحاكم، الذي أدار شؤون البلاد على مدار 16 عامًا الماضية، وحزب “تيسا” الناشئ الذي ظهر قبل عامين فقط. بيد أن هذا الخيار تلخص في أعين الناخبين بين التوجه نحو روسيا أو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ إذ دأب أوربان على توجيه الانتقادات للاتحاد الأوروبي لسنوات، ونسج علاقات وثيقة مع موسكو، ما أكده تسجيل صوتي مسرب لوزير الخارجية بيتر سيارتو. وفي المقابل، قدم زعيم حزب “تيسزا”، بيتر ماديار، رؤية مؤيدة للاتحاد الأوروبي أمام المواطنين، متعهدًا بإلغاء التغييرات الاستبدادية كافة التي فرضها أوربان وحزبه على مؤسسات الدولة، لا سيما تقويض استقلال القضاء ووسائل الإعلام وجعلهما تابعين للحزب الحاكم.
من جهة أخرى، سجلت نسبة المشاركة في الانتخابات رقمًا قياسيًا غير مسبوق؛ إذ بلغت 79.5%. وأُغلقت مراكز الاقتراع في تمام الساعة السابعة مساءً بالتوقيت المحلي. في حدود الساعة التاسعة مساءً، نشر ماجار تغريدة أعلن فيها أن أوربان اتصل به وهنأه بالفوز. منذ تلك اللحظة، انحصر التساؤل حول حجم فارق الأصوات وحسب؛ إذ سرعان ما تبين أن نسبة الإقبال لن تكون الحدث التاريخي الوحيد في هذه الانتخابات، بعدما حصد حزب “تيسزا” أغلبية ثلثي مقاعد مجلس النواب، في إشارة قوية على رغبة المجريين في الانتماء إلى القارة الأوروبية والتعاون مع الاتحاد الأوروبي، ما حرم روسيا من موطئ قدم قوي لها في أوروبا.
قرابة الساعة 11 مساء ليلة الانتخابات، ألقى بيتر ماجار خطابًا مطولًا تعهد فيه بإنهاء حالة الانقسام، التي يرى أن حزب “فيديس” قد رسخها، في المجتمع المجري. كما طالب القادة السياسيين المخضرمين -الذين ارتبطت مصالحهم بأوربان أو داروا في فلكه- بالتنحي لتبدأ حقبة جديدة في البلاد. خص بالذكر رئيس المحكمة العليا، ورئيس المحكمة الدستورية، والمدعي العام، ورئيس ديوان المحاسبة الحكومي، ورئيس هيئة حماية المنافسة المجرية، ورئيس هيئة تنظيم الإعلام، ورئيس المكتب الوطني للقضاء، بالإضافة إلى الرئيس المجري تاماش سويوك، الذي حثه على الدعوة لعقد الجلسة الافتتاحية للجمعية الوطنية الجديدة في أقرب وقت ممكن. كما وعد ماجار بتأسيس مكتب وطني لاسترداد الأصول، بهدف التحقيق في مصير أموال الاتحاد الأوروبي المفقودة، ومكافحة الفساد المستشري في البلاد.
على الرغم من أن المسار الجديد الذي تختطه البلاد لن يخلو من التحديات، فإن انتعاش قيمة الفورنت المجري فور تأكيد نتائج الانتخابات يبعث على التفاؤل. وقد تطرق ماديار إلى هذا الأمر بوضوح في خطابه، مؤكدًا أن حكومته لن تكون مثالية، لكنها ستبذل قصارى جهدها لتقديم الأفضل للمجر.
أما على صعيد الشارع المجري، فيبدو أن قرابة 30% من الناخبين يعيشون حالة من خيبة الأمل وعدم التصديق بعد هذا الفوز الساحق لحزب “تيسا”. في المقابل، غمرت السعادة العارمة غالبية السكان؛ فبمجرد انتهاء خطاب ماجار، تحولت العاصمة بودابست إلى ساحة احتفال ضخمة، وتبادل الغرباء العناق والرقص في الشوارع، وانهمرت دموع الكثيرين مع توالي الأنباء، بعدما تجسد التغيير الذي طالما تطلعوا إليه وتحول أخيرًا إلى واقع ملموس.






