
امرأة تبيع المشغولات الخرزية خارج مسكن الماساي التقليدي. تصوير: كوبر أوستن. مستخدم بإذن.
بقلم: سيدني لي سميث وكوبر أوستن
هذا المقال جزء من سلسلة “في دائرة الضوء” لشهر مايو/ أيار 2026 من جلوبال فويسز تحت عنوان “أزمة عالمية، حلول محلية“. تقدم هذه السلسلة قصصًا عن مقاومة التغيير المناخي ومشاريع مناخية ناجحة، مع نظرة عميقة حول كيفية تصدي المجتمعات في دول الجنوب العالمي لهذه الأزمة، وتحليلًا لما قد يعنيه ذلك للأجيال القادمة، وغيرها. يمكنك دعم هذه التغطية بالتبرع هنا.
في عام 2022، نجح مجتمع “ليكجي” في كينيا في الحصول على الحقوق القانونية للأرض التي شغلوها لأكثر من ستين عامًا. وما تلا ذلك من أحداث أعاد تشكيل طريقة إدارة الأرض، والسلطة، والعلاقات بين الجنسين داخل المجتمع.
في 11 يوليو/تموز 2022، أصدر وزير الصحة الكيني آنذاك، موتاهي كاغوي، 766 سند ملكية أرض لسكان مجتمع “ليكجي”؛ المجتمع الرعوي الواقع في مقاطعة لايكيبيا بشمال كينيا. بجرة قلم، تحولت مئات العائلات الرعوية التي عاشت على تلك الأرض لعقود من الزمن كمستوطنين غير شرعيين إلى ملاك قانونيين لها.
حتى التوصل إلى هذه التسوية، لم يكن مجتمع “ليكجي” معترفًا بهم كشاغلين شرعيين لأرضهم بموجب دستور كينيا (2010)؛ إذ لم يكونوا يمتلكون أي سند قانوني أو إثبات رسمي للإقامة سوى الطرق، المدارس، والمنازل التي أمضوا ستين عامًا في تشييدها. لا تزال مسألة حقوق ملكية الأرض في مرحلة ما بعد الاستعمار محل نزاع عميق في جميع أنحاء كينيا، لا سيما عندما تتعارض حيازة السندات الرسمية مع الإشغال التاريخي طويل الأمد.
تاريخ من نزع الملكية والمنازعات القانونية
يمكن إرجاع النزاع حول حقوق ملكية الأرض في لايكيبيا إلى الفترة المحيطة بانتفاضة ماو ماو. في عام 1960، خصص أحد المزارعين البيض من الحقبة الاستعمارية قطع أرض صغيرة لعماله السابقين، والذين أسسوا بدورهم تجمعًا رعويًا يضم حوالي ثلاثمائة عائلة. بيد أن هذه الترتيبات لم يجرِ توثيقها رسميًا عبر سندات ملكية معترف بها قانونًا.
في سنوات لاحقة، نُقلت ملكية الأرض ذاتها إلى مالك خاص يُدعى نايجل ترينت عبر ما وصفه السكان بسلسلة من “الصفقات المشبوهة”. وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ ترينت يهدد بطردهم من الأرض.
استندت مطالبة ترينت إلى الملكية الرسمية؛ بيد أن هذه الملكية كانت مستمدة من نقل استعماري للأرض يرى العديد من علماء القانون في مرحلة ما بعد الاستعمار أنه يفتقر إلى سند أصلي شرعي. ومن ثم، أثار هذا النزاع سؤالًا قانونيًا أعمق حول العلاقة بين حقوق الملكية الرسمية ونزع الملكية التاريخي.
وفي عام 2012، وبناءً على عريضة قدمها ترينت، أصدرت المحكمة العليا في ناكورو أمرًا بالإخلاء شمل أكثر من 400 عائلة من مجتمع ليكجي. ومُنح السكان مهلة 90 يومًا للمغادرة أو مواجهة الملاحقة القضائية. وقد أكد هذا الحكم على الثقل القانوني لسند الملكية الرسمي، ورفضت المحكمة منح وقف لتنفيذ الإخلاء، مشددة على أن للمالك المسجل الحق في “جني ثمار الحكم الصادر لصالحه”.
على مدى العقود الخمسة السابقة، كان المجتمع قد بنى حياة اجتماعية واقتصادية كاملة فوق هذه الأرض؛ لذا لم يكن الرحيل خيارًا قابلًا للتطبيق.
مع دعم من منظمات غير حكومية مثل منظمة إمباكت كينيا، قاوم المجتمع هذا القرار؛ حيث تمكنوا من إرجاء تنفيذ أمر الإخلاء، واستغلوا ذلك الوقت لسلوك السبل القانونية لاستعادة أرضهم.
صُيغت القضية في المحكمة باعتبارها نزاعًا بين حقوق متضاربة؛ حيث دفع السكان بأن الإخلاء سيتسبب في خسائر فادحة، مستشهدين بمنازلهم، ومدارسهم، واستقرارهم طويل الأمد في المكان. ومع ذلك، خلصت المحكمة إلى أن صاحب سند الملكية سيعاني خسارة أكبر إذا حُرم من حيازة أرضه.
لم يقتصر النزاع على الإجراءات القانونية فحسب؛ أصبحت المواجهات العنيفة بين الشرطة وأفراد المجتمع جزءًا من الحياة اليومية بين عامي 2012 و2022. وأنشأ قادة المجتمع نظام دفاع محيطي يعمل على مدار الساعة. وفي عام 2020، أفاد أحد السكان بمقتل اثنين من أفراد المجتمع في اشتباكات مع قوات إنفاذ القانون.
التسوية الحكومية والحل القانوني
في نهاية المطاف، حُسمت القضية وحُلَّ النزاع عبر التدخل الحكومي، وليس من خلال الاعتراف القضائي بالحقوق العرفية.
وكانت القرارات القضائية السابقة قد منحت الأولوية بالفعل لسند الملكية الرسمي على حساب الإشغال طويل الأمد، حتى في الحالات التي أثبتت فيها المجتمعات المحلية احتمال تعرضها لخسائر فادحة في حال إخلائها.
وفي عام 2022، اشترت الحكومة الكينية الأرض من ترينت ونقلت ملكيتها إلى مجتمع ليكجي، حيث قسّمتها بين ما يقرب من 300 أسرة، وحصلت كل أسرة على نحو 2.25 فدان.
يعكس هذا المآل نمطًا أوسع نطاقًا في حوكمة الأراضي؛ حيث تلجأ الدولة إلى تسوية المطالبات المتعارضة عبر الشراء وإعادة التوزيع، بدلًا من الفصل الكامل في شرعية الملكية التاريخية.
بالنسبة لسكان مثل إيونيس أميرا، كان الأثر شخصيًا وعميقًا للغاية؛ فقد وُلدت عام 1980 وعاشت حياتها بأكملها بلا سند ملكية رسمي. وشهدت عائلتها وهي تخوض معارك قانونية متكررة في ناكورو ونيروبي، وهي نزاعات استنزفتهم ماليًا وشكّلت هويتها وشعورها بالانتماء. وعندما صُدرت سندات الملكية، صرّحت لوكالة الأنباء الكينية بأنها شعرت وكأنها “وُلدت من جديد”، وأضافت قائلة: “لقد مات البعض وهم يحاولون تحقيق المطلب ذاته”.
لقد وفّر قرار الحكومة يقينًا قانونيًا واعترافًا رسميًا بالعائلات التي عاشت لفترات طويلة خارج أطر أنظمة الملكية الرسمية.

تُرحّب النساء بالزوار في مجتمعهن برقصة تقليدية. تصوير: كوبر أوستن. تُستخدم بإذن.
المرأة، والأرض، والتحول الاقتصادي
بالرغم من حسم قرار عام 2022 مسألة الملكية، فإن استخدام تلك الأرض قد دفع بنطاق التغيير إلى آفاق أبعد داخل المجتمع.
لا يزال مجتمع ليكجي مجتمعًا أبويًا، حيث يسيطر الرجال تقليديًا على الأنشطة المدرة للدخل مثل الزراعة والرعي، في حين تتولى النساء إدارة المسؤوليات المنزلية. مع ذلك، تشهد هذه الهياكل الاقتصادية ضغوطًا متزايدة. وكما أوضحت فردوسة حسن، مسؤولة التواصل المجتمعي في مركز إمبالا للأبحاث المجاور وأحد سكان ليكجي، فإن سبل العيش التقليدية غالبًا ما تعجز عن توفير دخل كافٍ أو أمن طويل الأجل؛ ونتيجة لذلك، يغادر العديد من الشباب بحثًا عن العمل، والتعليم، وفرص أكثر تنوعًا.
استجابةً لذلك، عمل قادة المجتمع على توسيع الأدوار الاقتصادية للمرأة.
في أعقاب تسوية وضع الأراضي، خُصصت خمسة فدادين حصريًا للمرأة لتطوير أنشطة مدرة للدخل. ومع أن هذه المساحة تمثل أقل من 0.5% من إجمالي أراضي ليكجي، إلا أنها غدت نقطة ارتكاز رئيسية للتنويع الاقتصادي.
وقد طوّرت النساء في المجتمع مشاريع متعددة على هذه الأرض؛ حيث يبعن المشغولات الخرزية للسياح الذين يزورون المحميات الطبيعية المجاورة، ويعملن على بناء نزل للضيافة يتيح للزوار الإقامة وتجربة أنماط الحياة المحلية. كما يزرعن الفواكه والخضروات لبيعها في الأسواق المحلية، وقمن بتركيب بئر تعمل بالطاقة الشمسية لدعم عمليات الري. وعلاوة على ذلك، يُدرن مزرعة للدواجن لإنتاج البيض واللحوم بغرض الاستهلاك الذاتي والبيع معًا.
وفقًا لما ذكرته حسن، فإن “هذه الأنشطة توفر للمرأة مصدرًا للدخل يتسم بالمرونة ويخضع لسيطرتها المباشرة”، مما يتيح لها دعم الاحتياجات المنزلية مثل الرسوم المدرسية، والغذاء، والرعاية الصحية. كما أكدت أن هذه المبادرات تخلق فرصًا للمرأة لتطوير مهاراتها في مجالات التصميم، والتسويق، وإدارة الأعمال، بما يدعم مشاركتها الاقتصادية على المدى الطويل.

أطفال من مجتمع ليكجي يسيرون في طريق عودتهم من المدرسة إلى المنزل. تصوير: كوبر أوستن، مقاطعة لايكيبيا، كينيا، مارس 2026. تُستخدم بإذن.
تحول موازين القوة داخل المجتمع
لا تقتصر الآثار المترتبة على ذلك على العائد المادي فحسب.
لقد أحدثت إمكانية الحصول على موارد مالية مستقلة تغييرًا في ديناميكيات الأسرة؛ فالنساء اللواتي كنّ يتمتعن في السابق باستقلالية اقتصادية محدودة، أصبحن الآن يمتلكن قدرة أكبر على التحكم في صنع القرار. وتمكّن بعضهن من التعامل مع العلاقات الأسرية الصعبة أو الانفصال عنها، بينما فضّل البعض الآخر البقاء داخل المجتمع مع تمتعٍ بقدرٍ أكبر من الاستقلالية.
تجسد حالة ليكجي ديناميكية قانونية واجتماعية أوسع نطاقًا؛ فحين تؤسس حقوق الأرض الرسمية حجر الأساس، فإن توزيع فرص الوصول والسيطرة هو ما يحدد كيف تعيد هذه الحقوق صياغة موازين القوة داخل المجتمعات.
تعكس هذه التغييرات تحولًا أوسع نطاقًا في آليّات عمل حقوق الأرض على المستوى المحلي؛ فبينما يمثل غطاء الملكية القانونية حجر الأساس، فإن توزيع فرص الوصول والسيطرة هو ما يحدد كيفية استغلال هذا الأساس والبناء عليه.
نظرة إلى المستقبل
تستمر مجتمعات مثل ليكجي في مواجهة ضغوط ناجمة عن تغير المناخ، وسياسات الحفاظ على البيئة الآخذة في التطور، والظروف الاقتصادية المتغيرة. وتؤثر هذه الضغوط على سبل العيش والاستقرار طويل الأجل على حد سواء.
لقد عالج تأمين حقوق الأرض بعدًا واحدًا من أبعاد الهشاشة.
إن التحدي الأطول مدى يكمن في كيفية ممارسة تلك الحقوق وتطبيقها على أرض الواقع، لا سيما في السياقات التي لم يفلح فيها القانون وحده في معالجة وتبديد تركات الحرمان وسلب الحقوق.
وفي ليكجي، غدا توسيع نطاق مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية جزءًا لا يتجزأ من تلك العملية. فبالنسبة لمجتمعات ما بعد الاستعمار، لا تشكّل الملكية سوى بعدٍ واحدٍ فحسب من أبعاد العدالة؛ إذ إن تحديد هوية المستفيد الفعلي من الأرض قد يكون هو الفيصل في نهاية المطاف لتحديد مدى قدرة هذه المجتمعات على البقاء والاستقرار فيها.






