خلال السنوات القليلة الماضية، دخلت اليونان مرحلة جديدة من التحوّل الجيوسياسي اللافت، مدفوعة بعوامل تتجاوز الدبلوماسية البرلمانية التقليدية، لتشمل تدفّقات الغاز الطبيعي المسال، وتشابك العلاقات البحرية، واتساع نفوذ شركات الطاقة الأميركية العملاقة وانتشارها المتزايد.
يقود هذا التحوّل محوران أساسيان: توطيد الشراكة بين واشنطن وحكومة حزب «الديمقراطية الجديدة» برئاسة كيرياكوس ميتسوتاكيس، وتصاعد الدور المهيمن لشركة “إكسون موبيل” داخل شبكة الغاز الطبيعي المسال التي تتشكّل في اليونان. ووفق تقديرات متداولة، ضخت الشركة استثمارات تتراوح بين 50 و100 مليون دولار في مشاريع الاستكشاف والطاقة، بما ينسجم بشكل أوثق مع المصالح الاستراتيجية الأميركية في جنوب أوروبا.
ما يُقدَّم علنًا على أنه تنويعٌ لمصادر الطاقة أو دبلوماسيةٌ الموارد ، يرى فيه منتقدون إعادةَ هيكلةٍ لاستقلالية اليونان، تُقحِم البلاد في ارتباطٍ أوثق بالمصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة، على حساب هامش القرار والسيادة الداخلية.
الغاز المسال الأميركي واستقلالية اليونان: بين النفوذ والسيادة
على مدى العام الماضي، عمل مسؤولون تنفيذيون في قطاع الغاز الطبيعي المسال الأميركي، بينهم مسؤولون من الإدارة الحالية والسابقة، إلى جانب وزراء طاقة في الاتحاد الأوروبي، بشكل وثيق مع أثينا. بينما أكدوا أن هدفهم يتمثل في تعزيز أمن الطاقة الإقليمي، فإن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة تمضي قدمًا في ترسيخ موقع اليونان كبوابة رئيسية لدخول الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى أوروبا.
مشاريع الحفر المخطط لها من قبل شركة “إكسون موبيل” وقطع الاستكشاف البحرية، لا سيما في بحر الأيونية، تمنح الشركة نفوذًا غير مسبوق على إنتاج الغاز المستقبلي. ومع الاتفاقيات الأخيرة، من المقرر أن تمتلك “إكسون موبيل” حصة مسيطرة بنسبة 60% في الكتلة الثانية، ما يمنحها القدرة على التأثير في عمليات التطوير وتوزيع الأرباح واستراتيجية إدارة الموارد الطاقية على المدى الطويل.
تلعب اليونان بالنسبة لواشنطن دورين رئيسيين: أولًا، مسار بديل للغاز الروسي، خاصة بعد التخريب الذي طال خطّي نورد ستريم 1 و2، وثانيًا، كرصيد جيوسياسي لمواجهة النفوذ الصيني الراسخ في ميناء بيريوس عبر شركة COSCO. ويُعد هذا الموقع جزءًا أساسيًا من مبادرة الحزام والطريق الصينية، ما حول ميناء بيريوس إلى واحد من أكبر الموانئ في أوروبا.
سوق الغاز المسال بعد الحرب في أوكرانيا
يشكل النزاع الروسي الأوكراني المصدر الرئيسي للطلب المتزايد على الغاز الطبيعي المسال، إذ دفع الحرب أوروبا إلى البحث بسرعة عن بدائل بعد أن قطعت موسكو إمدادات خطوط الأنابيب. ووفقًا لبيانات الوكالة الدولية للطاقة، كانت أكبر مستوردي الغاز المسال العام الماضي الصين واليابان وأوروبا. ومع سعي أوروبا لتأمين عقود الغاز الطبيعي المسال، متجهة بشكل خاص نحو ساحل الخليج الأميركي، لا سيما ولاية تكساس، إحدى أكثر المناطق نشاطًا في تصدير الغاز عالميًا، يتضح أن الولايات المتحدة لاعب رئيسي في هذه العملية. وقد انتهزت اليونان هذه الفرصة، مسوّقة لنفسها كمركز استراتيجي للغاز الطبيعي المسال يربط محور السويس – شرق المتوسط – أوروبا.
إلكسندروبوليس وريفثوسا: العمود الفقري للنظام الطاقي الجديد

الغاز الطبيعي المسال في ريفيثوسا. الصورة بعدسة شوبّي، عبر ويكيميديا كومنز. رخصة المشاع الإبداعي CC BY-SA 4.0.
تمثل وحدة تخزين وتفريغ الغاز العائمة في إسكندروبوليس، التي دخلت حيز التشغيل منذ 2024، المحرك الرئيسي لمشروع شراكة الطاقة بين الولايات المتحدة واليونان. يحظى المشروع بدعم كل من واشنطن والاتحاد الأوروبي، كما يتمتع المحطة بإعفاءات تنظيمية تؤكد على وزنها السياسي.
في الوقت نفسه، تظل محطة بريفثوسا، المحطة العريقة للغاز الطبيعي المسال في اليونان، الموقع الرئيسي لاستيراد الغاز في البلاد. وإذا تم المضي قدمًا في تشغيل المحطات الأخرى، مثل ديوريغا قرب كورنث، ووحدة تخزين وتفريغ عائمة قبالة الإسكندرون في شمال اليونان، وأرغو، المشروع المقترح في فولوس، ووحدة تخزين وتفريغ عائمة مخطط لها في ميناء سالونيك، ستتحول اليونان عمليًا إلى بوابة الغاز الطبيعي المسال لجنوب شرق أوروبا، وهو تطور ستستفيد منه الشركات الأميركية، وعلى رأسها “إكسون موبيل”، بشكل أكبر.
من أبرز الأمثلة على ذلك الصفقة الأخيرة بقيمة 2 مليار دولار، التي تمكّن أوكرانيا من استيراد الغاز الطبيعي المسال الأميركي عبر البنية التحتية اليونانية، مرورًا بالممر العمودي إلى بلغاريا ورومانيا والمجر ومولدوفا وأوكرانيا. ويضع هذا اليونان بين أوائل دول الاتحاد الأوروبي التي تسهّل بشكل مباشر أجندة واشنطن لاستبدال الغاز الروسي على نطاق إقليمي.
اتّساع النفوذ الأميركي
يشير وصول السفيرة الأميركية الجديدة، كيمبرلي غيلفويل، إلى نية واشنطن تشديد قبضتها على اليونان بشكل أكبر. ويتزامن تعيينها مع مساعٍ أميركية لدفع صادرات الغاز الطبيعي المُسال عبر الموانئ اليونانية، كما أُشير سابقًا، بما في ذلك ريفثوسا وألكسندروبولي.
منذ عام 2018، لعبت شركات الدفاع الأميركية دورًا متزايد الأهمية في الوصول إلى البنية التحتية العسكرية اليونانية التي تقدر قيمتها بمليارات اليوروهات. وقد أثار هذا الاتجاه استياءً متزايدًا بين المواطنين اليونانيين الحذرين من التسلح المتصاعد. ويرى كثير من النقاد أن هذا إعادة التمركز تعني أن اليونان تتحول إلى محور طاقي أورو–أطلسي، يعمل كنقطة تشغيل متقدمة لمصالح الولايات المتحدة، ويشكل جزءًا من استراتيجية للتصدي للصين.
المنافس الصيني: شركة COSCO وميناء بيريوس
تُبرز المنافسة بين الولايات المتحدة والصين الصراع بين القوتين في الموانئ اليونانية. فقد جعلت الملكية الكبرى لشركة COSCO في ميناء بيريوس، بكين واحدة من أكثر الشركاء الاقتصاديين نفوذًا في اليونان. وخلال فترة الاضطرابات اليونانية المتعلقة بأزمة الديون، قدمت بكين دعمها بوصفه “شريكًا موثوقًا”، بينما عرضت أوروبا وواشنطن سياسات التقشف.
من منظور الصين، يظل ميناء بيريوس يلعب دورًا رئيسيًا في مبادرة الحزام والطريق كقاعدة قوية. أما بالنسبة لواشنطن، فهو يمثل نقطة ضعف جغرافية سياسية واضحة، تسعى الولايات المتحدة لتعويضها بتعزيز وجودها بشكل أعمق في قطاعات الطاقة والدفاع والبنية التحتية اليونانية. هكذا تجد اليونان نفسها متورطة أكثر في التنافس بين القوى العالمية، ما يجعلها منطقة مهمة للصراع على النفوذ الجيوسياسي.
مسألة إلفسيس: النفوذ بلا ملكية
رغم انتشار شائعات عن تسليم ميناء إلفسينا لعهدة الولايات المتحدة، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا. فلا تزال مرافق الميناء والسفن تحت ملكية يونانية، وتديرها شركة ONEX Elefsis Shipyards. مع ذلك، فإن الحديث عن تورط الولايات المتحدة ليس بعيدًا عن الصحة. فقد منحت مؤسسة التمويل الدولي للتنمية الأميركية (DFC) قرضًا بقيمة 125 مليون دولار لتحديث حوض السفن، ويُنظر إلى هذا في المقام الأول كوسيلة للولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الصيني في المنطقة.
اليونان عالقة في الوسط
يساهم دور اليونان في ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الاقتصادي (IMEEC) في تعزيز الروابط مع الهياكل الجيوسياسية المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تشمل دولًا مثل إسرائيل وقبرص والمملكة المتحدة. ويطرح هذا الشبكة المتنامية تحديات على المجتمع اليوناني: من يستفيد فعليًا من هذا التحول في قطاع الطاقة، هل الجمهور المحلي أم الشركات الأجنبية؟
تؤدي أسئلة حول مستوى سيادة اليونان وتضحيات البلاد من أجل أهميتها الجيوسياسية لإثارة ردود فعل حذرة من كثيرين. وقد أبدى المواطنون اليونانيون قلقهم بشأن ارتفاع فواتير الطاقة، وتزايد ميل اليونان نحو التسلح، وتزايد وضوح المخاوف من الانخراط في التزامات أجنبية.
القلق يكمن فيما إذا كانت اليونان ستصبح دولة في الخطوط الأمامية لمواجهة تنافس القوى الكبرى. وما أصبح واضحًا هو أن سعي اليونان لدمج الغاز الطبيعي المُسال يتجاوز كونه مجرد دبلوماسية طاقية؛ بل يمثل إعادة هيكلة لهوية اليونان الجيوسياسية، التي تشكَّلت ليس فقط في أثينا، بل أيضًا في الولايات المتحدة ومن قبل اللاعبين السياسيين الرئيسيين في الاتحاد الأوروبي.







