
ثلاث ملصقات حكومية تُعلن عن قانون أمن الدولة الجديد: ‘لائحة إقليم سينكيانغ أويغور ذاتي الحكم بشأن حماية أسرار الدولة’. الصور نقلًا عن بيان صحفي حكومي. استخدام عادل.
تُعدّ ‘لائحة حماية أسرار الدولة في إقليم سينكيانغ أويغور ذاتي الحكم’ (新疆维吾尔自治区保守国家秘密条例)، والتي دخلت حيز التنفيذ في الأول من مارس /آذار 2026، امتدادًا محليًا فعليًا للمنظومة الوطنية الشاملة لحماية أسرار الدولة في الصين. وفي إقليمٍ يتيّم بآليات حوكمة أمنية مشددة ورقابة صارمة على التدفق المعلوماتي، تنطوي هذه التعديلات القانونية على تبعات خطيرة تُكرّس القمع السياسي وتُقنّنه وتحوله إلى ممارسة اعتيادية في المنطقة.
يُعدّ الإيغور من السكان الأصليين لإقليم الإيغور في شمال غربي الصين، المعروف باسم سينكيانغ. يتمتعون بلغة وثقافة وعرقية مميزة تختلف عن عرقية الهان التي تشكّل أكثر من 91% من سكان الصين. عقب احتجاجات يوليو/تموز (July) 2009 في أورومتشي، فرضت الحكومة الصينية رقابة وإجراءات مشددة في الإقليم تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، بينما وجهت المنظمات الدولية لحقوق الإنسان انتقادات حادة للصين بسبب حملاتها الصارمة وسياساتها القمعية، التي شملت تقارير عن احتجاز جماعي، وإخفاء قسري، وأنظمة مراقبة واسعة النطاق، وقيودًا على الحياة الدينية والثقافية.
قنّنت العديد من الدول حماية أسرار الدولة، غير أن هذه التشريعات — لا سيما في الديمقراطيات الغربية — تهدف عمومًا إلى منع تسريب المعلومات الحساسة الخاصة بالمؤسسات الحكومية والعسكرية والتي قد تضر بالأمن القومي. في المقابل، تُوسّع المنظومة الصينية لحماية أسرار الدولة، المحدثة عام 2024، نطاق مفهوم ‘أسرار الدولة’ ليشمل المعلومات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية التي تُعدّ ذات صلة بالاستقرار الوطني. في إقليم الإيغور، يكتسب هذا النهج الموسّع لمفهوم السرية أهمية خاصة؛ إذ أصبحت القضايا المرتبطة بالحياة اليومية — بما في ذلك الممارسات الدينية، والتعبير الثقافي، وأنماط التواصل، وغيرها من أشكال السلوك الاجتماعي — تخضع بشكل متزايد لنطاق الحوكمة الأمنية والرقابة على المعلومات.
بناءً عليه، فإنّ مدّ نطاق القانون الوطني الصيني ليشمل إقليم الإيغور ينطوي على آثار ضارة للغاية؛ إذ دمج الرقابة على المعلومات ضمن نظام الحوكمة الاجتماعية القائم بالفعل، مما أدخل المراقبة في تفاصيل الحياة اليومية في الإقليم.
توسيع نطاق قانون أسرار الدولة الوطني الصيني ليشمل إقليم الإيغور
يوفّر القانون الوطني إطارًا قانونيًا شاملًا لحماية أسرار الدولة، إلا أن اللائحة الخاصة بإقليم الإيغور تفصل آليات التنفيذ، والمراقبة التكنولوجية، والضوابط الجغرافية المصممة لتتناسب مع الأولويات الأمنية الفريدة للإقليم.
تضع اللائحة المحلية، حسب أهدافها، الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في سينكيانغ في مرتبة قضية أمن قومي، وتضيف تكليفًا محددًا ‘لترسيخ شعور قوي بالانتماء للمجتمع والأمة الصينية’ (المادة 3). ينطوي ذلك على إمكانية تبرير السياسات المحلية التي تقوض الهوية الإثنية والحقوق الثقافية والدينية للإيغور بموجب قانون السرية الإقليمي.
يُدخل القانون مفهومًا قانونيًا جديدًا يُعرف ‘بأسرار العمل’ (المادة 64)، الملزم للجهات الحكومية ووحدات العمل بصياغة ‘قائمة أسرار عمل’ خاصة بها (المادة 43)، وإرساء أجهزة ونظم داخلية لمنع تسريبها، ما يُوسّع نطاق السرية بدرجة أكبر.
أما فيما يتعلق بتنفيذ القانون، فتضع اللائحة التنفيذية لإقليم الإيغور تأكيدًا أكبر على تعبئة المنظمات القاعدة، ووحدات العمل، والجهات الفاعلة على مستوى المجتمع المحلي لحماية أسرار الدولة (المادة 8). حيث يُطلب من الفروع القاعدية للحزب تعيين ضباط ارتباط للتعامل مع الشؤون المتعلقة بالسرية، بما في ذلك البلاغات العامة عن الأنشطة المشبوهة، مثل الجاسوسية، وسرقة أسرار الدولة، وإفشاء الأسرار عبر الكتب، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من القنوات (المادة 39)، ما يخلق نظامًا أعمق تغلغلًا في النسيج الاجتماعي للرقابة على المعلومات، إذ يدمج عمليات تحديد المعلومات ‘الحساسة’ ومراقبتها والإبلاغ عنها ضمن الإدارة الاجتماعية اليومية.
كما اتّسع نطاق السيطرة التكنولوجية على المعلومات الحساسة، حيث تنص اللائحة الإقليمية صراحةً على تعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لمراقبة تدفقات المعلومات وحماية أسرار الدولة (المادة 10). علاوةً على ذلك، تفرض اللائحة نظام ‘وقاية وسيطرة’ يُدار عبر التعاون بين الحكومة المحلية، وفيلق سينكيانغ للإنتاج والبناء، والجيش (المادة 12)؛ وهو ما يعزز سلطة هذه المنظومة الحاكمة ذات الطابع العسكري الفريد في التحكم بتدفق المعلومات في الإقليم.
تسييس المعلومات
في ظل نظام ضبط الاستقرار الحالي، تعتمد الحوكمة في إقليم الإيغور اعتمادًا كبيرًا على المراقبة الرقمية وتكامل البيانات، بما في ذلك جمع البيانات على نطاق واسع، والتقييم الخوارزمي للمخاطر، وأنظمة الرصد المباشر، وهو ما سلطت عليه العديد من الأبحاث الضوء.
إنّ التعريف الموسّع لمفهومَي ‘أسرار الدولة’ و'أسرار العمل'، بالتوازي مع آلية الإبلاغ المجتمعي والنظام المعتمد على الذكاء الاصطناعي للمراقبة، يجعل نشر المعلومات والتواصل بين الأفراد عرضة للتقييم الأمني وبالتالي محفوفًا بالمخاطر. بل وتزداد خطورة تدفقات المعلومات الخارجية أكثر، مثل التحدث مع وسائل الإعلام الأجنبية أو الأجانب.
بدلاً من الاقتصار على الاستجابة للأعمال غير القانونية، يركز نظام الحوكمة الأمنية القائم على البيانات والمعلومات بشكل متزايد على تحديد المخاطر المستقبلية المتوقعة وإدارتها.
يعزز هذا نظام السيطرة الوقائية القائم بالفعل تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، مما يضفي الشرعية على التدخل الحكومي — كمعسكرات ما يُسمى ‘إعادة التأهيل‘ أو ‘التدريب المهني‘ — مستهدفًا السلوكيات الثقافية، والروابط الاجتماعية، والممارسات الدينية، وأنماط التواصل لجميع أطياف مجتمعات الإيغور، وغيرها من الأفعال التي تُعدّ ذات حساسية محتملة.
مع إدماج إدارتي المعلومات والمراقبة في صلب نظام الحوكمة الأمنية بإقليم الإيغور، يتملك الأفراد حالة من الشك والريبة بشأن ما يمكن مشاركته بأمان من معلومات، مما يجعل الرقابة الذاتية عُرفًا ونيّة مجتمعية قائمة.
تسهم هذه الإجراءات، فيما يصفه بعض الباحثين ‘ببنية الصمت'؛ حيث يغدو الوصول إلى المعلومات أكثر صعوبة باستمرار — ليس فقط لأنها محظورة، بل أيضًا لأنها لا تجد طريقًا للتعبير والتداول العلني من الأساس.
الأثر في مناقشات حقوق الإنسان
غالبًا ما تركز المناقشات الدولية حول الوضع في إقليم الإيغور على سياسات الاحتجاز، والقيود الدينية، والتغيرات الديموغرافية، وأنظمة المراقبة. وفي حين تدعي بعض الحكومات والباحثين إلى أنّ السياسة القمعية الصينية المستهدِفة لمجتمعات الإيغور ترتقي إلى مستوى ‘الجرائم ضد الإنسانية‘ أو ‘الإبادة الجماعية‘، يرفض آخرون هذه الأوصاف.
غير أن هذه المناقشات تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مدى توافر المعلومات، وتأتي اللائحة التنفيذية الإقليمية الجديدة لأسرار الدولة لتزيد من صعوبة الوصول إلى المعلومات ذات الصلة أو مشاركتها. كما سيصعب التحقق من صحة المزاعم والادعاءات المقدمة من منظمات حقوق الإنسان أو وسائل الإعلام الدولية مع انكماش مساحة التحقيق والتقصي، ما يؤدي بالتالي لترسيخ الخلافات والمناظرات السياسية حول قضايا حقوق الإنسان بدرجة أكبر.
بهذا المعنى، لا تقتصر قوانين السرية على تنظيم تدفق المعلومات فحسب، بل تصوغ الظروف والشروط التي تُجرى في ظلها المناقشات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
لا تقتصر أهمية اللائحة التنفيذية ‘لأسرار الدولة’ في إقليم الإيغور على صياغتها القانونية فحسب، بل تكمن في طريقة عملها ضمن منظومة حوكمة وأمن أوسع نطاقًا؛ أي كيفية تأدية السرية دورها في بيئة سياسية شديدة الأمنية. في مثل هذا السياق، تتماهى الحدود وتتداخل بشكل متزايد بين إدارة المعلومات، والمراقبة، والسيطرة الاجتماعية.
تثير هذه اللائحة تساؤلاتٍ أوسع نطاقًا حول طبيعة العلاقة بين المعلومات، والحوكمة، وحقوق الإنسان. فكلما ازداد التضييق على حرية الوصول إلى المعلومات، تضاءلت في المقابل مساحة الشفافية، والتحقق المستقل، والمساءلة المجتمعية.








