السؤال المسكوت عنه في قضية إبستين: هل وُجد ضحايا من عديمي الجنسية؟

Image by Mawa Rannahr. Used with permission.

الصورة من ماوا راناهر، مستخدمة بإذن

كُتِب هذا المقال بقلم نيكولاي ليفاسوف، برعاية “الحركة العالمية ضد انعدام الجنسية” (GMAS)، شريك محتوى لمنظمة جلوبال فويسز. هذا المقال جزء من سلسلة “في دائرة الضوء” لجلوبال فويسز لشهر تموز/يوليو 2026 تحت عنوان “انعدام الجنسية“. تقدم هذه السلسلة رؤى عميقة حول قضية انعدام الجنسية وكيف تعيق حرية الحركة، والفرص التعليمية، والمشاركة السياسية، وغيرها. يمكنك دعم هذه التغطية الإعلامية بالتبرع هنا.

على مدى سنوات طويلة، جرى التعاطي مع قضية جيفري إبستين، الملياردير الأمريكي والمُدان بجرائم جنسية ومدير شبكة اتجار جنسي دولية استهدفت فتيات قاصرات، وتناولها حصريًا من منظور السلطة والنفوذ. فقد انصبّ اهتمام الرأي العام على التساؤل: مَن كان يعرف جيفري إبستين؟ ومَن زار منازله؟ ومَن ورد اسمه في وثائق المحاكم؟ ومَن هم السياسيون والمليارات والأمراء والمشاهير الذين ارتبطت أسماؤهم باسمه؟

هذا اهتمام مبرر ومشروع؛ إذ يحق للجمهور أن يعرف كيف لشبكة اتجار جنسي بهذا الحجم المهول أن تستمر وتتوسع لسنوات تحت أنظار شخصيات تتمتع بنفوذ وثراء فاحشين. غير أن الهوس بتتبع أسماء النافذين قد حجَب، في أحيان كثيرة، سؤالًا أكثر إلحاحًا وأشد خطورة: مَن هنّ الضحايا؟ وما هي الظروف القانونية التي مهدت الطريق لاستغلالهنّ؟

هنا يبرز بعدٌ غائب كليًا عن البحث والاستقصاء: قضية انعدام الجنسية.

يُقصد بعديمي الجنسية، أولئك الأفراد الذين لا تعترف بهم أي دولة كمواطنين تابعين لها. وفي ظل حرمانهم من الجنسية، يفتقر هؤلاء في الغالب إلى وثائق إثبات الهوية الرسمية، وإلى سُبل الانتصاف والحماية القانونية، وحرية التنقل، والعمل، والتعليم، والحقوق المدنية الأساسية. تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عديمي الجنسية في الولايات المتحدة يواجهون محنًا قاسية، تشمل الاحتجاز الإداري، وقيود الإبلاغ الدوري، وصعوبة الاستمرار في وظائفهم، وتشتت الأسرة، فضلاً عن الحرمان من الأوراق الثبوتية والحسابات البنكية. وتُقدّر أبحاث الخبراء وجود نحو 218 ألف شخص في الولايات المتحدة يعيشون حالة انعدام الجنسية أو يواجهون خطر الوقوع فيها.

تفرض هذه الحقيقة المؤلمة طرح أسئلة كاشفة ومقلقة حول قضية إبستين:

هل كان من بين ضحايا إبستين القاصرات فتيات يُعانين من انعدام الجنسية أو يواجهن خطر الوقوع فيه؟ هل عجزت بعضهنّ عن إثبات مواطنتها، أو افتقرت لشهادات الميلاد والجوازات، أو اعتمدت كليًا على الغير لتدبير أمر إقامتها والهجرة، أو خافت من اللجوء إلى السلطات بسبب وضعها القانوني الهش؟ وهل فكّر المحققون أو الادعاء العام أو محامو الدفاع أو القضاة أو الصحفيون، ولو لمرة واحدة، في تقصي هذا الاحتمال؟ وإن لم يفعلوا، فلماذا تغاضوا عنه؟

إن هذه التساؤلات ليست مجرد تكهنات صاغتها رغبة في الإثارة الصحفية؛ بل هي تساؤلات تنطلق من نمط مُستقر ومعروف في جرائم الاتجار بالبشر: يبحث المستغلون دائمًا عن نقاط الضعف. فالمرء حين يكون صغير السن، فقيرًا، معزولاً، بلا وثائق، أو بلا جنسية، أو معتمدًا على طرف آخر في مأواه وتنقله وحمايته القانونية، يسهل كسر إرادته وإحكام السيطرة عليه. وقد أقرت سلطات الهجرة الأمريكية مرارًا بأن المتاجرين والمستغلين يستغلون حرمان الضحية من الوضع القانوني للإمساك بخناقها؛ كما أكدت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS) أن منح التسهيلات والحماية للهجرة يُمثل أداة جوهرية لتمكين ضحايا الاتجار بالبشر من الشعور بالأمان والاطمئنان.

أما في حالة الأطفال عديمي الجنسية، فإن الخطر يتضاعف بصورة مرعبة. فالطفل الذي يفتقر إلى المواطنة قد لا يجد أي دولة تتحمل مسؤولية حمايته، وقد يجهل أين يطلب المساعدة، أو يملكه الرعب من الشرطة والمحاكم وسلطات الهجرة، خائفًا من الإبعاد والترحيل إلى المجهول. كما قد يقع تحت رحمة بالغين يتحكمون في وثائقه، وحركته، وأمواله، ولغته، وبقائه على قيد الحياة. وفي أيدي شبكات الاتجار بالبشر، تتحول حالة “انعدام الجنسية” إلى سلاح فتاك للاستعباد.

مع ذلك، ظل مصطلح “انعدام الجنسية” غائبًا تمامًا عن السجال العام المثار حول القضية. وتكمن وراء هذا الصمت أسباب عدة:

أولاً: ضرورة حماية خصوصية الضحايا؛ إذ يجب ألا تُبتذل هوية الناجيات وتفاصيلهن الشخصية – لا سيما من كنّ قاصرات – لإرضاء الفضول العام. فالهدف من طرح قضية انعدام الجنسية ليس كشف النقاب عن أسماء الضحايا، بل معرفة ما إذا كانت المؤسسات والجهات الاستقصائية قد أدركت وجود فئة تعاني من أقصى درجات الهشاشة والتهميش.

ثانيًا: تفتقر الولايات المتحدة حتى اللحظة إلى أطر قانونية حازمة وشاملة للتعامل مع عديمي الجنسية. وتوضح مفوضية اللاجئين أن حالة انعدام الجنسية في القانون الأمريكي لا تمنح صاحبها وضعًا قانونيًا أو ميزة تلقائية. ورغم تحقيق بعض التقدم الإداري المحدود عام 2023، إلا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ألغت التوجيهات السياساتية الخاصة بانعدام الجنسية التابعة لإدارة المواطنة والهجرة الأمريكية (USCIS) في عام 2025، مما أثار قلق الحقوقيين والناشطين نتيجة غياب مسار قانوني واضح ومحدد.

ثالثًا: يتواصل تدني الوعي المجتمعي والمؤسسي بمفهوم انعدام الجنسية بشكل يدعو للقلق. فكثير من الصحفيين والمحققين والمحامين والقضاة وصناع القرار ما زالوا يتعاملون مع “الجنسية” كمجرد خانة روتينية يُؤشر عليها في خانات الأوراق الرسمية. لكن هذه الخانة بالنسبة لعديمي الجنسية تختزل سنوات من الفراغ القانوني، والخوف، والفقر، والتهميش والغياب عن الاطار القانوني. وحين تفتقر المؤسسات لإدراك جليّ لطبيعة انعدام الجنسية، فإنها تعجز عن رصدها حتى وإن كانت جوهر الجريمة ومحركها الأساسي.

لهذا السبب، ينبغي ألا تُقرأ قضية إبستين كفضيلة أخلاقية وسياسية تحيط برجال نافذين فحسب، بل كجرس إنذار يحيق بظاهرة التهميش وانعدام الانكشاف القانوني. فالسؤال ليس فقط: مَن كان يقصد إبستين؟ بل السؤال الأهم: مَن هم الذين حُرِموا من أي منفذ حقيقي للحماية؟

ولكي نتوخى الدقة، فإن السجلات المعلنة لا تثبت حتى الآن عدد ضحايا إبستين اللاتي كنّ من عديمات الجنسية، إن وُجدن، وهذه هي المعضلة الجوهرية في حد ذاته. إذ ينبغي على الصحفيين الاستقصائيين، والمحامين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والباحثين تظافر الجهود لتقصي ما إذا كانت حالة انعدام الجنسية، أو غياب المواطنة، أو فقدان الأوراق الثبوتية، أو هشاشة الوضع بالإقامة قد ظهرت في أي جزئية من وثائق وملفات قضية إبستين المتشعبة. ويجب أن يجرى هذا العمل بمنتهى المسؤولية، ودون المساس بالناجيات أو انتهاك خصوصياتهنّ، غير أنه عمل لا مناص من إنجازه.

كما يتوجب على الأوساط الأكاديمية تسليط الضوء بعمق أكبر على العلاقة بين انعدام الجنسية والاستغلال الجنسي. ففي مختلف أنحاء العالم، يُعد الأطفال عديمو الجنسية من أسهل الفئات تجاهلاً وأصعبها حمايةً؛ وإذا ما تقاعست الحكومات والمؤسسات عن شملهم بالحصاء والرعاية، فإن شبكات الاتجار بالبشر لن تتوانى عن التقاطهم واستغلالهم.

ويقع على عاتق المنظمات الحقوقية إنشاء آمنة وسرية، قائمة على مراعاة أثر الصدمات النفسية، لتُمكّن عديمي الجنسية والناجيات من الإبلاغ عن الانتهاكات دون خوف. إن الاستبيانات والمقابلات والأبحاث الميدانية المجتمعية قد تسهم في رصد أنماط الانتهاكات التي غفلت عنها الأنظمة الرسمية، على أن يُراعى تماماً عدم ممارسة أي ضغوط على الناجيات لإفشاء معلومات لسنَ مستعدات لكشفها.

وعلى المشرّعين اتخاذ خطوات حاسمة؛ فالولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى إجراءات قانونية واضحة لتحديد صفة “انعدام الجنسية”، وتوفير الحماية القانونية لعديمي الجنسية، وتسهيل حصولهم على الوثائق الثبوتية، ومسار محدد للإقامة الدائمة والجنسية. ومن هذا المنطلق، يتوجب على المؤتمر الأمريكي (الكونغرس) إعادة إحياء قانون حماية عديمي الجنسية وإقراره، أو طرح تشريع بديل يكفل الحمايات الجوهرية ذاتها. فعندما أُعيد تقديم هذا المشروع عام 2024، أكد رعاته أنه تشريع يهدف إلى إرساء وضع حماية قانونية، وإقامة دائمة، ومسار لنيل المواطنة للأفراد المؤهلين من عديمي الجنسية المقيمين في الولايات المتحدة. إن إقرار هذا القانون لن يكون مجرد لفتة رمزية، بل سيكون درعًا عمليًا ووقاية حقيقية من التهميش القانوني، والاستغلال، والاحتجاز الإداري، والتعسف. ففي غياب هذه الحمايات، يظل عديمو الجنسية أسراء منطقة رمادية يسودها العجز، حيث يسهل على المتاجرين والمستغلين — وحتى الأنظمة القاصرة — استغلال حرمانهم من جنسية مُعترف بها.

بصفتي شخصًا عاش تجربة انعدام الجنسية سابقًا، واشغل اليوم موقع ناشط ومُنظّم مجتمعي، فإنني أؤمن بوجوب وجود رأي لعديمي الجنسية في هذا النقاش. نحن ندرك تمامًا معنى أن يعيش المرء محرومًا من حماية المواطنة، ونعلم كيف يتجاهل المجتمع بسهولة أولئك الذين لا تستوعبهم الأطر القانونية الرسمية. وحين تتوفر ظروف الأمان، ينبغي أن نرفع أصواتنا عالية — لا لأن عبء إقامة العدل يقع على عاتق الضحايا، بل لأن الصمت قد وفّر الحماية لجيوش من المستغلين لزمن طويل جداً.

لقد صدمت قضية إبستين الضمير العالمي لأنها كشفت كيف يمكن للثروة والنفوذ أن يشكلا غطاءً يحمي الجرائم الاستغلالية. غير أنها يجب أن تضعنا أمام الحقيقة العارية: من يفتقرون إلى المواطنة هم في الغالب أشخاص يفتقرون إلى الانكشاف والظهور.. ومن يغيبون عن الرادار القانوني يسهل استغلالهم.

لو ثبت أن بضعة أطفال من عديمي الجنسية قد سُحبوا إلى قاع شبكة إبستين للاتجار، فإن هذه الحقيقة تحظى بأهمية بالغة؛ أهمية قانونية، وأهمية أخلاقية، وأهمية تمس كل طفل عديم الجنسية ما زال يعيش على حافة الهاوية محرومًا من حقه في الحماية اليوم.

لقد أنفق العالم سنوات وهو يتساءل: مَن كان على صلة بإبستين؟ وقد آن الأوان لنسأل: مَن الذين تُرِكوا بلا حماية؟ وهل أسهمت حالة انعدام الجنسية في جعل ذلك الاستغلال ممكنًا؟

أفضل المقالات في أنحاء العالم

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.