
بونك آرت 2، تيرانا، ألبانيا. مصدر الصورة: أندريو ميليغان, CC-BY 2.0
نُشر هذا المقال، بقلم تويلا بيتسون، لأول مرة على منصة خطاب بلقان (بلقان ديسكورس) في 3 أبريل/نيسان، 2026. وأُعيدَ نشر النسخة المحررة على موقع جلوبال فويسز بموجب اتفاقية شراكة المحتوى، مركز أبحاث ما بعد النزاع (PCRC).
يقع متحفان بونك آرت 1 و2 داخل مخبئين نوويين، أمر ببنائهما الديكتاتور الألباني السابق أنور خوجة، ويهدف المتحفان إلى تثقيف الزوار حول تاريخ ألبانيا في القرن العشرين، وتعريفهم بضحايا النظام الشمولي. يعيد هذان المتحفان، من تأسيس الصحفي الإيطالي كارلو بولينو، تعريف كيفية مواجهة الألبانيين لنظام ماضيهم المستبد.
تمثل هذه السنة الذكرى العاشرة لافتتاح بونك آرت 2 بعد عامين من افتتاح بونك آرت 1، وأصبح هذان المتحفان من المعالم التاريخية والثقافية بين السياح والسكان المحليين على حد سواء. لا تأتي شعبيتهما فقط من المقتنيات في المتحفين، بل الطريقة التي حوّلَ بها الألبانيون هذه المخابئ إلى متاحف. يقدم المتحفان رؤى مختلفة، لكن بذات أهمية تاريخ ألبانيا تحت الحكم المستبد لأنور خوجة، كما يمثلان وسيلة مهمة في مواجهة هذا الإرث الصعب والمؤلم.
ردود الأفعال والجدل
منذ افتتاحهما، أثار المتحفان ردود فعل مختلفة، كما فتحا باب الجدل المستمر حول قيمتهما وتأثيرهما كوسائل تعليمية. في عام 2015، ثارَ متظاهرون على خلفية بناء قبّة اصطناعية تمثل مدخل للمتحف Bunk’Art 2 الذي لم ينته بعدُ من تدشينه. معظم المخابئ مبنية تحت الأرض، والهدف من بناء قبّة صناعية هو إنشاء مدخل مرئي للزوار، لكن سرعان ما تسببت الاحتجاجات التي نظمتها أحزاب ألبانية معارضة بإلحاق أضرار بالقبة بعد القيام بتدميرها وإضرام النار، تاركين العديد من الشقوق في واجهتها الأمامية.
بالإضافة إلى الاحتجاجات، نددَ البعض بمؤسسات مثل Bunk’Art، متهمين بأن تحويل طريقة استخدام المخابئ لا يقتصر على كونها محاولةَ لمواجهة الماضي، بل طريقةَ لطمس التاريخ الستاليني الألباني، ويؤكد بولينو مؤسس المتحف والمدير الفني له بأن الاتهامات التي وجهت للمتحف “تنبع من أقلية صغيرة تتمنى إخفاء ملامح النظام الشيوعي، كما وجهت اتهامات لي ولمتاحفي بالتمسك بالماضي”، ودائماً ما كان بولينو يرفض مثل هذه الادعاءات ويؤكد بأن “ترسيخ الذاكرة شيءٌ أساسي لمنع تكرار أهوال التاريخ”.
ولم يخلُ هذا النقاش من مشاركة الأكاديميين، مستخدمين الأطر النظرية لمحاولة فهم السبب الكامن وراء رفض Bunk’Art. بالمعنى الأوسع، سبب رفض استخدام هذه المخابئ كوسائل تعليمية ومعالم ثقافية. حسب بعض الأطر النظرية، تمثل هذه المخابئ “إرث قاس غير مرغوب فيه” يساهم في انقسام الرأي العام، ولا يمكن تجاهلها بسهولة.
يمكن ربط هذه الآراء، التي لا تزال سائدة في بعض الأوساط، بالتغيرات بالجانب المكاني والعمراني التي حدثت بعد سقوط النظام، حيث تعرضت النصب التذكارية والمباني العسكرية للتشويه والتخريب والإزالة من الأماكن العامة، مما حال دون فتح نقاش مجتمعي موسع حول صدمات الماضي القريب، وجعل عملية المواجهة صعبة. بالنسبة لبعض الألبانيين، يبدو تذكر التجارب التي عاشوها في ذلك النظام أمرًا مؤلمًا، يمنعهم من بدء عملية التشافي، أما بالنسبة لآخرين، مثل بولينو، يؤكد بأن أمنيتهم هي دفن تاريخ البلاد الشيوعي برمته.
في هذا السياق، يعاني الألبانيون من فقدان شبه كامل للذاكرة السياسية، مما يجعل المؤسسات مثل Bunk’Art ذات أهمية قصوى للمفكرين، والناشطين، وأحفاد أولئك الذين عاشوا تحت حكم أنور خوجة. ويعتقد بولينو بأن Bunk’Art وسيلة تعليمية ناجحة ساعدت الأجيال الحديثة على فهم تاريخ ألبانيا، موضحًا أن مادة تاريخ ألبانيا تُدرس بشكل نادر وسطحي جدًا، لأن الشيوعية لا تزال موضوعًا محظورًا لمن عاصرها، مضيفًا أن المتاحف تعطي للناس، الذين لم يعيشوا في تلك الفترة، فرصةً للتفاعل مع تاريخهم.

بونك آرت 1 و2، متحفان في قبتين نوويتين بنيت خلال الحرب الباردة، مصدر الصورة لبونك آرت 2 أندريو ميليغان، CC-BY 2.0
ماضي ألبانيا الشيوعي
تولى أنور خوجة الحكم لأول مرة في عام 1941 حتى مماته في عام 1985. بفضل معتقداته الشيوعية الستالينية المتشددة، عانت ألبانيا من عزلة سياسية واقتصادية خلال هذه المدة. في عام 1947 قطع خوجة العلاقات مع يوغسلافيا، لاعتقاده بانحراف يوغسلافيا عن مسار الاشتراكية الحقيقية. وفي عام 1961 انفصلت ألبانيا عن الاتحاد السوفيتي بسبب كراهية أنور خوجة لنيكيتا خروتشوف، خليفة ستالين، كونه يميل نحو الإصلاح الشيوعي، ثم تحالفت ألبانيا بشكل مؤقت مع الشيوعية الصينية، ولكن سرعان ما انتهت هذه العلاقة، تاركة ألبانيا في عزلة تامة.
عُرفَ أنور خوجة بخوفه الشديد، إذ كان يعتقد بأن ألبانيا تحت خطر الاجتياح من دول مجاورة مثل اليونان ويوغسلافيا. منذ ستينات إلى ثمانينات القرن الماضي، شرعَ أنور خوجة، في أوج حكمه، في برنامج بناء طموح لإنشاء ما يقارب 173 ألف ملجأ خرساني مضاد للقنابل الذرية لإيواء العائلات الألبانية في حال الغزو. وأنفقَ أنور المليارات في سبيل هذا المشروع، ملقيًا بالبلاد إلى حافة المجاعة والفقر، حتى في الوقت الذي كان يتبع فيه سياسة الاكتفاء الذاتي. خلال مدة حكم أنور الديكتاتورية، عاشت البلاد في قلق دائم خوفًا من الغزو الأجنبي والمراقبة الداخلية.
نشأة مشروع بونك آرت، ومعارضه، وتحديات الحفاظ عليه
بعد سقوط حكم أنور في 1991، نتجَ عن مشروع إعادة ملكية الأراضي نقصً في الأراضي المتاحة وارتفاع تكاليف بناء المنازل، الأمر الذي دفع السكان إلى تغيير استخدام الملاجئ لتناسب احتياجاتهم. ومنذ ذلك الوقت، شرع الألبانيون في استخدام الملاجئ لأغراض متعددة مثل تحويلها إلى صالونات وشم، وملاهٍ ليلية، ومطاعم. ولكن يعد مشروع متحف بونك آرت ربما الأكثر جرأة في تحويل هذه الملاجئ.
يعتقد بولينو الذي عاش في ألبانيا منذ 1993، وحصل على جنسيتها، “بإمكانية سرد تاريخ حساس، مثل الحقبة الديكتاتورية، بشكل أفضل بواسطة شاهد خارجي، لم يعش تلك التجربة شخصيًا”. أتت فكرة مشروع بونك آرت إلى ذهن بولينو بعد قراءة عمود صحفي حول تاريخ الشيوعية في ألبانيا، نُشرَ في المطبوعة الصحفية التي أسسها هو بنفسه عام 1993. ويشارك هذا العمود الصحفي الأرشيف والوثائق السرية مع عامة الشعب لأول مرة”. يعد مشروعي بونك آرت 1و2 استمرارًا طبيعيًا للسرد التاريخي الذي بدأ منذ أكثر من 20 سنة مضت.

لقطة من المعرض التاريخي داخل بونك آرت 1 في تيرانا، ألبانيا. مصدر الصورة: أندريو ميليغان، CC-BY 2.0
اُفتتحَ بونك آرت 1 في عام 2014 كمتحف يقدم مقاطع فيديو داخل ملجأ أنور خوجة الخاص. اليوم، يضم المتحف معرضين فنيين، الأول معرض تاريخي، يتألف من خمس مناطق تستعرض تاريخ ألبانيا من بداية القرن العشرين إلى منتصفه، والمعرض الثاني يركز على المساحات المعيشية الخاصة بأنور خوجة، متضمناً مكتبه وغرفة نومه وحمامه.
اُفتتحَ بونك آرت 2 في نوفمبر/تشرين الثاني في 2016، ويقع في مركز مدينة تيرانا، حيث كان الوصول إليه ممكنًا فقط عبر نفق يقع داخل مبنى وزارة الداخلية، وصدر الأمر ببناء هذا الملجأ بناءً على طلب أنور خوجة ورئيس الوزراء السابق محمد شيخو، اللذين توفيا قبل أن يكتمل تشييده، ولذلك يركز بونك آرت 2 بشكل أساسي على ضحايا حكم ألبانيا الشيوعي ومنفذي تلك الجرائم، أولئك التابعين لجهاز سيغوريمي أو الشرطة السرية، التي أحكمت قبضتها على السكان بتدريب المدنيين للتجسس على أصدقائهم وعائلاتهم.

بونك آرت 1، تيرانا، ألبانيا. مصدر الصورة: أندريو ميليغان، CC-BY 2.0
من أكثر تحديات الحفظ وضوحًا، التي تواجه المتاحف، هو تحلل المواد بسبب الرطوبة العالية في الملاجئ، كونها تتطلب صيانة يومية من قبل فريق مختص. يؤكد بولينو، أن عدد الزوار الكبير اليومي يجعل هذه الجهود تستحق العناء، ولجعل تجربة الزوار مثمرة ومفيدة، يقدم المتحف خدمات التوجيه الصوتي تحتوي على مواد إضافية، وفي حين لا توجد خطط لإنشاء متاحف بونك آرت جديدة، يصف بولينو هذين المتحفين بأنهما في حالة تطور وتحسن مستمر، حيث يعمل حاليًا على أفكار جديدة لاستكشاف ماضي ألبانيا بغرض ملء القاعات الفارغة في المتحف.
رغم التحديات التي يمر بها المتحف، يحتفل المدنيون والناشطون والأكاديميون على حد سواء بمشروع بونك آرت كفرصة لمعالجة عقود من الصدمات المكبوتة، ومن خلال تحويل هذه الأماكن، التي كانت تشكل مصدر خوف في السابق والمرتبطة بالعزلة والفظاعة، إلى أماكن تذكارية وتعليمية، تقدم المتاحف لألبانيا مسارًا نحو مواجهة الماضي، مع تعزيز فهم أعمق لتاريخها.






