
لاجئون آشوريون على عربة، متوجهون إلى قرية مشيدة حديثًا على نهر الخابور في سوريا. الصورة بعدسة جون د. وايتنج، من مجموعة ماتسون (جي إريك وإديث) في مكتبة الكونغرس، على ويكيميديا كومنز. ملكية عامة.
بقلم جنان يونس يونان
هذا المقال جزء من سلسلة “في دائرة الضوء” من جلوبال فويسز لشهر أغسطس/آب 2026 “حقوق الشعوب الأصلية”. تقدم هذه السلسلة نظرة متعمقة على حياة وتجارب الشعوب الأصلية، لبناء روابط عبر المناطق المختلفة، ووضع تجارب الشعوب الأصلية في المركز، وكذلك مشاركة قصص القادة والنشطاء وأعضاء المجتمع، وغير ذلك. يمكنك دعم هذه التغطية بالتبرع هنا.
كنت في الحادية عشرة من عمري حين قال صديقي “إن الآشوريين غير موجودين”. ذهبت إلى المنزل، وجلست منهارة على كرسي، وفتحت بصوت طقطقة كيس من رقائق البطاطس بنكهة كوكتيل الجمبري.
الآشوريون مجموعة عرقية من الشعوب الأصلية في غرب آسيا، ويعود نسبنا إلى شعب قديم. أجزاء من سوريا وتركيا وإيران والعراق تشكل وطننا. نتحدث اللغة الآشورية (الآرامية الحديثة). ورغم أننا في الغالب مسيحيون، فإننا نحافظ على تقاليد ثقافية قديمة مثل آكيتو ومساردا.
مع حدس لأقصى درجة، لم تأخذ أمي وقتًا طويلًا لتعرف ما يقلقني ذاك اليوم. مع الشبت المفرود على لوح التقطيع، أخبرتني أمي عن مجزرة سميل للمرة الأولى.
مجزرة سميل
وقعت المجزرة في عام 1933. نفّذها الجيش العراقي، بمساندة قبائل كردية، هجومًا على مدينة سميل والمناطق المحيطة بها المأهولة بالآشوريين. كانت حملة ممنهجة للتطهير العرقي، رافقتها دعاية واسعة أطلقتها الدولة مسبقًا لتسميم الرأي العام، واصفةً إيانا بأننا “أجانب” و”عملاء استعماريون”.
في تمهيد للمجزرة، جُرِّد الرجال الآشوريون قسرًا من أسلحتهم، بينما تلقت العائلات العربية إشعارات بالإجلاء. امتنعت الإدارة البريطانية في العراق، رغم علمها بالعنف الوشيك، عن اتخاذ أي إجراء. وأسفر العنف اللاحق عن مقتل آلاف الآشوريين، ثم أُقيمت احتفالات عامة عقب المجزرة؛ وفقًا لبعض الروايات، وصل الأمر بالبعض إلى نحت ثمار البطيخ على هيئة جماجم لإحياء الذكرى. وأصبح قائد الجيش، بكر صدقي، بطلًا قوميًّا. ولم تعترف الدولة العراقية رسميًا بالمجزرة حتى اليوم.
في السابع من أغسطس/آب، نحيي يوم الشهداء الآشوريين، الذي أُسس لإحياء ذكرى الذين فقدوا حياتهم في سيميلي، لكنه أصبح يشمل أيضًا إحياء ذكرى جميع الآشوريين الذين تعرضوا للاضطهاد.
كان سماعي عن مجزرة سميل بمثابة صدمة موجعة. ومع تعمقي في قراءة تاريخنا المعاصر، بدا واضحًا أن هذا التاريخ يعيد نفسه باستمرار: إبادة جماعية، وتهجير، وغياب دائم للمساءلة. وأكثر ما لامسني في ذلك كان محنة النساء والفتيات الآشوريات.
رأيت نفس النمط: فتيات أُخذن من بيوتهن، نساء يختفين بلا أثر، عائلات تُركت تبحث عن إجابات لم تأتِ أبدًا. داخل عائلاتنا، يستمرون في الحياة بشكل شفهي متناقل: أخت هربت، عمة قاومت. لكن كم كان عددهن؟ وما كانت أسماؤهن؟ وماذا حدث بهن فيما بعد؟
مجموعة غير مرئية
لا يوجد دستور واحد في الشرق الأوسط يعترف بالآشوريين كشعب أصيل. لا نزال واحدة من أكثر الفئات حرمانًا من الحقوق اجتماعيًا وسياسيًا. اقتصرت كل من النظرة الغربية والشرقية على المجموعات السكانية ذات الأغلبية. بالكاد حظي الآشوريون بذكر هامشي في كتب التاريخ. الإبادة غير المعترف بها من قبل العثمانيون عام 1915 (المعروفة “سايفو” وتعني “السيف” في الآرامية) قضت على ما يقرب من 75% من أعدادنا.
حذرت منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة (UNPO) من أن سرقة الأراضي والتهديدات الأمنية وتراجع المكانة السياسية لا تزال تدفع نزوحنا الجماعي. ففي غرب آسيا، نحن مهمشو المهمشين، فأين يترك العنف الجنسي نساءنا وفتياتنا؟
العنف الجنسي كأداة للإبادة الجماعية
تفند الدراسات الأكاديمية عن الإبادة الجماعية بشكل متزايد العنف الجنسي كأداة للتدمير. فاختطاف النساء والفتيات، واغتصابهن، وإجبارهن على تحويل أديانهن قسرًا، وعلى زيجات قسرية، كلها عوامل تُفتّت بناء الأسرة. فالنساء حارسات الاستمرارية، يحفظن وصفات الطعام والشعائر الثقافية والفلكلور، ويكنّ أول صوت يسمع الطفل من خلاله لغته الأم.
يجادل رافائيل ليمكين، الفقيه القانوني الذي صاغ مصطلح “الإبادة الجماعية” عام 1944، والذي تشكّل تفكيره بفعل مجزرة سميل، أن الإبادة الجماعية ليست مجرد قتل شعب أو إزاحته عن أراضيه، بل هي تدمير الوجود الاجتماعي لجماعة من الناس. العنف القائم على النوع الاجتماعي جوهري في هذه العملية، ويتردد صداه عبر الأجيال. فلنتذكر دائمًا النساء والفتيات اللواتي حدث لهن ذلك. من المستحيل استيعاب كيف تعايشن مع ما تبع ذلك. فلم ينتهِ العنف عندما انتهى الاغتصاب أو عندما تغيّرت أسماؤهن، بل استمر معهن طوال حياتهن. كيف حتى نبدأ في قياس ذلك؟

نصب تذكاري للإبادة الجماعية الآشورية في يريفان، أرمينيا. صورة بعدسة Divot على ويكيميديا كومنز (رخصة المشاع الإبداعي CC BY-SA 3.0
تحدثت إلى صحفي بريطاني-عربي بخصوص التمييز الذي يواجهه الآشوريون في العراق، لكنه استخف بالأمر، مستشهدًا بجدته الكبرى الآشورية من سميل. لم يكن يعرف شيئًا عن المجزرة، ولم يكن مهتمًا بمعرفة ذلك. كان الأمر غريبًا: رجل عربي يدّعي نسبًا آشوريًا بينما يظل غافلاً تمامًا عن العنف الذي ربما أنتج هذا النسب.
الغياب التاريخي
بعيدًا عن ذاكرتنا الجماعية الخاصة، تغيب هؤلاء النساء والفتيات إلى حد كبير عن الأوساط الأكاديمية. فقد تعرضن لانتهاكٍ ثلاثي: أولًا كشعب أصيل، ثم من خلال العنف الجنسي، وأخيرًا بالصمت الأرشيفي الذي تبعه. لو لم يُكتب في كتب التاريخ، كأنه لم يحدث أبدًا — ذروة التطهير العرقي من خلال التلاعب بالذاكرة الجماعية.
هذا الصمت ليس عالميًا. عقب إبادة عام 1915، ألزمت أطر قانونية دولية مثل معاهدة سيفر الحكومة التركية بالتعاون في التحقيقات الخاصة بالنساء والفتيات الأرمنيات المفقودات، والمساعدة في تحديد مواقعهن. وسهّلت منظمات إنسانية مثل دار الإنقاذ في حلب وإغاثة الشرق الأدنى تتبع الأسر. وقد كلّفت عصبة الأمم بعمليات بحث عن المفقودين حتى ثلاثينيات القرن الماضي، مصحوبة بتوثيق أرشيفي دقيق.
كان الآشوريون تقليديًا عاجزين جيوسياسيًا، وسط الصراع الناشئ لما بعد الحرب من أجل الهيمنة على موارد النفط. لا عجب أننا لم نُلهم أي مساعدة.
كان التبرير السطحي هو تناقص أعدادنا. لكن، منذ ما يزيد قليلاً عن قرن، كان الآشوريون يشكلون الأغلبية السكانية عبر معظم وطننا. أمضت دول غرب آسيا القرن الماضي في إعادة تصنيف الآشوريين كأي شيء إلا آشوريين، من خلال الدمج القسري، والتصنيف الرسمي للدولة (عربي، تركي سامي، مسيحي كردي)، والانقسامات الطائفية التي زرعها مبشرون في أواخر القرن التاسع عشر، والتي أدت إلى ظهور هويات وتسميات مرتبطة بالدين بدلًا من الهوية الآشورية. وقد ساهمت كل هذه العوامل في تقدير أقل بشكل فادح لعددنا السكاني، وبالتبعية، في التأثير على مجتمعاتنا.
إن وضع الأقلية الحالي لا ينبغي أن يقلل من أهميتنا الاجتماعية والسياسية والتاريخية، بل على النقيض، يرفعها، ويستدعي ذلك تساؤلاً جادًا حول لماذا أصبحنا أقلية في المقام الأول — لماذا يمكن لشعبٍ أصيل، امتد وجوده عبر آلاف السنين، أن يواجه خلال قرن واحد احتمال الاختفاء من موطنه الأجدادي.
لاينبغي التقليل من شأن الجهود داخل مجتمعنا في مجال الحفاظ على التراث التاريخي. فقد بدأت منظمات مثل مركز سيفو، ومنظمة الدراسات الآشورية، ودراسات الإبادة الآشورية في معالجة هذه الثغرات في الكتابة التاريخية، حيث تقوم الأخيرة بأرشفة وتوثيق روايات النساء. لكن هذه جهود حديثة نسبيًا، مع بقاء العبء دائمًا على عاتق الآشوريين أنفسهم، وتُدعم بشكل أساسي بحسن نية المتدوعين.
العنف القائم على النوع الاجتماعي المستمرة
جاء ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) باضطهاد متجدد، إذ استُهدفت المجتمعات الآشورية من خلال القتل والتهجير واختطاف واسترقاق النساء والفتيات. وقد كرّس الإعلام الغربي والخطاب الليبرالي اهتمامًا كبيرًا لتسليط الضوء على تجارب “عرائس داعش“، اللاتي يُصوَّرن دائمًا كضحايا، على الرغم من وجود أدلة متزايدة توضح أن كثيرات منهن لم يكنّ فاعلات سلبيات.
لكن الضحايا الفعليات من نساء داعش أُهملن إلى حد كبير. وأثناء ندوة نسائية بالكامل حول النسوية التقاطعية، سلّطت الضوء على هذا المعيار المزدوج. بدلاً من الانخراط الجاد، رُفضت الشهادة الآشورية باعتبارها معادية للإسلام وقومية، وهو ما كشف حدود الخطاب السياسي الثنائي الشائع.
حصل الشعب الإيزيدي، وبحق، على مناصرة ودعم دولي عن الجرائم التي ارتكبها داعش ضد نسائهم وفتياتهم. وسرعان ما صُوِّر اضطهادهم دوليًا كإبادة جماعية ضد أقلية عرقية-دينية متمايزة.
أُدرج الآشوريون ضمن سرديات أوسع عن اضطهاد المسيحيين. وقد طمس هذا التصنيف الهوية العرقية الآشورية والتجارب الجندرية المحددة الخاصة بالنساء الآشوريات، ويزداد ذلك تعقيدًا بحقيقة أن الغرب العلماني في الغالب نظر إلى المسيحية كسمة لليمين السياسي، وهو ما ربما يكون قد ساهم في تراجع الاعتراف.
سيكون من السذاجة تجاهل وصمة العار المحتملة المحيطة بتجارب العنف الجنسي. فالخوف من العار والتداعيات الاجتماعية يمكن أن يعيق شهادة الناجيات، وكذلك العواقب العابرة للأجيال، خصوصًا ضمن الأطر القانونية والاجتماعية في غرب آسيا، حيث يرث الأطفال المولودون نتيجة الاغتصاب الهوية الدينية للجاني بدلاً من هوية أمهم.
خسارة مستمرة
بعد أن قدّمت عروضًا داخل أوساط غرب آسيا، كان بعض أفراد الجمهور يقتربون مني. كانت قصصهم متشابهة بشكل مثير للريبة: نشأوا كعرب، ولم يكتشفوا إلا بعد بلوغهم أن أمهاتهم كنّ آشوريات. تحدثوا عن أمهات مُنِعن من التحدث بالآشورية، وعن آباء استخفوا بالهوية الآشورية ووصفوها “بعقلية الأقلية”، وعن اغتراب عن عائلات الأم.
لا أقصد أن هؤلاء النساء افتقرن إلى الفاعلية في زيجاتهن، ولا أُسوّي هذه التجارب بالعنف الجنسي الذي نوقش سابقًا. بل أُسلّط الضوء على عبء غير متناسب وُضع على عاتق النساء، ليتخلين عن لغتهن وثقافتهن وهويتهن لكي يندمجن في هوية أزواجهن، التي تدعمها قوانين الأحوال الشخصية الأبوية في غرب آسيا. مرارًا وتكرارًا، شعر الناس بأنهم مضطرون رواية قصصهم، لأنهم شعروا أن شيئًا ما قد فُقد، حتى لو لم يستطيعوا تسميته دائمًا.
ذكريات
كانت خالتي الكبرى، ثريا، من الناجيات من مجزرة سيفو. عاشت معنا فترةً من الزمن عندما كنت طفلة، وكانت تزخر بالحكايات. كانت تحدثنا عن رحلتها إلى القدس، وعن احتسائها الويسكي دفعةً واحدة قبل أن تحصل على وشمٍ على شكل صليب، وعن تنكّرها في زي جندي لممازحة الجيران، وعن مغامراتها حين عملت مربيةً لأطفال سفير أمريكي في بغداد — لكنها لم تتحدث قط عن مجزرة سيفو.
بحلول الوقت الذي أدركتُ فيه أن هذا الصمت كان جزءًا من القصة، كان الأوان قد فات، فلم تعد على قيد الحياة لأتمكن من سؤالها. ومع رحيل الأجيال الأكبر سنًا، تتآكل فرص الحفاظ على الذكريات المباشرة والموروثة للنساء والفتيات الآشوريات وتتضاءل.
بالطبع، هناك حدود لما يمكننا تذكّره؛ فالتذكّر هو أقل ما يمكننا تقديمه، مع ذلك يظل ناقصًا ومقيّدًا بالقصص التي لم تُروَ قط، وبأولئك الذين ضاعت أسماؤهم، وبحيواتٍ تعطّلت، وبالعدالة التي لا تزال دون حسم.







