الوصول إلى الحقوق القانونية في حيز مدني ضيق: بناء منظومات لإنهاء انعدام الجنسية

صورة بواسطة كاترين بولوفستوفا على موقع بيكسلز. متاحة للاستخدام مجانًا بموجب ترخيص بيكسلز.

صورة بواسطة كاترين بولوفستوفا على موقع بيكسلز. متاحة للاستخدام مجانًا بموجب ترخيص بيكسلز.

كتب هذا المقال كل من إلغيني لوتشيتي، وباليسا مالويزاني، وثانديكا تشوكي، بالتعاون مع الحركة العالمية لمناهضة انعدام الجنسية (GMAS)، وهي شريك محتوى لمنصة جلوبال فويسز. يندرج هذا المنشور ضمن سلسلة جلوبال فويسز الخاصة بشهر يوليو/تموز 2026، والتي تسلط الضوء على قضية ”انعدام الجنسية“. تقدم هذه السلسلة رؤى حول هذه القضية، وكيف تعيق حرية تنقل الأشخاص، وفرصهم التعليمية، ووصولهم إلى المشاركة السياسية، وغيرها من الحقوق. يمكنكم دعم هذه التغطية من خلال التبرع هنا.

بالنسبة للكثيرين، تُعد الجنسية أمرًا مسلمًا به في حياتهم اليومية؛ فهي حاضرة بهدوء في خلفية حياتهم، تتجسد في شهادة الميلاد، ووثيقة الهوية، وجواز السفر، والشعور بالانتماء. أما بالنسبة للأشخاص المتأثرون من انعدام الجنسية، فلا تُعد الهوية القانونية مسألة ثانوية، بل هي الحد الفاصل بين الاندماج والاستبعاد، وبين القدرة على المشاركة في المجتمع أو العيش قسراً على هامشه.

تتجلى هذه الحقيقة في جنوب أفريقيا من خلال واقع الكثير من الشباب الذين وُلدوا وتنشؤوا في البلاد، ومع ذلك يظلون غير قادرين على الحصول على الجنسية أو الوثائق الرسمية رغم استحقاقهم القانوني لها. فبينما ينص القسم 4، البند (3) من قانون الجنسية في جنوب أفريقيا على مسار للحصول على الجنسية لأشخاص معينين وُلدوا في البلاد لأبوين لا يحملان جنسيتها ولا يتمتعان بالإقامة الدائمة فيها، فإن هذا المسار الذي يُفترض به نظريًا فتح باب الاعتراف القانوني، يصطدم بواقع إداري معقد؛ إذ يواجه المتقدمون إجراءات غامضة، وتطبيقًا غير متسق للقوانين، وتأخيرات مفرطة، وسجلات مفقودة، فضلاً عن هيكل إداري -سواء كان ذلك نتيجة الإهمال أو التعمد- يستنزف طاقة المتقدمين بدلاً من حل مشكلاتهم.

يتعين علينا في هذا السياق إيلاء مفهوم ”الوصول إلى الحقوق القانونية“ عناية بالغة؛ إذ لا تقتصر العدالة على توفير التمثيل القانوني فحسب، بل تمتد لتشمل وضوح النصوص القانونية وقابليتها للفهم، وتيسير الإجراءات، وضمان اتساق تطبيق القانون من قِبل الجهات المعنية، وتوافر آليات فعالة لمساءلة الدولة في حال تعذر إنفاذ الحقوق على أرض الواقع.

تزداد هذه الأسئلة إلحاحًا في ظل تقلص الحيز المدني؛ إذ تعمل منظمات المجتمع المدني ومحامو المصلحة العامة في سياقات عديدة بموارد محدودة، وأعباء إدارية متزايدة، وسط مناخ سياسي يزداد عداءً تجاه الفئات المهمشة.

تشير الورقة البيضاء المنقحة بشأن الجنسية والهجرة وحماية اللاجئين في جنوب أفريقيا، والتي حظيت بموافقة مجلس الوزراء، إلى توجه نحو إعادة هيكلة قانونية جوهرية؛ وتظل الآثار المترتبة على هذه الخطوة فيما يتعلق بحماية الأشخاص من انعدام الجنسية محل جدل واسع، لا سيما في ظل ضعف قدرة المجتمعات والمنظمات المعنية على رصد هذه العملية ومتابعتها.

بناءً عليه، لا تكفي الاستجابة القانونية المحدودة؛ إذ يتطلب التصدي لانعدام الجنسية والاستبعاد من الجنسية منظومةً قانونية متكاملة.

تبدأ هذه المنظومة من مستوى المجتمع المحلي؛ فغالبًا ما يكون الأشخاص المتأثرون بانعدام الجنسية هم أول من يدرك أوجه القصور في النظام، فهم على دراية بالمكاتب التي ترفض استقبالهم، وبالوثائق التي يُطلب منهم تقديمها دون سند قانوني، وبالعوائق التي تتكرر عبر الأجيال، وبماهية الحلول المستدامة. لذا، يتطلب بناء منظومة قانونية متكاملة إنشاء هياكل تكون فيها هذه المعرفة هي المحرك الأساسي، مع التعامل مع المجتمعات المتأثرة باعتبارها شركاء في وضع الاستراتيجيات، لا مجرد مستفيدين سلبيين. وتجسد الحركة الشبابية ”هذا هو الوطن“، التي تضم شبابًا من جنوب أفريقيا يواجهون عوائق تحول دون حصولهم على الجنسية، هذا النهج؛ فمن خلال سرد القصص والتنظيم والمناصرة، تضمن هذه الحركة أن تسهم الخبرات المعاشة في صياغة الإصلاح القانوني وتشكيل الوعي العام، باعتبارها ركيزة أساسية للاستراتيجية لا مجرد إضافة ثانوية لها.

غالبًا ما تكون مراكز المساعدة القانونية ومنظمات المجتمع المدني نقطة الاتصال الأولى للأشخاص الذين رفضت المكاتب الحكومية استقبالهم، أو الذين لا يعرفون ما إذا كان القانون يكفل لهم الحماية. فهي تحوّل القواعد القانونية المعقدة إلى مشورة عملية، وتبني الثقة داخل المجتمعات التي تسببت الأنظمة الرسمية في إلحاق الضرر بها، والأهم من ذلك أنها ترصد الأنماط المتكررة في الحالات الفردية، بما يكشف متى تكون المشكلة الشخصية جزءًا من مشكلة منهجية. وعند هذه النقطة تحديدًا، تصبح الشراكات الأوسع نطاقًا أمرًا لا غنى عنه.

يمكن لشركات المحاماة الخاصة أن تضيف طبقة مهمة من الدعم. ويمكن للمحامين الذين يقدمون خدمات قانونية دون أتعاب المساعدة في الطلبات الفردية، والمتابعات الإدارية، ومراجعة القرارات والإجراءات، مما يتيح للمجتمع المدني توجيه قدراته نحو العمل المنهجي الأعمق. وعندما ترصد مراكز المساعدة القانونية نمطًا متكررًا يستدعي تدخلًا هيكليًا، يمكن لشركاء القطاع الخاص توفير الموارد اللازمة للتقاضي الاستراتيجي، والبحوث، وصياغة الوثائق القانونية. لكن قيمة الخدمات القانونية المجانية التي يقدمها القطاع الخاص لا تكمن ببساطة في عدد الساعات التي يتم التبرع بها، بل في مدى إسهام هذا الدعم في تعزيز العمل القائم بالفعل داخل المجتمعات ومنظمات المجتمع المدني.

في ظل تقلّص الحيز المدني، تستند المساحة المتاحة للحركات والمجتمعات المتأثرة لإيصال أصواتها إلى بنية تحتية موثوقة ومنظومة من الدعم والتضامن الدولي؛ وهي منظومة تشمل أنظمة إحالة مستدامة، وموارد مشتركة، وروابط فاعلة تتجاوز الحدود من أجل تعزيز جهود المناصرة وتطوير استجابات إقليمية للقضايا الجوهرية المتعلقة بحقوق الإنسان. ويمكن أن يكون التقاضي الاستراتيجي أداة مهمة ضمن هذه المنظومة، لكن لا ينبغي اعتباره الاستراتيجية بأكملها. إذ يمكن للتقاضي أن يكشف الممارسات الإدارية غير المشروعة، ويفرض اتخاذ القرارات، ويوضح الالتزامات القانونية، ويضمن سبل الانتصاف للأفراد والجماعات. لكن الأحكام القضائية لا يعني تنفيذها تلقائيًا. فقد يفتح الحكم القضائي مجالاً قانونيًا للتحرك، إلا أن الأمر غالبًا ما يتطلب عملاً مستمرًا لضمان تغيير المسؤولين لممارساتهم، ومعرفة الأشخاص المتأثرين بحقوقهم، وتمكّن المتقدمين في المستقبل من الوصول إلى الإجراءات، وبقاء الدولة خاضعة للمساءلة بعد انتهاء القضية.

يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في مسائل الجنسية والوثائق، إذ كثيرًا ما يحدث الاستبعاد من خلال الإجراءات البيروقراطية، وليس نتيجة فعل واحد محدد. فقد لا يتلقى الشخص رفضًا رسميًا، بل قد يُطلب منه ببساطة العودة في وقت لاحق، أو تقديم وثائق إضافية غير مطلوبة، أو انتظار قرار لم يُحدد موعد صدوره، أو معالجة مشكلة في نظام داخلي لا يمكنه الوصول إليه. ويصعب الطعن في هذه الصور من الغموض الإداري لأنها بطيئة، وتقنية، ومرهقة وتلحق أضرارًا بالغة. وبما أن الاستبعاد يحدث بهذه الطريقة بصورة تدريجية وبيروقراطية، وبطرق يصعب على الأشخاص المتأثرين الوصول إليها أو الطعن فيها. ولا يقتصر الدرس المستفاد من سياق القسم 4، البند (3) من قانون الجنسية في جنوب أفريقيا على ضرورة تطبيق قوانين الجنسية على النحو السليم، بل يتمثل أيضًا في أن الاستحقاق القانوني لا يؤدي تلقائيًا إلى الاعتراف القانوني. فالحق الذي يتعذر الوصول إليه عمليًا يظل حقًا هشًا. بالنسبة إلى الأشخاص عديمي الجنسية أو المعرضين لخطر انعدام الجنسية، يمكن أن تؤثر هذه الهشاشة في كل جانب من جوانب حياتهم.

في ظل تقلّص الحيز المدني، تتفاقم هذه الهشاشة. فوجود منظومات دعم مستدامة ليس أمرًا مكملًا للاستراتيجية القانونية، بل هو الاستراتيجية ذاتها، بدءًا من المجتمع المحلي، مرورًا بمراكز المساعدة القانونية والمحكمة، ثم العودة إلى المجتمع. ويتطلب بناء هذه المنظومات أن تتعاون منظمات المجتمع المدني وشركات المحاماة بروح من الحرص والتكامل. كما يتطلب من المحامين أن ينصتوا قبل أن يتولوا القيادة. ويتطلب منا جميعًا أن ندرك أن هذا ليس مجرد مشروع قانوني تقني، بل هو مشروع يقوم على الاعتراف والانتماء والمساءلة؛ مشروع لا يكون فيه الأشخاص الأكثر تأثراً مجرد أصحاب حقوق ينبغي تقديم المساعدة لهم، بل شركاء، يجب أن تسهم قيادتهم في تشكيل كل جانب من جوانب الاستجابة.

باليسا مالويزاني محامية في مجال حقوق الإنسان والمصلحة العامة لدى منظمة محامون من أجل حقوق الإنسان (Lawyers for Human Rights)، ومقرها جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا، وقد عملت على نطاق واسع في مجالات القانون الدستوري والإداري، بما في ذلك حقوق الجنسية، وانعدام الجنسية، والتقاضي الاستراتيجي النسوي، والمساواة بين الجنسين.
ثانديكا تشوكي محامية دولية متخصصة في مجال حقوق الإنسان، وتشغل منصب مسؤولة المناصرة في الحركة العالمية لمناهضة انعدام الجنسية.
إلغيني لوتشيتي مدير في شركة كليف ديكر هوفماير، ضمن ممارسة الخدمات القانونية المجانية وحقوق الإنسان.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.