استخدام الجنسية كسلاح: إسكات المعارضة في نيكاراغوا

The word "revoked" over a passport and the Nicaraguan flag

صورة رئيسية من تصميم Global Voices باستخدام عناصر من Canva Pro.

هذه القصة جزء من تغطية “الأصوات المكبوتة” التابعة لمشروع مرصد الإعلام المدني في جلوبال فويسز. اشترك في نشرة “أندرتونز”. كما تندرج هذه المقالة في سلسلة مقالات “في دائرة الضوء” من جلوبال فويسز لشهر يوليو/ تموز 2026، حول انعدام الجنسية. تسلّط هذه السلسلة الضوء على قضية انعدام الجنسية وكيف تعيق حرية تنقل الأشخاص، وفرصهم التعليمية، ومشاركتهم السياسية، وغيرها. يمكنك دعم هذه التغطية بالتبرع هنا.

على مرّ التاريخ، استخدمت الدول سياسة تجريد الجنسية على نطاق واسع لاستبعاد أو إبعاد أفراد يُعتبرون غير مرغوب فيهم، بمن فيهم المعارضون السياسيون والمجرمون المدانون وأفراد الأقليات الإثنية أو الدينية أو العرقية.

في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، أقرت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا قوانين جنسية تمييزية سحبت الجنسية من الجماعات المستهدفة، خاصةً وإن لم يكُن حصرًا، اليهود المجنَّسين حديثًا، مما سهّل اضطهادهم. وفي عام 1941، أقرّ الرئيس البنمي أرنولفو أرياس دستورًا جديدًا روّج لشكل إقصائي من القومية، وأرسى أحكامًا تمييزية جنسية، مما مهد الطريق لتجريد آلاف البنميين من أصول أفرو-كاريبية من جنسيتهم. في عام 1982، أقرّت ميانمار، التي كانت تُعرف آنذاك باسم بورما، قانونًا للجنسية جرّد الروهينغا، وهي أقلية إثنية ذات أغلبية مسلمة من ولاية راخين، من جنسيتهم. وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تشكّل الروهينغا أكبر مجموعة عديمة الجنسية في العالم، إذ يبلغ عدد من لا يحملون جنسية نحو 1.8 مليون شخص. رغم أن تجريد الجنسية لا يؤدي بالضرورة إلى انعدام الجنسية، فإنه كثيرًا ما أدى إلى تلك النتيجة، مما ترك العديد من المجتمعات المستهدفة بموجب تلك السياسات دون حماية من أي دولة.

تؤكد أودري ماكلين في فصلها “عودة النفي: هل تضعف سياسات التجريد من الجنسية الجديدة المواطنة؟“، في كتاب “مناقشة تحولات المواطنة الوطنية“، ويردّد المدافعون عن التجريد من الجنسية بشكل متكرر، أن “المواطنة امتياز وليست حقًا”؛ امتياز يرى بعض القادة السلطويين وجوب استحقاقه بالولاء للنهج السياسي الذي يرونه مناسبًا للبلاد.

السردية: من يخون وطنه يتنازل عن حقه في الانتماء إليه

في 9 فبراير/ شباط 2023، أفرجت الحكومة النيكاراغوية عن 222 سجينًا سياسيًا، ونفتهم إلى الولايات المتحدة. في اليوم نفسه، وافقت الجمعية الوطنية – التي يسيطر عليها الحزب الحاكم – بالإجماع على تعديل دستوري يجيز سحب جنسية الأفراد المصنفين “خونة للوطن”. أُقرت هذه التعديلات بموجب القانون رقم 1145، ثم أُدرجت لاحقًا ضمن قانون التعديل الجزئي للدستور السياسي لجمهورية نيكاراغوا. في 15 فبراير/شباط 2023، أقدمت الحكومة النيكاراغوية على سحب جنسية 94 نيكاراغويًا آخرين.

Co-President of Nicaragua, Daniel Ortega sharing his remarks during the the 90th death anniversary of revolutionary Augusto Nicolás Calderón Sandino

لقطة شاشة من الفيديو “90 عامًا وساندينو حيّ، حيّ، حيّ، والنضال مستمر، مستمر، مستمر…!” على قناة El 19 Digital على يوتيوب؛ للاستخدام العادل.

بعد عام، في 21 فبراير/شباط 2024، قال الرئيس المشارك لنيكاراغوا دانيال أورتيغا، في خطاب ألقاه احتفالًا بالذكرى التسعين لوفاة الثائر أوغستو نيكولاس كالديرون ساندينو: “الخائن لوطنه لا ينتمي لبلده، ولا يعود له وطن؛ لهذا يُطلَق عليه وصف “عديم الجنسية”. في اللغة الإسبانية، تُستخدم كلمة “patria” بمعنى “الوطنية”، بينما تُستخدم كلمة “apátrida” للإشارة إلى شخص عديم الجنسية. يستخدم أورتيغا مصطلحي «traición a la patria» و«apátrida» في تصريحه للمساواة بين الخيانة للوطن «traición a la patria» وانعدام الجنسية.

أدلى أورتيغا بتلك التصريحات في إشارة إلى أدولفو دياز وإميليانو تشامورو، رئيسان سابقان لنيكاراغوا خلال النصف الأول من القرن العشرين، وإلى أكثر من 300 شخص جرّدهم من جنسيتهم، مقارنًا المنفيين بالزعيمين المحافظين السابقين للبلاد، اللذين أيَّدا احتلال الولايات المتحدة لنيكاراغوا (1912– 1933)، والذي حاربه ساندينو.

كما يُردد أعضاء الحكومة النيكاراغوية الحالية ووسائل الإعلام المرتبطة بها هذا الخطاب، ويتبنون الاعتقاد بأن التعبير عن المعارضة للحكومة الحالية يُعد خيانةً يجب المعاقبة عليها بسحب الجنسية.

ينتشر هذا الخطاب أيضًا خارج نيكاراغوا. في يوليو/ تموز 2025، عدّلت كمبوديا دستورها وأقرت تشريعًا جديدًا يجيز للحكومة تجريد أفراد من جنسيتهم الكمبودية إذا ثُبت إدانتهم بالخيانة، أو التعاون مع جهات أجنبية، أو تهديد للأمن القومي. وفي إشارة إلى هذا التشريع، قال رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيت، نجل رئيس مجلس الشيوخ هون سين، وفقًا لما أوردته منصة جلوبال فويسز

If you are a patriot and are determined to your last breath not to act against Cambodian interests, please do not worry. But if you have a plan to conspire with a foreign country to destroy Cambodian interests, then you should be [concerned]. And, if you are like that, you should not remain a Cambodian

إذا كنت وطنيًا ومصممًا حتى آخر رمق على عدم الإضرار بمصالح كمبوديا، لا داعي للقلق. لكن، إذا كانت لديك خطة للتآمر مع دولة أجنبية للإضرار بمصالح كمبوديا، عليك أن تشعر بالقلق. وإذا كنت كذلك، فلا ينبغي لك أن تظل مواطنًا كمبوديًا.

في يوليو/ تموز 2026، أقرّ البرلمان الروسي قانونًا يبعث برسالة مماثلة إلى المعارضين. وبموجب هذا التشريع، يمكن تجريد الروس المقيمين في الخارج والمتهربين من اتهامات ذات دوافع سياسية من حقوق الملكية، والوصول إلى حساباتهم المصرفية، والخدمات القنصلية، في إطار حزمة من الإجراءات التي يقول محامون إنها تمثّل فعليًا سحب الجنسية.

السياق المحيط بتلك السردية

دانيال أورتيغا هو مقاتل سابق في حرب العصابات، ساعد في الإطاحة بالرئيس أناستاسيو سوموزا ديبايلي في يوليو/تموز 1979. وكان سوموزا ديبايلي آخر أفراد عائلة سوموزا الذين حكموا نيكاراغوا، منهيًا بذلك سلالة حاكمة مدعومة من الولايات المتحدة كانت قد حكمت البلاد منذ عام 1936. تولى أورتيغا رئاسة نيكاراغوا لأول مرة من عام 1985 إلى 1990، ممثلًا جبهة التحرير الوطني الساندينية (FSLN)، الحزب السياسي الذي انبثق عن حركة حرب العصابات التي كان ينتمي إليها.

من عام 1990 إلى عام 2006، انتقلت نيكاراغوا من الحرب الأهلية وحكم الساندينيين إلى نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب تحت قيادة ثلاثة رؤساء متعاقبين: فيوليتا تشامورو وأرنولدو أليمان وإنريكي بولانيوس، قبل أن يستعيد دانيال أورتيغا الرئاسة بفوزه في انتخابات عام 2006.

يحكم دانيال أورتيغا نيكاراغوا منذ عام 2007. وفي أعقاب تعديلات دستورية أُقرت في عام 2024، بدأ في تقاسم الرئاسة مع زوجته، روزاريو موريو، في عام 2025.

تعتبر إدارة أورتيغا على نطاق واسع إدارة سلطوية من قبَل العديد من المظمات الدولية. وفقًا لمنظمة العفو الدولية، فقد عززت الحكومة النيكاراغوية من سيطرتها السلطوية وشدّدت من قمعها للمعارضين. وتُفيد المنظمة بوقوع حالات احتجاز تعسفي واختفاء قسري لمعارضين سياسيين، فضلًا عن فرض قيود على حرية التعبير وتكوين الجمعيات وممارسة الشعائر الدينية. كما توثق أيضًا  استمرار المضايقات للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني. وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن التعديلات الدستورية وسّعت صلاحيات الدولة، في الوقت الذي أضعفت فيه نظام الحماية ضد الانتهاكات، بما في ذلك إلغاء الحظر الدستوري على التعذيب.

تتصاعد الأزمة السياسية في نيكاراغوا منذ عام 2018، عندما عكست الاحتجاجات الاجتماعية، التي اندلعت نتيجة لإصلاحات مقترحة لنظام الضمان الاجتماعي، وسنوات من تنامي الاستياء الشعبي إزاء القيود المفروضة على الحريات المدنية، والمؤسسات الضعيفة، وتركيز السلطة في يد السلطة التنفيذية. وأسفرت حملة القمع العنيفة التي شنتها الدولة عن مقتل ما لا يقل عن 355 شخصًا، وإصابة أكثر من 2000 شخص، واحتجاز أكثر من 2000 شخص تعسفيًا.

يدّعي أورتيغا وأنصاره أنهم يمثلون إرث أوغستو سيزار ساندينو، وهو ثائر مثير للجدل ناضل من أجل السيادة الوطنية، وعارض التدخل الأمريكي في نيكاراغوا خلال عشرينيات القرن الماضي، وكان مصدر إلهام للحركة الساندينية.

وقعت تدخّلات أمريكية في نيكاراغوا في عدة مناسبات، كان أبرزها حملة ويليام ووكر الفدائية في منتصف القرن التاسع عشر، والاحتلال العسكري الأمريكي المطول للبلاد في الفترة من 1912 إلى 1933، فضلًا عن الدعم الأمريكي للكونترا، وهي حركة مسلحة مناهضة للثورة خاضت القتال ضد المجلس العسكري لإعادة الإعمار الوطني التابع للجبهة الساندينية للتحرير الوطني (FSLN)، وضد رئاسة دانييل أورتيغا خلال ثمانينيات القرن الماضي.

قدّم أورتيغا نفسه كأحد أبرز القادة المناهضين للإمبريالية في أمريكا اللاتينية، إلى جانب فيدل كاسترو (كوبا) وهوغو تشافيز فرياس (فنزويلا). وفي خطابه السياسي، يُصوَّر المعارضون باعتبارهم “خونة للوطن”، وغالبًا ما يُربطون بجهود إمبريالية يُعتقد أن مصدرها الرئيسي الولايات المتحدة.

يشمل أكثر من 300 نيكاراغوي، جُرّدوا من جنسيتهم، أعضاءً في المعارضة، وصحفيين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وكتّابًا، وممثلين عن الكنيسة الكاثوليكية. فور إعلان الحكومة النيكاراغوية قرارها، عرضت حكومات المكسيك وإسبانيا وتشيلي والأرجنتين تجنيس من أصبحوا عديمي الجنسية مؤخرًا.

في 19 يوليو/ تموز 2026، أعلن دانييل أورتيغا “لن تكون هناك انتخابات أخرى” في البلد. وكان من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في نيكاراغوا عام 2027، بعدما أدّى تعديل دستوري إلى تأجيل الانتخابات عن موعدها الأصلي المحدد في نهاية هذا العام.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.