نظرتان مختلفتان : الاستعراض أم التقاليد في الجدال حول تنظيف اليابانيين للملاعب في كأس العالم

أكياس القمامة التي استخدمها الجمهور اليابانيخلال كأس العالم، لقطة الصورة من قناة على اليوتيوب من المستخدم

أكياس القمامة التي استخدمها المشجعون اليابانيون خلال كأس العالم ٢٠٢٦، لقطة شاشة من قناة على اليوتيوب للمستخدم @taiyojr.10. الاستخدام العادل.

انتشرت صور المشجعين اليابانيين وهم ينظفون مقاعد الاستاد بعد المباراة مرة أخرى انتشارًا واسعًا خلال كأس العالم لكرة القدم ٢٠٢٦، مما حظي بإشادة عالمية الذي اعتبرها البعض تعبيرًا فريدًا عن الاحترام الياباني.

غير أن هذا الثناء العالمي يقابله رد فعل مغاير بشكل لافت على أرض الوطن: إذ يرى البعض القيام بالتنظيف ما هو إلا استعراض منافق لإرضاء الأجانب بينما يتم تجاهل مشاكل المنظومة مثل التفرقة في العمل بسبب نوع الجنس والتسلسل الهرمي بين الأجيال داخل المجتمع الياباني.

يكشف هذا الصدام بين نظرة العالم والموقف الناقد في الداخل عن إحباط عميق من كيفية تمثيل اليابان لقيمها على الصعيد العالمي.

نشر مستخدم لمنصة إكس @shisou_ في ١٦ يونيو-حزيران رسمًا كاريكاتوريًا يصور مشجعًا يابانيًا وهو منتظر بفارغ الصبر الصفارة الأخيرة، ليس من أجل الاحتفال بالنتيجة ولكن من أجل التباهي” بأخلاقهم” أمام عدسات العالم.

تنص الرسالة الملحقة بالصورة:

日本代表の試合の終盤ソワソワするんです あと少しで日本の礼儀正しさを世界にアピールできるぞ…‼︎って

في الأوقات الأخيرة لمباريات اليابان أبدأ في التململ، وأظل أفكر فقط في غضون ما تبقى سنتمكن من عرض الأخلاق اليابانية أمام العالم.

كما نشر المستخدم باسم @atsukotamada صورة مشابهة في التاريخ نفسه، مشيرًا إلى نفاق الحملة وتنص الصورة على “افعلها في بلدك رجاءًا”.

يبدو أن الاهتمام انصب على فعل الرجال اليابانيين يلتقطون القمامة من ملاعب كرة القدم، لكن الوقت الذي يقضيه الرجال اليابانيون في العمل المنزلي ضعيف جدًا طبقًا للمعايير الدولية. أتمنى أن يضعوا ذلك في أولوياتهم بعد عودتهم إلى الوطن.

عزز هذا الشعور ظهور أكياس القمامة بعلامة “الفخر الياباني” مما دفع الكثيرون إلى رؤية مشهد التنظيف ليس عملاً عفويًا بل جهدًا منظمًا للترويج للصورة النمطية عن الشعب الياباني.

كما يوضح مستخدم منصة إكس @awadkend_citizen إن هذا الأمر في نظر المنتقدين يحول الفضيلة الثقافية المتأصلة إلى خدعة علاقات عامة منظمة ذات طابع قومي موجه للمجتمع الدولي.

من الجيد أن تشعر بالوطنية والفخر تجاه بلدك، أليس من المفترض أن ينبع الشعور به من داخلك؟ هل نحن بحاجة لطباعتها بأحرف كبيرة، ويحملها آلاف الأشخاص، الكاميرا تصورهم وهم يلتقطون القمامة ثم الشعور الجيد عند إشادة وسائل الإعلام الأجنبية بذلك؟ هل هذا هو الفخر الياباني؟ أم أنني من الطراز القديم لكنني أشعر بشيء مريبًا حيال هذا الأمر؟

كما يعكس هذا النقاش تصادمًا بين مبدأين أخلاقيين يابانيين تقليديين وهما أخلاقيات الاتساق وأخلاقيات أداء الموقف.

 أصل فكرة التنظيف بعد المباراة

إن مفهوم (来た時よりも美しく)  “ترك المكان أنظف مما كان عليه من قبل” ثقافيًا ليس مجرد فعل ترتيب بل هو تعبير لاحترام “المكان” (場)— وهذا المفهوم متأصل في الفنون القتالية اليابانية (budo) حيث يعد احترام الخصم والمحيط وجهان لضبط النفس.

هذا الاحترام راسخ. على سبيل المثال إن تقليد قيام لاعبي البيسبول في المدارس الثانوية بجمع تربة من ستاد هانشين كوشين بعد الهزيمة وأخذها إلى المنزل طقوس عاطفية عميقة، فهذه التربة تكون بمثابة تذكارًا ورمزًا لسعيهم نحو التميز والتعهد بالعودة، فالذكرى ليست في الكرة ولا في المضرب بل في التربة التي تعد رمز المزار الأيقوني للبيسبول في المدارس الثانوية.

بالإضافة إلى أن الفنون القتالية اليابانية تمتلك سلوكًا فريدًا تجاه المنافسات، ويخبر ممارسو الكيندو ومشجعو كرة القدم الشغوفون جلوبال فويسز إن الحكمة وراء فعل التنظيف متأصلة في روح البوشيدو، الفنون القتالية اليابانية.

Unlike mere entertainment, martial arts heavily emphasizes the importance of self-improvement and respect for the opponent. This spirit is famously summarized as a phrase: ‘reflect upon victory, show gratitude in defeat.’

الفنون القتالية ليست مجرد ترفيه فهي تؤكد على أهمية تحسين الذات واحترام الخصم، وهذه الروح تلخص في عبارة مشهورة تقول: تأمل في نصرك واشكر خصمك عند هزيمتك.

أوضح ماساتوتسوشيدا، رئيس اتحاد الياباني لرغبي كرة القدم، أن الروح اليابانية للبوشيدو – التي تقدر الانضباط الذهني على المهارة الجسدية- قد سمحت لروح الرغبي النبيلة (بعد المباراة)  تنغمس بانسيابية داخل الثقافة الرياضية اليابانية. ويتجلى ذلك في تقليد الانحناء على أرض الملعب، وهي لفتة انتشرت سريعًا في ٢٠١٩ وتبعتها فرق أول بلاكس’ والفرق الدولية الأخرى.

 الاتساق مقابل الأداء على حسب الظروف

يعكس الخلاف الدائر صراعًا بين قيمتين جماليتين للتقاليد اليابانية ألا وهما مبدأ ماكوتو (الإخلاص/ الاتساق في المبدأ) ومبدأ هاره وكه (أداب السلوك الظرفية).

تؤكد تقاليد البوشيدو على النقاء والإخلاص في دافع المرء (makoto)، التي تعني فعل الخير دون السعي لطلب الثناء لأن الرغبة في الاعتراف بالجميل تُرى أنها اضحلال أو سطحية، كما أن للثقافة اليابانية تقليدًا تاريخيًا باسم هاره (الرسمي: المحيط العام) وكه (النظام، المحيط الخاص)، وهي مفاهيم تنظم سلوك الناس في سياقات مختلفة، فعلى سبيل المثال يمكن للشخص الحفاظ على شخصية منضبطة في العمل والتحول للاسترخاء أكثر في الأماكن الخاصة.

يطالب النقاد بالاتساق في الموقف لكن يرى المدافعون بأنها تفتقر للفهم الجوهري للروح اليابانية، مؤكدين على أن القيام بمثل تلك الأفعال أفضل من عدمها حتى إذا كانت رياء كما تشير المقولة اليابانية إليها (やらない善よりやる偽善).

كما أوضح المدافعون عن مبادرة التنظيف أنه يجب الفصل بين الدوافع الحقيقية للمشجعين وبين الحملات القومية الموجهه إعلاميًا، وأكد مستخدم منصة إكس @redblue708 على أنه لا يجب أن يفترض الناس أن مشجعي كرة القدم يؤدون ذلك من أجل لجذب الانتباه الإعلامي:

الذين ينتقدون حملة التنظيف ولا يرونها إلا للاستعراض، أريد منهم الاعتذار للمشجعين الذين يلتزمون بجمع القمامة في كل مباراة دون أن يذكرهم أحد. ألم يقوموا بنفس الفعل كل أربع سنوات؟ بل هذا الذي تقع عليه عيناك كل أربع سنوات.

قد لا تكون القضية الجوهرية في نية المشجعين، بل في التحول الإشكالي لفضيلة روحية هادئة إلى حملة قومية موجهه دعائيًا، فعندما تغلف عادة الاحترام أمام العدسات العالمية فيتشكل الخطر في تحويل قيمة ثقافية داخلية إلى أداة للتباهي، وإن النقد الداخلي الساخر يمثل تذكيرًا حيويًا بأنه لا يمكن تصنيع الكرامة الوطنية للحصول على الإشادة الإعلامية.

ابدأ المحادثة

الرجاء تسجيل الدخول »

شروط الاستخدام

  • جميع التعليقات تخضع للتدقيق. الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر تعليق مزعج.
  • الرجاء معاملة الآخرين باحترام. التعليقات التي تحوي تحريضاً على الكره، فواحش أو هجوم شخصي لن يتم نشرها.