
رجل مكمم الفم
كتبت الدكتورة “ستيلا وايريمو بوسير” هذه المقالة، عضوة مجلس إدارة التحالف العالمي للمشاركة المدنية، والمديرة التنفيذية لمركز أفريقيا لنظم الصحة والعدالة بين الجنسين.
هبط برايان برايت تاموكا كاغورو مساء أحد أيام الإثنين من هذا العام في مطار جومو كينياتا الدولي، جاء دون سلاح، أو مهربات، أو أي خطط تزعزع استقرار الدولة. جاء فقط حاملاً أفكاره، ومعتقداته، وعبء أربعة عقود انقضوا في القتال من أجل العدالة.
دخل كاغورو كينيا بالطرق الرسمية باعتباره مناديًا بارزًا للوحده الأفريقية، ومحاميًا دستوريًا، ومدافعًا عن حقوق الإنسان، فخُتِم جواز سفره وأنهى إجراءات الهجرة. لكن، قام مسؤولو الدولة باعتراض طريقه، وصادروا هواتفه، ومنعوه من الاتصال بالمحاميين، أو الأصدقاء، أو الدعم القنصلي، ثم احتجزه جهاز المخابرات الوطني الكيني لمدة 14 ساعة دون أي تواصل.
صرحوا أخيرًا أن كاغورو غير مرحب به، ورحلوه خارج البلاد، دون تقديم أي تفسير، أو إتخاذ إجراءات قانونية، أو توجيه اتهامات، إلا أن المغزى الأساسي كان غاية الوضوح: التأكيد على أن المعارضة، والتضامن، والرأي المستقل أمور خطيرة.
تلك حقيقة يعرفها المدافعون عن حقوق الإنسان في أفريقيا حق المعرفة، فلم يعد إغلاق المجال المدني مجرد مشكلة نظرية لقادة المعارضة البارزين، بل خطر يومي للباحثين، والصحفيين، والمحاميين، والنسويات، والمواطنين العاديين الذين يجرؤون على طرح الأسئلة أو مساندة أولئك الذين يتعرضون للهجوم.
تحويل الحدود إلى حواجز
نشهد اتجاه خطير ومتسارع عبر القارة، حيث تستخدم الدول حدودها كسلاح فعّال في تتبع وإسكات النشطاء. كان قمع الدولة في الماضي داخل حدود الدولة ذاتها، أما اليوم يتعاون الطغاة عبد الحدود باستخدام المراقبة الرقمية، والمعلومات الاستخبارية المتبادلة، وإجراءات الطرد المنسقة للوصول إلى المعارضين حتى بعد فرارهم للمنفى. تعد معاملة كينيا لكاغورو بمثابة تذكير حاد على أن مغادرة الوطن لم تعد تضمن السلامة.
يتبع ذلك الترهيب العابر للحدود مخطط ثابت بصورة مرعبة. في أقصى الغرب، رأينا مخططًا مشابهًا ضد مبارك بالا، ناشط إنساني نيجيري سُجن لمدة 24 عاما في تهم ازدراء الأديان لمجرد تعبيره عن معتقدات. بالرغم من مساعدة التعبئة الدولية المكثفة على تأمين إطلاق سراحه بعد عامين، إلا أن محنته تؤكد على التهديد الهائل الذي يواجه حرية التعبير.
إن البيانات الداعمة لتلك القصص الفردية صادمة؛ وفقًا للنتائج الاخيرة الصادرة عن مرصد التحالف العالمي للمشاركة المدنية، أنه مايزيد عن 80 في المائة من سكان جنوب صحراء أفريقيا يعيشون الأن في دول حيث يُقمع أو يُغلق المجال المدني رسميًا. بين 50 دولة وإقليم خاضعين للمراقبة في المنطقة، يواجه 44 منهم عوائق شديدة أو منع تام للحريات الأساسية. كما تكشف البيانات أن احتجاز الصحفيين هو إسلوب الحكومات الأفريقية الرئيس لمنع التقارير المستقلة، حيث قامت السلطات في 33 دولة باحتجاز العاملين في الميديا على مدار العام الماضي فقط.
يأتي ذلك الهجوم في وقت يتشتت فيه انتباه العالم بصورة خطيرة. مع الانشغال بالحروب، والأزمات الاقتصادية، وتغير التحالفات الجيوسياسية، قامت العديد من التحالفات الدولية التقليدية باعتبار حقوق الإنسان أولوية ثانوية. والحكومات التي نصّبت نفسها ذات يوم كأبطالاً للديمقراطية، تولي الآن الأولوية الكبرى للصفقات التجارية الثنائية واتفاقيات الأمن على حساب المواجهات ذات المبدأ ضد الأنظمة الاستبدادية. وبينما يُترك المدافعون عن حقوق الإنسان في مواجهة ذلك العزل بمفردهم، يتسلل الحكم الاستبدادي إلي الفجوات التي يتركونها خلفهم.
إمكانية مواجهة حالات الطوارئ العابرة للحدود بالصمود
يوضح التاريخ حتى الآن إمكانية مواجهة تلك الحالات الطارئة العابرة للحدود بالقدرة على الصمود. فلم يعد النضال المحلي كافيًا لتأمين النشطاء في الخط الأمامي ضد التجاوز على مستوى الدولة، لذلك، يجب أن يطور المجتمع المدني من تبادل المنفعة المشتركة عبر الحدود. لذلك تحديدًا يقدم الإطلاق العالمي لحملة “قف شاهدًا لي”، بالتزامن مع اليوم الدولي للمناضل نيلسون مانديلا، مخططًا حيويًا للمقاومة التي يقودها المواطنون عبر التضامن العابر للحدود.
رأينا على المستويين المهني والشخصي كيف يمكن للحركات أن تدعم الشعب لفترة طويلة بعد أن تخلي المؤسسات عنهم. أحيانًا، ليس أمر القضاء أو بيان الحكومة ما يحمي النشطاء المحتجزين، بل العلم أن هناك إناس يراقبون، ويوثقون، ويتحدثون، وينظمون، ويرفضوا اختفاء أثرهم. كما أن التنظيم خلف الحدود هو الذي يولد الضغط من خلال حملات الدفاع، والتعبئة الديمقراطية، والضغط الدبلوماسي، والضرر بسمعتهم. فيُذكر ذلك التضامن الحكومات بأن العالم يقظ كما يساعد على ضمان عدم نسيان المحتجزيين، والتقليل من خطر التعذيب، والاختفاء الإجباري، والسجن لأجل غير مسمى. كما تعزز القوانين الدولية تلك الجهود حيث يقوم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحظر الاعتقال التعسفي مما يمنح الحركات العالمية النفوذ القانوني لفرض الامتثال.
تجلب تلك الحملة رسالة أمل هامة في ظل ظروف قاتمة، كما تذكرنا أن التعبئة العامة الدولية لها أثر ملموس. تلك حقيقة أثبتها نجاح تحرير 31 من المدافعين عن حقوق الإنسان على مستوى العالم الذين كانوا في الظلام ذات يوم لكنهم تحرروا بفضل رفض الحركات الدولية تركهم للنسيان.
كي يبقى ذلك التضامن فعالاً، يجب أن يخضع للتعديل، التضامن الحقيقي عبر الحدود لا يمكنه إعادة إنتاج موازين القوى القديمة أو التسلسلات الهرمية فحسب، بل يتطلب إيكولوجيا المعرفة، وهي اعتراف رسمي بأن أكثر الرؤى والاستراتيجيات حيوية تأتي مباشرةً من المجتمعات المحلية والحركات الشعبية التي تقاتل عند الخطوط الأمامية.
يجب أن يبدأ الدفاع عن حقوق الإنسان في أفريقيا والجنوب العالمي الأوسع بالاستماع الفعّال. ويجب أن ندرك أن نضالنا الفردي من أجل العدالة مترابط بشكل عميق. فالمدافعون عن حقوق الإنسان لا يمثلوا تهديداً للأمن القومي، بل إنهم بنية أساسية تربط مجتمعاتنا معاً، كما أنهم خط دفاع لا يمكننا تركه دون حماية.







