
ملصق في أحد شوارع مدينة المكسيك يحمل عبارة: “متى أصبحت العودة إلى الوطن امتياز؟” تصوير أندريا باولا هيرنانديز، نُشرت الصورة بإذن منها
هذا المقال جزء من التغطية الخاصة “كارثة زلزال فنزويلا”، التي نبحث فيها تداعيات الزلازل، ونشارك قصصًا من الميدان، ونسلّط الضوء على الآثار الإنسانية، وجهود الإنقاذ، والتحديات التي تواجه المجتمعات المتضررة. كما يندرج هذا المقال ضمن سلسلة قضايا انعدام الجنسية التي تطلقها جلوبال فويسز في يوليو/تموز 2026. وتقدّم هذه السلسلة رؤى حول قضية انعدام الجنسية وكيف تعيق حرية تنقّل الأشخاص، وفرصهم التعليمية، ومشاركتهم في الحياة السياسية، وغير ذلك. ويمكنكم دعم هذه التغطية بالتبرع هنا.
قلّةٌ من الأمور في الحياة تبدو حتمية، بقدر حتمية أن يولد الإنسان في مكانٍ ما.
المكان الذي وُلدت فيه أُعيدت تسميته مرات عديدة، لكن إحداثياته لم تتغير. تنحدر أمي من سلالة عريقة من أبناء شعب الوايو في شبه الجزيرة، تعود جذورها إلى زمن يسبق بكثير اختراع البشر للحدود. وقد عُرف أسلافي بمقاومتهم الشديدة لمحاولات الاستعمار العديدة، ولا يزالون من بين قلّة من الشعوب الأصلية التي صمدت في وجه الحكومات، وحركات حرب العصابات، ومُلّاك الأراضي، والجريمة المنظمة، والعديد من الكنائس، والتغير المناخي.
علاقتهم بالأرض هي إرثٌ ورثته عنهم: أنا ابنة هذه التربة، وفي المقابل، أكرّمها وأحميها.
دفعتني رياح المنفى إلى قلب وادي المكسيك في منتصف عام 2022. بُنيت مكسيكو سيتي فوق بحيرات جُفّفت، ما يجعلها تضخّم الموجات الزلزالية، كانت أول مكان أعيش فيه أشعر فيه بالخوف من الطبيعة. في شهر سبتمبر/أيلول، اهتزّت الأرض في الوقت والتاريخ نفسيهما اللذين شهدت فيهما المدينة زلازل مماثلة عدة مرات من قبل. بالرغم من عدم إصابة أحد نتيجة الزلزال، رأيت الناس في الخارج يصرخون ويركضون، فيما تولّت ذاكرتهم الجسدية زمام الأمور. قبل ذلك بخمس سنوات فقط، أودى زلزال بلغت قوته 7.1 درجة بحياة مئات الأشخاص، مخلفًا أثرًا لا يُمحى في البلاد.
تعلّمت سريعًا كيف ألتقط الإشارات: أصبحت أخبار حركة الصفائح التكتونية وبروتوكولات الطوارئ جزءًا من حياتي اليومية. علّمني المنفى أن أكون ضيفةً متواضعةً على أرض معقّدة ودقيقة التكوين. وكان القرب الشديد من حركة الأرض كفيلًا لأن ينسيني معنى الشعور بالأمان.
في مدينتي الجديدة، تهتزّ الأرض أحيانًا، وأحاول أن أبقى هادئةً وأن أتبع التعليمات. لكن بروتوكولات الطوارئ لم تُهيّئني لمشاهدة وطني تبتلعه الأرض عبر شاشة هاتفي.
سقط كل شيء
كنت أتحدث عادةً مع غابي في الصباح، فيما كانت أصوات طيور كاراكاس تتسلّل إلى مكالماتنا من خلفية حديثها. لكن في 24 يونيو/حزيران، لم يصلني منها أي خبر حتى الساعة 4:09 مساءً. لم تكن رسالتها سوى كلمة واحدة: “زلزال”، أعقبها صمتٌ هائل.
بهذه الكلمة، اختزلت غابي أسوأ كارثة طبيعية شهدتها فنزويلا خلال القرن الماضي: زلزالان وقع بفارق أقل من 39 ثانية.
لثماني دقائق طويلة، حاولت أن أظل هادئةً، إلى أن عادت الإشارة وتمكنت من الرد على الهاتف. كان صوتها مرتعبًا وقالت: “لا أستطيع التحدث”، ثم أضافت: “سقط كل شيء”، وأغلقت الخط.
نظرًا إلى ندرة التغطية الإخبارية وفرض قيود عليها في فنزويلا، أصبحنا نعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أي معلومات. وبينما كنت أبحث بجنون عبر مختلف المنصات، بدأت مقاطع الفيديو بالظهور شيئًا فشيئًا.
رأيت كاراكاس تتعرض للقصف، وللغاز المسيل للدموع، ورأيتها تحترق، وتتحول لمنطقة عسكرية، وتنقطع عنها الكهرباء لأسابيع، لكنني لم أدرك حقًا ما يمكن أن تفعله ثلاثة عقود من العيش في ظل أوضاع هشة إلا في ذلك اليوم. لم أستطع مقارنة المشاهد التي رأيتها في تلك المقاطع بأي شيء سبق أن شاهدته.
مقطع فيديو تلو الآخر، وكل ما يظهر في المشهد كان غبارًا، وإسمنتًا، وصراخًا، ومبانٍ تنهار وتذوب في باطن الأرض. ومهما اتصلت بأي شخص أو أرسلت إليه رسالة، لم يجبني أحد. حاولت التعرّف على مناطق مختلفة من المدينة من خلال مقاطع الفيديو، لكن كل شيء كان مغطى بطبقة من الغبار. بالطبع، رفضت الحكومة والمنصات الرسمية الإدلاء بأي معلومات. الصمت يعم المكان.
كل ما استطعت رؤيته على حسابات أصدقائي، أشخاصًا يرقصون احتفالًا بسان خوان، ذلك الاحتفال الأفرو-كاثوليكي المحبوب على نطاق واسع، والذي كان السبب في وجود هذا العدد الكبير من الناس في لا غوايرا في المقام الأول. رأيت في قصصهم على وسائل التواصل الاجتماعي صورهم على الشاطئ يتناولون الغداء ويحضرون الاجتماعات والفعاليات، قبل دقائق فقط من وقوع الكارثة. ثم لا شيء.
كان وطني يحترق، وكل ما استطعت فعله هو المشاهدة.
“أتلقى تذكيرًا مستمرًا بأنني غير مرغوبة في وجودي”
بوصفي طالبة لجوء في المكسيك، فأنا ملزمة قانونيًا بالبقاء في الولاية الاتحادية التي أقيم فيها إلى أن يُبتّ في قضيتي وتُعتمد إقامتي أو تُرفض. بالنسبة إلى المهاجرين الفنزويليين، قد تمتد هذه الحالة المعلّقة لسنوات عديدة: لا يُسمح لك بالمغادرة، لكنك في الوقت ذاته لا تعيش هنا حقًا. هذه ليست مجرد مسألة حظ؛ بل منظومة مصمّمة بحيث لا يتمكن الناس من تجاوزها. جريمتي هي رغبتي في أن يكون لي وجود هنا، وعقوبتي سجنٌ حبيس اليابسة، أتلقى فيه باستمرار تذكيرًا بأنني غير مرغوبة في وجودي.
أتذكر بوضوح شديد آخر مرة رأيت فيها البحر في لا غوايرا، يوم غادرت فنزويلا وأنا على يقين من عودتي بعد بضعة أشهر. مرت أربع سنوات منذ ذلك الحين، وفي كل يوم أدرك أكثر فأكثر كم كنت أتعامل مع إمكانية الوصول إلى البحر، ذلك البحر تحديدًا، وكأنه أمر مسلّم به.
أفتقد كاراكاس كل يوم.
منذ أن عشت في مكسيكو سيتي، لم أعد أتحدث إلا عن العودة إلى بلدي. لو كانت فنزويلا إنسانة، وكان بإمكاني رؤيتها مجددًا، لعانقتها لساعات. ولو استطاعت ذراعاي أن تمتدا بما يكفي لتبلغا مياهها، لقدّمت أصابع يدي العشر إلى شاطئها. أشعر بمنطقة الكاريبي كامرأة، تمامًا كما قال بابلو هيرّيرو وخوسيه لويس أرمينتيروس. وفجأة، أصبحت المرأة التي أحبها تنزف أمام عينيّ عبر شاشة هاتفي. وبعد بضع دقائق فقط من الصمت، سمعنا الصرخة.
رأيت المبنى الذي عشت فيه آخر مرة في كاراكاس ينهار جزئيًا، ومعه اختفت تحت الأنقاض أحياء كاملة من ذاكرتي، بينما كان الأشخاص الذين أحبهم يحفرون بأيديهم العارية بحثًا عن أفراد عائلاتهم.
الألم يفوق الوصف؛ فما فعلته الطبيعة لا يُقارن بما فعله النظام بالناس الذين يموتون، ولا بكيفية رفضه للمتطوعين وحرمانه أبناء شعبه من الخدمات. وفي الوقت نفسه، لم يكن أمام ثمانية ملايين فنزويلي في الشتات سوى التحديق في شاشات هواتفهم والبكاء. ومن حولي، كان ملايين الناس في أرض أخرى، يواجهون مشكلات مختلفة، منشغلين بالمراسم الجماعية لكأس العالم، غير مكترثين بما يحدث: فنزويلا ليست امرأةً في نظر الجميع.
أدرك هذا من الناحية العقلية: تستمر الحياة فيما ينهار العالم من حولي، بينما أتشبث بشاشة لا يتجاوز حجمها ست بوصات، وأتوهّم أن بوسع وحدات البكسل أن تساعد أحدًا. دون جواز سفر، أو وثائق، أو مال، لا أستطيع ركوب طائرة وتسخير يديّ لشيء آخر. كل ما أستطيع فعله هو نشر الرسائل أو طلب التبرعات، لكنني لا أستطيع احتضان غابي. ولا أستطيع مساعدة الأطفال الذين ينامون الآن في الشوارع بمفردهم، وقد أحرقت الشمس الكاريبية وجوههم، وهم عاجزون عن الاحتماء منها لغياب سقف يأويهم. ولا أستطيع ركوب طائرة والبدء في إزاحة التراب بأصابعي حتى نعثر على إجابة. ولا أستطيع الانضمام إلى ملايين الفنزويليين الذين هبّوا لإنقاذ مجتمعاتهم، لا من قوة الطبيعة، بل من حكومة استولت على تبرعاتهم، وبنت لهم توابيت عمودية، دُفنت فيها حياتهم إلى الأبد.
هذا الثمن الذي اضطررت لدفعه، بطريقة أو بأخرى، مقابل الهروب من الديكتاتورية. عليّ أن أشاهد أبناء شعبي يعيشون في الخيام، ويحوّلون حياتهم الاجتماعية إلى حملات لجمع التبرعات، بينما لا أستطيع مدّ ذراعي، ولا أن أجعل الملح الذي يجري في عروقي يتحول إلى أمواج. أستلقي في سريري، وقد استُبدلت زقزقة طيور كاراكاس بهتافات مشجعي كأس العالم، التي تبدو لي كأنها لغة أجنبية.
أنانيةٌ تحاصرني داخل هذه الجدران، ويثقلني الشعور بالذنب لأنني حاولت النجاة؛ أشعر بأنني تخلّيت عن أرضي، حتى وأنا أعلم أنها انتُزعت مني.







