
تُعيق القيود المالية اتبّاع ممارسات أمن رقمي فعّالة. الصورة من زينب محمد، فليكر. CC BY-NC-SA 2.0.
كتب سيوان تيتر هذا المقال المنشور أصلًا على سيمكس في السادس والعشرين من آذار/ مارس عام 2025. أُعيد نشر نسخة مُعدّلة منه على جلوبال فويسز كجزءٍ من اتفاقية مشاركة محتوى.
بينما تتصاعد التهديدات السيبرانية عالميًا، تواجه منظمات المجتمع المدني السورية مخاطر متزايدة بسبب القيود المادية، التحديات التقنية والضغوط السياسيّة التي تقود لثغرات أمنية تهدد للأسف بيانات وأرشيفات عاملي المجتمع المدني.
منذ اندلاع احتجاجات عام 2011 في البلاد، استمرت الهيئات المدنية والسياسية والعسكرية – التي ظهرت في سوريا – بالعمل ضمن حلقة من الاتصالات المُخترقة والانتهاكات المتكررة.
على سبيل المثال، اعتمدت مناطق شمال وشرق سوريا على مصادر متعددة لتأمين اتصال خلال الحرب وبعدها: شبكة اتصالات الحكومة السورية، الإنترنت الفضائي (ستارلينك)، خدمات الإنترنت التركية وأخيرًا شبكة Rcell المحلية. خلق هذا التنقل المستمر بين مزودي هذه الخدمة فوضى عارمة في أمن البيانات مؤديةً لفقدان البيانات وعدم إمكانية الوصول إليها.
يؤكّد عباس علي موسى الناشط لدى جمعية تآزر – منصة توثق الأشخاص المفقودين في سوريا – خطورة التعامل مع بياناتٍ كهذه خاصةً شهادات وسجلات الضحايا أو عائلاتهم.
يقول موسى: على الرغم من أهمية الحفاظ على هذه الأرشيفات لتوثيق جرائم الحرب والعثور على المفقودين، إلا أن منظمات المجتمع المدني في سوريا غير مجهزة بالمهارات والموارد التقنية لحماية هذه البيانات. يشرح: “يُوجَّه معظم التمويل المُتاح نحو المشاريع الميدانية والاحتياجات الإنسانية العاجلة بدلًا من تطوير البنية التحتية التقنية.” ويضيف: يُشكّل “عدم الاستقرار السياسي والتحديات اللوجستية” إضافةً للقيود المالية عقبات منهجية أمام جهود الأمن الرقمي.
نتيجةً لذلك، لم يُعتمد على الأمن الرقمي كإجراءٍ أساسي بين أفراد المجتمع المدني بعد، مما يؤدي لضعف استراتيجيات حماية البيانات.
أمنٌ سيبرانيٌّ مُهمل
تشرح هيليز فاتح عبد العزيز من منظمة إنسايت غير الربحية – المعنية بتوثيق جرائم الحرب في سوريا – أنّ القيود المالية تحول دون اعتماد إجراءاتٍ رقميّة أمنية قوية.
أخبرت عبد العزيز سيمكس أن المنظمات تميل للتقليل من أهمية تأمين موارد تقنية والتعامل معها كأولوية أدنى على الرغم من التحديات التي تُشكلها على عملياتها.
يشير موسى أن سبب إهمال الكثير من منظمات المجتمع المدني للأمن السيبراني يعود إلى نقص الكوادر المؤهلة خاصةً في مراحلها الأولى. تركز أولويات الجهات المانحة غالبًا على الاحتياجات العاجلة، تاركةً الأمن الرقمي دون تمويل. يُفاقم الاعتماد على المتطوعين في الأدوار التقنية المشكلة ويعرّض البيانات والحسابات لتهديدات رقمية.
يشرح موسى: بالنسبة للاتصالات الرقمية الداخلية، لا تستخدم منظمات المجتمع المدني هذه عناوين بريد إلكترونيّ رسمية وحلول تخزين سحابية آمنة. تعطّلت الأقراص الصلبة الخارجية – المُخَزّن عليها معلومات آلاف المستفيدين والعديد من المشاريع – بشكل متكرر لسنوات، مُسببةً فقدان بياناتٍ هائل.
تشرح شيرين إبراهيم من رابطة دار لضحايا التهجير القسري – منظمة غير ربحية تُعنى بتلبية احتياجات المُهَجّرين والمهَجّرات قسرًا: “يُعرِض غياب الحماية الكافية التام بيانات المستفيدين، المانحين والموظفين لخطرالاختراقات والتسريبات المحتملة. تضيف إبراهيم: في سياق سوريا الانتقالية، من الممكن أن يُعرض ذلك حياة الناس للخطر أيضًا.
يُعقّد فقدان السيطرة على أنظمة الاتصالات تنسيق الجهود الإغاثية والإنسانية ويؤدي أيضًا إلى تشويه البيانات بسبب الاختراقات، مما قد يؤخر تقديم الخدمات ويقلل من كفاءة العمليات.
في بعض الحالات، يمكن استخدام البيانات المسروقة لاستهداف المجتمعات المستفيدة أو لتسريب معلومات حساسة عن الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان. من الممكن أيضًا تزويرها أو التلاعب بها لتشويه سمعة المنظمة.
صراعٌ سياسيّ-عسكريّ رقميّ
استخدمت تركيا الحرب الرقمية كأداةٍ عدائية في شمال وشرق سوريا، محاولةً مرارًا اختراق أنظمة ومواقع بث وسائل الإعلام المحلية في تلك المناطق التي شهدت توتراتٍ عسكرية وسياسية مستمرة. وقفت السلطات التركية وراء تقييد حسابات وسائل التواصل الاجتماعي للعديد من الناشطين الإعلاميين والمدنيين والعاملين في مجال القانون في سوريا.
اتخذت بعض المنظمات إجراءاتٍ وقائية ردًا على ذلك. سلّط موسى الضوء على الاحتياطات التي اتخذوها لمنع الاختراقات قائلًا: “لدينا أنظمة لحماية البيانات الحساسة فنحن نستخدم برنامج مدفوع ومُشفّر لتخزين المعلومات ولدينا موظف خاص لإدخال البيانات لضمان الوصول المحكم له.”
لكن يبقى الآخرون غير مهيؤون للتهديدات الرقمية. يقول جيا كهرمان أحد أعضاء الإدارة في Frontier Tech، شركة حلول ويب وبرمجيات: ما زال يشكل الأمن الرقمي تحديًا على الرغم من امتثال الشركة لمعايير الحماية العالية عند شراء الخوادم.
يوضح كهرمان: “لا يُبدي المسؤولون في منظمات المجتمع المدني والإعلام المحلي والأوساط الناشطة اهتمامًا كبيرًا بالأدوات الوقائية أو برامج الحماية. لم تُستشار شركتنا حول تقنيات الحماية مُطلقًا أو تُدعى لتقديم ورش عمل تدريبية مُتعمقة، ما يعكس الإهمال المستمر للأمن الرقمي ضمن منظمات المجتمع المدني في سوريا.”
أدت التوترات السياسية لانتهاكات رقمية متزايدة بين فئات المجتمع المدني في سوريا. تحدّث مدير إحدى المنظمات بشرط عدم الكشف عن هويته بسبب مخاوف أمنية: “صادفنا، أثناء عملنا في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، جهة مانحة دولية تعمل في شمال وشرق سوريا ودمشق أيضًا.”
يوضح: “نظرًا للحساسية السياسية لكلا الموقعين، اعترضنا على عدم الكشف عن المشاريع في شمال وشرق سوريا ووُعدنا بالسرية الكاملة، لكن اكتشفنا مع مرور الوقت إمكانية وصول النظام السوري للتفاصيل التشغيلية والبيانات الأخرى.”
يبقى العاملون في هذه المنظمات يخشون التهديدات في سوريا اليوم.
شاركت مديرة، فضّلت عدم الكشف عن هويتها، تجربتها، مُسترجعةً تحديات أمن البيانات في ظلّ النظام السابق: “كان العمل على حماية بياناتنا في العاصمة كابوسًا دائمًا. نفذّنا مشاريع مع الجهات المانحة المُرخصّة للعمل في سوريا فقط، ما يعني دراية الوكالات الأمنية بنشاطاتنا. مع ذلك، كنا نخشى التسريبات خاصةً أسماء المُستفيدين ممن تعرضوا للمضايقات.”
تضيف: “واجه بعض المستفيدين مضايقات أمنية واستُجوبوا عن الدعم الذي تلقّوه؛ وهي إشارة جلية على اختراق بياناتنا.”
كان الوضع قاسيًا للغاية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق في شمال وغرب سوريا. بحسب إحصاءات مكتب تمكين المرأة، تعرضت 53% من النساء لشكل من أشكال العنف الرقمي.
دفع ذلك المنظمات المدنية لتخصيص ميزانيات هائلة لأمن عامليها الرقمي. أدى ذلك لإطلاق المنصة الرقمية سلامتك بداية عام 2012 التي قدمت دعمًا ومساعدةً تقنيةً عاجلة لما يقارب 17,172 سوريًا بواسطة خط المساعدة الطارئة عبر الإنترنت.
على الرغم من مخاطر الأمن السيبراني البالغة التي يواجهها المجتمع المدني في سوريا، لم تُنفّذ المنظمات إجراءات أمن رقمية قوية ضد الاختراقات والتسريبات بعد.
مع كل التغييرات التي تحصل في البلاد، تواصل هذه المنظمات عملياتها دون أية استراتيجيات أو خطط مُحكمة بشأن الأمن الرقمي، ما قد يؤدي لكارثةٍ رقمية.






