أغلق

تبرع اليوم لدعم استمرار الأصوات العالمية!

يعمل مجتمعنا العالمي المكون من المتطوعين بجد بصورة يومية لنشر الأخبار التي لا يتم تغطيتها بشكل كاف، ولكن لا يمكننا القيام بذلك دون مساعدة. ادعم محررينا وموقعنا وحملاتنا عبر التبرع للأصوات العالمية!

تبرع الآن

هل ترى كل هذه اللغات بالأعلى؟ نترجم محتوى الأصوات العالمية حتى نجعل إعلام المواطن متاح لكل العالم.

تعرف أكتر عن لينجوا للترجمة  »

لمحات من سوريا: مرسيل شحوارو عن الحياة في حلب

Marcel Shehwaro

مرسيل شحوارو، تصوير عامر السويدان في ملتقى المدونين العرب في عمان بالأردن. مستخدمة بإذن.

في سلسلة من المقالات المكتوبة بالعربية على الأصوات العالمية، تصف المدونة والناشطة السورية مرسيل شحوارو حياتها في حلب، في قلب الصراع السوري، بين النظام السوري وبين الساعين إلى هدمه.

تكتب مرسيل في مدونتها لمحات، وتغرد على تويتر، بالعربية بشكل أساسيّ.

حلب، سوريا

مرسيل في الأصوات العالمية

كانت آخر فرصة لأحتفل بكريم، الذي توفي بعد خروجه عن عمر الثانية والثلاثين بأزمة قلبية، تاركًا لنا السؤال حول ما رآه هذا القلب، فلم يحتمل، فغادر الدنيا قبل الثورة بقليل..

في هذا البيت تعلمت الطبخ بكميات كبيرة تكفي عشرة من أصدقائي “الرجال”، سهرت على أحاديث سياسية وشخصية جدًا، تعرفت على أهاليهم من الحكايات وتعرفوا على قصص أهلي. بكينا كثيرًا على الشرفة وانتظرنا صديقنا المجنون الذي لا يجيد تقدير المخاطر في هذا المنزل، المزدحم دومًا بالناشطين الذين لا بيوت أخرى لهم. تعلمت كيف تنتفي خصوصيتك تمامًا في زمن الحرب.

في اللحظة التي دخلت فيها باب الكنيسة، كاد أن يكسرني منظر حافلة لعناصر الأمن. لست أدري لم كانت جنازة أمي تستدعي حضورًا بالعتاد والعدّة. كاد ذلك كله أن يكسرني، لولا ذاك البياض الثوري، الذي جاء ليحتضنني. لست أدري من أين جاء كل هؤلاء وأي حب وانفتاح يحملون، حتى حملوا السلام إليّ بحضورهم. ثوار يملؤون أدراج الكنيسة بثيابهم البيضاء يرفعون وردتهم الحمراء عاليًا. هم يصرخون حرية بصمت وخشوع يليق بهم.

بداية ً يتوجب عليّ أن أوضّح، لم يذهب الشعب السوري إلى سوبر ماركت “النصر”، لم يكن لديه على الرفوف خياراتٍ كأن يرحل الأسد كبن علي، أو أن يتنحى كمبارك، لم يمتلك ما يكفي من النفط ليشتري خيار الناتو كليبيا، لم يكن لديه من الرفاهية للاختيار. لكنه أصرّ على شراء “القاعدة” لأنه وجدها ملفوفة بشريط العروض الأصفر ضمن زاوية “التخفيضات”.

في يوم اعتيادي جدًا، وأنا أتناول الغذاء مع أحد الأصدقاء في تركيا، وبعيدًاعن القصف والموت وقريبة جدًا من حدّ الاختناق بالشعور بالذنب بسبب بعدي عن مدينتي وهي تحتضر، شعور بالغرابة لأنني أتمتع بما يكفي من رفاهية الاتصالات والكهرباء، أفتح صفحتي الشخصية على فيسبوك ككل المدمنين على وسائل التواصل الاجتماعي لأرى ما كتبه لي أحد الأصدقاء المقربين من الثوار

خلال ثلاث شهور تغيرت أمور كثيرة، اختفت كاميرات الإعلاميين، طالت لحى البعض، ارتدى البعض الآخر الأفغانية، آخرين تفادوا تمامًا التحدث عن داعش، بينما زاود البعض الآخر حتى الوصول إلى الدفاع عن هذا التنظيم.

يأمل الثوار أن يلتحم جزءا المدينة، بعد انقسام قارب أن يلامس العامين، ومعها انقسمنا جميعًا كالشعب الساكن في المدينة إلى شعبين، وحتى نحن أنفسنا قد انفصلنا لأجزاء لا زالت تحيا مع الذكريات التي خلفناها ورائنا في أجزاء المدينة التي لا نستطيع زيارتها “لأسباب أمنية”، والأجزاء التي تحاول أن تتعرف على مناطق مدينتها وتحبها مرغمة.

قالوا لي من اليوم الأول أن زوجها بالمعتقل، وأن الأغاني التي أغنيها دومًا في كل مكان قد تكون سببًا في إثارة الشجن. لم أهتز حزنًا للخبر، كم اعتدنا على قصص عائلات المعتقلين وكأن الطبيعي أن نسجن في سوريا الأسد ومن هم خارج السجن أو يظنون أنفسهم كذلك هم الاستثناء.

اختفت الكهرباء تمامًاً لفترات طويلة، واشتكينا ربما يومان أو أسبوع على الأكثر وبعدها كان علينا أن نلتفت لدفن أشلائنا، إذ أن آلة القتل الأسدية المتمثلة بالمدفعية قد أدارت وجهها من قصف ريف المدينة إلى قصف المدينة بحد ذاتها، وبدأ النظام باستخدام الطيران الحربي وصواريخ سكواد أيضًا.

لشخص خسر أمه برصاصة قاتلة هي ليست تمامًا “شافية” فحتى لو اتفقنا أن الكتابة فعل سحريّ معالج. لكن بعض الآلام مزمنة جدًا، تستنزف من الجسد والروح ما لا يقوى أي دواء أن يشفيه.

كان من المفترض أن هذه المقالة تتحدث عن الحياة اليومية العادية، ذكريات عادية لفتاة مختلفة قليلًا “دعونا نطلق عليها لقب ناشطة” إذا كان هذا اللقب أكثر جاذبية للبعض.

ألحظ فورًا كم تأخرنا هذه السنة بالحديث عن الذكرى السنوية الثالثة، وكأن تأخير الحديث قد ينفي الواقع “المحبط” حقًا أننا سنصل إلى سنتنا الثالثة منذ اندلاع ثورتنا.

لطالما اعتبرت أن السؤال الأصعب للإجابة عليه، أو للكتابة عنه، هو من أنا؟ وخصوصا اليوم بعد ثلاث سنوات من الثورة لم أعد أدري تمامًا كم أشبه تلك الفتاة التي كنت قبلها، لكن قد يكون الكتابة إليكم فرصة حقيقية لأعيد تعريفي أنا أيضًا بنفسي، أو على الأقل إعادة تذكيري بكيف أرى هذا الكائن الذي أحيا معه والذي هو أنا.

مرسيل شحوارو أثناء تشييع جنازة والدتها، والتي اغتالتها قوات النظام السوري

مرسيل شحوارو أثناء تشييع جنازة والدتها، والتي اغتالتها قوات النظام السوري أثناء مرورها بحاجز أمني في 20 يونيو / حزيران 2012. قام نشطاء أثناء الجنازة بحمل الورود الحمراء. الصورة مستخدمة بإذن من مرسيل.

أحدث مقالات مرسيل شحوارو

اشترك بتحديثات القائمة البريدية للأصوات العالمية

لا أريد الإشتراك، أرسلني للموقع